بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:


الشرق الأوسط الكبير

04/03/2004

د. أحمد ثابت **

استخدم مفهوم الشرق الأوسط من قبل القوى الاستعمارية الأوربية إبان الحرب العالمية الأولى بصفة أساسية، وذلك في مواجهة تصاعد تجليات ومظاهر انبعاث الوعي القومي العربي الذي شهد مده وانتشاره لمواجهة نفوذ المشروع القومي الطوراني مع بدء أفول الدولة العثمانية، وما عرف بسياسة التتريك التي أرادت الحركة القومية التركية فرضها على المجتمعات العربية بقيادة حركة "تركيا الفتاة" منذ بدايات القرن العشرين. 

وفي نفس الوقت برزت مشروعات مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية الاستعمارية واتفاقات ومعاهدات تقسيمها في الوطن العربي بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، مثل معاهدة سايكس-بيكو لعام 1916. ولم يكن مفهوم "الشرق الأوسط" يشير في الواقع إلى حيز جغرافي معين ولا إلى تاريخ محدد مشترك لشعوب المنطقة، بل استند بالأساس إلى نظرة السياسات الاستعمارية الأوربية إلى أوروبا كـ"مركز" أو "قطب جاذب" للعالم يقع خارج "الشرق الأوسط"، وبناء على ذلك فقد صكت القوى الاستعمارية الأوربية التعبيرات المختلفة بخصوص مناطق التوسع الاستعماري انطلاقًا من المركزية أو التمحور حول أوربا في عصر الاستعمار التقليدي الذي شكل عالمًا تميز بكونه ذا قطب واحد هو القطب الاستعماري العالمي بدوله المختلفة.

في هذا الإطار شاعت فكرة "الشرق الأوسط" في السياسة البريطانية، وفكرة "المشرق" في أدبيات السياسة الفرنسية. وكلاهما مفاهيم جيو سياسية وإستراتيجية دلت على طبيعة مخططات القوى الاستعمارية الأوربية إزاء "شرقها" هي بالمعنى الجغرافي وعكست إستراتيجيات تقاسم مناطق النفوذ بينها وخصوصًا مع اكتشاف البترول في كل من إيران والعراق وشبه الجزيرة العربية. وهكذا تداخل في المشروع الاستعماري الجغرافيا والتاريخ والأيديولوجيا، وحمل المفهوم في طياته تصورًا لعلاقة الوطن العربي بالعالم الغربي.

وعندما نشأ الكيان الصهيوني في فلسطين بدعم استعماري مباشر صارت "شرق الأوسطية" إلى جانب مركزيتها الأوربية شديدة الارتباط بعلاقة العرب بإسرائيل. ذلك أن إدراك القوتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لخطورة ما عرف بـ"المسألة اليهودية" أي موضوع رفض تجمعات يهودية عديدة في أوربا الاندماج في الحداثة والتحديث والعلمانية الغربية، جعلهما يفكران جديًّا في إقامة "وطن للشعب اليهودي" أو لـ"الأمة اليهودية" حسب تعبير بالمرستون رئيس الوزراء البريطاني في أربعينيات القرن التاسع عشر أو حسب تعبير نابليون بونابرت قبل ذلك أي في أواخر القرن الثامن عشر، تحققان به -أي فرنسا وبريطانيا- هدفين متقاطعين هما تجزئة المنطقة العربية من جهة وحل "المشكلة اليهودية" التي أرّقت أوربا كثيرًا، من جهة أخرى.

ومن ثَم وكما يقول المفكر المصري الأستاذ محمد سيد أحمد: "إن (شرق الأوسطية) في أبعادها التاريخية، لا تقتصر على علاقة ثنائية بين العالم العربي/ الإسلامي من جانب، والعالم الغربي/ المسيحي/ اليهودي (بصفته كلا لا يتجزأ) من الجانب الآخر، وإنما هي علاقة "ثلاثية" تشمل ثلاثة أضلاع في آن واحد: العالم العربي/ الإسلامي والعالم الغربي، والعالم اليهودي/ الصهيوني. ونخطئ كثيرًا لو ضممنا العالم اليهودي/ الصهيوني إلى العالم الغربي على وجه الإطلاق دون إدراك أن هناك أوجه تمايز وتباين في الرؤية والهدف والإستراتيجية بينهما، كثيرًا ما يغفلها العرب وهم مخطئون ويسيئون إلى أنفسهم. ومما تجدر تسجيله أن لإسرائيل رؤيتها الخاصة في هذا الصدد"(1).

إن "شرق الأوسطية" كفكرة تنسب إلى مركز خارج الشرق الأوسط هو أوربا تاريخيًّا وإلى الغرب وفيه الآن الولايات المتحدة - قطبه الأكبر، وهي لم تعبر أبدًا عن نطاق جغرافي تاريخي محدد على وجه الدقة، بل تعرضت للانكماش والتوسع مع تغير المشاريع الغربية والأمريكية تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي. ففي إطار سعي بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة لحصار المد القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تم توسيع المفهوم ليشمل دولاً إسلامية غير عربية مثل إيران في عهد الشاه وتركيا بحيث يصبح الشرق الأوسط نطاقًا إستراتيجيًّا وأمنيًّا يقوم على سلسلة من الأحلاف مثل حلف بغداد عام 1955، ثم مشروع النقطة الرابعة للرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور لملء الفراغ الإستراتيجي بقيادة الولايات المتحدة مع أفول نجم بريطانيا وفرنسا عام 1957 ثم الحلف الإسلامي عام 1965، وهي الأحلاف الاستعمارية التي هزمت ووئدت مع الصحوة القومية وتأميم قناة السويس المصرية وحركة التحرر الوطني العربي والمد الوحدوي العربي.

وهذه السلسلة أدخلت دولاً عربية تحكمها نظم محافظة موالية للولايات المتحدة مثل الأردن والسعودية وعراق نوري السعيد، وتخرج من نفس النطاق شرق الأوسطي دولاً عربية رغم أنها تقع في قلب هذا النطاق نفسه إذا ما قبلنا مدلول المصطلح جغرافيا، مثل مصر وسوريا والعراق منذ عام 1958 واليمن منذ عام 1962.

معنى ذلك أن "الشرق الأوسط" هو تعبير عن منطقة "ذات جغرافيا متغيرة"(2)!!، ويدل على ذلك أن المصطلح صار يعبر عن مدلول جغرافي آخر مغاير بعد هزيمة النظام الناصري والمد القومي العربي عام 1967 على يد إسرائيل والدعم الأمريكي لها، فبعد أن كان يقتصر على مصر وفلسطين والشام، صار بعد عدوان عام 1967 وانشغال الحكومات العربية بمهمة "إزالة آثار العدوان" في إطار قرار مجلس الأمن رقم 242 يشير فقط إلى الحيز الذي تشغله الدول التي دخلت حرب 1967.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة في عهد إدارة نيكسون وتحت تأثير سياسة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر استثمرت إلى حد بعيد سعي الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى تسوية سلمية سريعة ومنفردة مع إسرائيل بعد أن عبر منذ الأيام الأولى لحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 عن عزمه على عدم إطالة أمد الحرب أو عدم توسيع مداها، وذلك في مراسلاته السرية مع كيسنجر، وتم ذلك الاستثمار من خلال نجاح كيسنجر في فك الارتباط بين قضيتي النفط والصراع العربي - الإسرائيلي في إطار مواجهته لتداعيات استخدام سلاح النفط العربي إبان حرب أكتوبر/ تشرين.

ومن جانب آخر وضعت الولايات المتحدة تصورًا للشرق الأوسط في هذه الحقبة يحصره في الأطراف العربية التي تقبل التسوية السياسية للصراع العربي - الإسرائيلي بقيادة منفردة لواشنطن ومعها كل من إسرائيل وإيران الشاه وتركيا، مع التأكيد على أهمية إقامة علاقات اقتصادية وتنسيق أمني بين هذه الأطراف العربية وإسرائيل. وقد تم ذلك جزئيًّا مع توقيع أنور السادات معاهدة "سلام" منفرد مع إسرائيل عام 1979.

التغير بعد الحرب الباردة

طرحت نهاية الحرب الباردة مع زوال الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية ضد الغزو العراقي للكويت وانتصار الولايات المتحدة على المنظومة السوفيتية دون حرب فرصًا عديدة للمضي قدمًا في تطبيق مشروعها المتجدد للشرق الأوسط، وخصوصًا مع قيادتها لما سُمِّي عملية سلام مدريد في أكتوبر 1991 وما بعدها والتي شهدت دخول الأطراف العربية في مفاوضات ثنائية مع إسرائيل، وكذلك المباحثات متعددة الأطراف التي شملت كل الدول العربية تقريبًا حتى تلك التي لم تشارك في الصراع العربي الإسرائيلي أو الحروب العربية الإسرائيلية مثل دول الخليج العربي.

 وحاولت واشنطن فرض تصورها شرق الأوسطي بقضايا متداخلة بين بعدها العالمي وبعدها الإقليمي مثل التسلح واللاجئين والمياه والتعاون الاقتصادي، مع السعي لتأسيس نماذج للتعاون والتكامل الاقتصادي والأمني على أسس جيو إستراتيجية، وجيو اقتصادية بهدف تقويض النظام الإقليمي العربي وعلى حساب قضايا ومصادر الصراع الجوهرية وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والقضية الفلسطينية، وعلى حساب الانتماءات والروابط العروبية الإسلامية الثقافية/ الحضارية والتاريخية واللغوية.

وفي هذا الإطار تلاقت المصالح الأمريكية والإسرائيلية في إعادة صياغة خريطة المنطقة عبر طرح صيغة ملائمة لإدخال إسرائيل في "منطقة ينزع عنها مواصفات الجغرافيا التاريخية وسمات التاريخ الحضاري والثقافي، ويشدد فيها على الجغرافيا الاقتصادية المعاصرة في نظام السوق العالمية، ليخلق فيها نواة سوق شرق أوسطية تتوسع بالتدريج انطلاقًا من إسرائيل كنواة ودورها كقوة جاذبة ومهيمنة اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وأمنيًّا ومدنيًّا"(3).

وقد تقدم بهذا الطرح "شيمون بيريز" في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" وكذلك بنيامين نتنياهو في كتابه "مكان تحت الشمس"، حيث تم تقديم إسرائيل لديهما كدولة متقدمة مصنعة وسط محيط من "التخلف" العربي، ودولة ديمقراطية بين نظم دكتاتورية، وكقوة عسكرية رادعة تمكنت من جلب العرب إلى طاولة المفاوضات بعد اقتناعهم بأنه لا مجال لهزيمة إسرائيل عسكريًّا!! هذان الكتابان اللذان نشرا عامي 1995 و1996 هما حصيلة فعلية لما طرحته تل أبيب من قائمة مقترحات قدمتها في الاجتماع الأول لما عرف بالمفاوضات متعددة الأطراف في موسكو في يناير/ كانون الثاني 1992، ثم في المؤتمرات الاقتصادية لما عرف بـ"الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في الدار البيضاء عام 1994 وعمّان عام 1995 والقاهرة عام 1996 والدوحة عام 997.

 وتضمنت برامج للتعاون الاقتصادي في قطاعات ومشروعات محددة: المشاركة في الموارد الطبيعية والتكنولوجية والبشرية، التعاون في ميادين البحث العلمي، توسيع أسواق المنطقة، جذب الاستثمارات الخارجية ومن دول النفط العربية، جذب مؤسسات التمويل الدولية للاستثمار في تطوير البنية الأساسية الإقليمية، وتأسيس صندوق إقليمي للتنمية في الشرق الأوسط. كما تقدمت تل أبيب أيضًا بمقترحات للتنسيق الأمني بين الدول العربية وبينها، وصولا إلى إقامة نظام للإنذار المبكر يقوم على جمع وتبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية بينها وبين الأطراف العربية، وبما يكفل الحيلولة دون حدوث أزمات مفاجئة وإدارة الأزمة وقائيًّا.

وقد تمكنت إسرائيل من تحقيق نجاح جزئي بدعم تام من الولايات المتحدة وتركيا في مجال التطبيع الاقتصادي وتوقيع معاهدة "سلام" مع الأردن في وادي عربة عام 1994 والتوصل لإعلانات أوسلو بين أعوام 1993 و1995 مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، وبادرت دول الخليج العربي وتونس والمغرب بفتح مكاتب تمثيل تجاري لإسرائيل لديها، وزادت وتيرة التطبيع السري والعلني، ومن جانبها أقدمت دول الخليج العربية -تجاوبًا مع الوعود والتهديدات الأمريكية- على إلغاء المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثانية والثالثة، أي مع الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل أو لها فروع فيها.

وهكذا يمكن لنا ملاحظة أن "شرق الأوسطية" كمشروع أمريكي إسرائيلي صار يتوسع ليضم مختلف الدول العربية؛ حيث تم إفهام هذه الدول أن التطبيع لا بد أن يتضمن حيزًا أوسع. وهذا الطرح التوسيعي لـ"شرق الأوسطية" شدد عليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد عندما قال: "إن هدفنا ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط، وأن تحل محلها حالة عدم الحرب، إن هذا لن يستمر، لكننا نريد السلام الحقيقي، إنني أتحدث عن الأمن والعلاقات الاقتصادية والتجارية والتبادل الثقافي" (4).

توسع المشروع

ومن اللافت للنظر أن معظم النظم العربية -فيما عدا سوريا ولبنان- سارعت إلى الدخول في هذا المشروع شرق الأوسطي الموسع تحت أوهام عديدة منها أن إدراج إسرائيل في منظومة شرق أوسطية قائمة علي التعاون والتكامل الاقتصادي والمشروعات السياحية والتنموية المشتركة، وخصوصًا بين مصر وإسرائيل والأردن مع ضغط القاهرة وعمّان على السلطة الفلسطينية للانضمام إليها، من الممكن أن يدفع تل أبيب لتنفيذ التزاماتها الواردة في إعلانات أوسلو بشأن القضية الفلسطينية، وخصوصًا أن معظم النظم العربية توافقت ضمنًا مع بعضها البعض من جهة، ومع تل أبيب وواشنطن من جهة أخرى على الحيلولة دون عودة الكفاح المسلح الفلسطيني ضد إسرائيل.

وبالطبع رفضت تل أبيب وواشنطن هذه "المقايضة" وصممتا على الفصل بين التطبيع الثنائي والإقليمي وبين التسوية السلمية للصراع على الجبهات الفلسطينية واللبنانية والسورية.

لكن ذلك الرفض لم تقابله النظم العربية الداخلة في المشروع شرق الأوسطي بتجميد روابط واتصالات التطبيع مع إسرائيل لإدراكها أن بقاء صلات ما بتل أبيب مدخل مهم للغاية لاستمرار علاقاتها الجيدة مع واشنطن، وحيث حرصت على ألا تشوبها أية شائبة، بل إنها التحقت بـ"التجمع شرق الأوسطي الموسع" بالمفهوم الأمني الذي أرادته له كل من واشنطن وتل أبيب عندما حضرت معظم الحكومات العربية ما سُمِّي "مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب"، والمقصود "الإرهاب" الفلسطيني خاصة بعد عمليات استشهادية عديدة استهدفت تل أبيب وعسقلان في عام 1996، وعقد المؤتمر بعدها مباشرة ومن أجل انتزاع إدانة رسمية عربية لها، وحضرته إلى جانب الدول العربية تركيا ممثلة في رئيسها وكذلك ممثل عن الاتحاد الأوربي والأمين العام للأمم المتحدة. ومن المفارقات أن حكومات مثل مصر والسعودية أطلقت على المؤتمر تسمية طريفة هي "مؤتمر صانعي السلام بشرم الشيخ"!!

لكن "شرق الأوسطية" هذه تعرضت للتوقف مرحليًّا مع مجيء نتنياهو إلى الحكم في إسرائيل في مايو 1996؛ بسبب سياسات الليكود بزعامته المتعسفة والمغالية في القمع الوحشي للشعب الفلسطيني.

التوجه الإمبراطوري الأمريكي

انتهزت دوائر اليمين المحافظ واليمين المسيحي الأمريكية الحاكمة في إدارة بوش الابن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والعدوان على العراق واحتلاله والإطاحة بنظام صدام حسين لفرض تصوراتها عما أسمته "الشرق الأوسط الكبير" والذي يقوم على إعادة صياغة كاملة للخريطة الجيو إستراتيجية للمنطقة العربية تتضمن الإجهاز على ما تبقى من بقايا النظام الإقليمي العربي، والعمل على طمس المقومات الثقافية/ الحضارية عروبية وإسلامية للوطن العربي عبر تذويب هذا الفضاء السياسي الجغرافي التاريخي الثقافي المشترك في نطاق إستراتيجي أوسع يمتد من بحر قزوين وشمال القوقاز شمالاً وشرقًا إلى المغرب غربًا.

وقد استندت دوائر اليمين المحافظ واليمين المسيحي وحلفاء إسرائيل ومعها مراكز بحوث مؤثرة في صناعة السياسة think-tanks مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا إلى مزاعم وتصورات غير متناسقة ويسيطر عليها الطابع البراجماتي ومن أهمها أن "الشرق الأوسط" هو منطقة الاضطراب الكبير في العالم ومصدر كبرى المشكلات والتهديدات القديمة والمستجدة للأمن القومي الأمريكي مثل الإرهاب وانتشار أسلحة التدمير الشامل والأصولية والتطرف والهجرة غير المشروعة... إلخ.

وساقت أدلة على ذلك منها وجود نظام صدام حسين نفسه، وكون جميع من نسب إليهم القيام بالهجمات على واشنطن ونيويورك من بلدان عربية، وساعدهم آخرون من تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وباكستانيون وغيرهم من شرق الأوسطيين. هذا إلى جانب ما كرره المسئولون الأمريكيون، بدءاً من الرئيس الأمريكي بوش الابن نفسه ونائبه ديك تشيني إلى وزير الخارجية كولن باول إلى مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس إلى وزير الدفاع رامسفيلد وابنته إليزابيث ومستشاره "بيرل" ووكيل الوزارة "دوجلاس فايث" وغيرهم، بناء على بحوث وتقارير قدمتها مراكز بحوث يمينية مرتبطة بفريق بوش مثل "مؤسسة أمريكان إنتربرايز" و"مؤسسة هيريتاج"، ومفادها أن الطابع السلطوي للنظم العربية الحاكمة في دول كبيرة مثل مصر والسعودية وغيرهما إلى جانب مناهج التعليم والسياسات الثقافية والإعلامية والفساد السياسي والمالي، وكذلك غلبة نظم للحكم وأنماط للتفكير غير عصرية، تُعَدّ كلها مسئولة عن شيوع التطرف والإرهاب والتعصب وكراهية الولايات المتحدة والغرب وموجات الهجرة إلى الدول الغربية والحرمان الاقتصادي والاجتماعي.

ومن الملاحظ أن إدارة بوش الابن صممت على أن تقوم الولايات المتحدة بنفسها بهذه المهمة مباشرة وليس عبر إسرائيل.. مهمة إعادة الهيكلة الشاملة للوطن العربي والعالم الإسلامي فيما يعرف الآن بمشروع "الشرق الأوسط الكبير". وكانت إدارة بوش قد خيرت العالم كله بين تأييد ما يسمى الإرهاب أو محاربته، وحاول بوش الربط بين الإرهابيين وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وصمم على أن تحتكر إدارته وحدها تحديد التهديدات المختلفة، ولم يقبل بمشاركة الآخرين بمن فيهم الحلفاء الأوربيون أنفسهم في ذلك التحديد، بل هدّد الجميع بأن من لم ينضم إلى تصوره في هذا الصدد إنما يدخل أتوماتيكيًّا في خانة دعم الإرهاب أو التستر عليه(5).

وذكر بوش أيضًا أن أحداث سبتمبر أثبتت أن المؤسسات القديمة وكذلك التحالفات والقواعد لم تَعُد مناسبة لحماية الشعب الأمريكي، وأنه إذا لم يتمكن من قمع الإرهابيين، فإن ميدان عملهم سوف يتسع، وإذا تمكنوا من الوصول إلى أسلحة التدمير الشامل فسوف تترتب نتائج خطيرة. وخاطب بوش النظم العربية بالذات والعالم عمومًا بأن الولايات المتحدة سوف تتصرف في الوقت وبالطريقة التي تلائمها وتراها مناسبة عندما تتوصل إلى وجود رابطة بين الإرهابيين والتكنولوجيا المدمرة. بل ذكر أنه من الضروري هزيمة أعداء الولايات المتحدة وعدم الاكتفاء بالاعتراض على وجودهم(6).

هلع النظم العربية

ذكرنا أن معظم النظم العربية قبلت الدخول في المشروع شرق الأوسطي عندما كان يقتصر على التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني، بل وتسابقت على المشاركة فيه، لكن عندما توالت تصريحات وأفكار إدارة بوش الابن عن أن الشرق الأوسط الكبير هدفه الرئيسي إدخال الشرق الأوسط في دائرة الدمقرطة العالمية بالمعايير الأمريكية طبعًا التي والذي بدأ منذ إدارة ريجان في بداية الثمانينيات من القرن العشرين إلى بداية عهد إدارة بوش الابن، واقتصر على شرق أوربا وروسيا وأمريكا اللاتينية، فإذا بإدارة بوش الابن تعلن عن تصميمها على ضم الشرق الأوسط إلى دائرة الإصلاح الديمقراطي والسياسي ولو كان ذلك بالقوة، ولو أدى إلى إغضاب الأصدقاء والحلفاء من النظم العربية الموالية التي تعودت على تجاهل الولايات المتحدة لمثل هذه القضايا وتقديم مصلحتها الاقتصادية معها.

ومن هنا عبرت هذه النظم عن غضبها واستيائها من التصميم الأمريكي، وذكرت أن الديمقراطية لا تفرض من الخارج، مع أن غالبية سياسات وقرارات هذه النظم إنما جاءت وطبقت أساسًا بناء على ضغوط وإغراءات خارجية وأمريكية على وجه الخصوص. يمكن تفسير ذلك من قراءة جوهر مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي قدمته إدارة بوش بالفعل إلى قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى القادمة في جورجيا بالولايات المتحدة والتي ستعقد في يونيو/ حزيران 2004 .

وكانت واشنطن قد أجرت مناقشات عديدة مع بعض الوزراء الأوربيين في العاصمة واشنطن بغرض أن يكون الموضوع الرئيسي على جدول أعمال تلك القمة، وحتى يتم التنسيق بين التصور الأمريكي والتصور الأوربي الذي تقدمت به ألمانيا ممثلة في وزير خارجيتها يوشكا فيشر في فبراير/ شباط 2003 إبان القمة الأوربية التي عقدت في ألمانيا والتي دعت إلى إصلاح ديمقراطي في الشرق الأوسط وأساسًا في الدول العربية، ولكن نابع من الداخل إلى جانب مشروع تنمية متكامل وإصلاح عربي وتنمية مستديمة وأثارت المبادرة الألمانية أيضًا أهمية قضية المعرفة(7).

تعمد الرئيس الأمريكي بوش في خطبه منذ نهاية عام 2003 وحتى نهاية فبراير 2004 أن يغفل الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي أو "سلام الشرق الأوسط"، وقصرها على قضية التغيير السياسي في هذه المنطقة التي صارت تضم أفغانستان وباكستان وإسرائيل وتركيا إلى جانب كل الدول العربية.

مشروع الشرق الأوسط الكبير عبارة عن أفكار غير معدة جيدًا ومتناثرة ولا تشبه خطة محددة أو مشروعًا متكاملاً، فمن أهم ملامح الجانب المتعلق بالتغيير الديمقراطي الذي تريده واشنطن هو ما تحدث عنه بوش في خطابه في السادس من نوفمبر 2003 عندما وصف المجتمع الديمقراطي الناجح المنشود بأنه مجتمع يضع حدودًا على سلطة الدولة وسلطة الجيش؛ لكي تتمكن الحكومة من الاستجابة لإرادة الشعب بدلاً من الاستجابة لإرادة النخبة فقط، وهو المجتمع الذي يشجع قيام المؤسسات المدنية السليمة وتشكيل الأحزاب ونقابات العمال ووجود الصحف ووسائل الإعلام المستقلة، أما اقتصاد هذه المجتمع فهو قائم على اقتصاد القطاع الخاص ويضمن حق الملكية الفردية ويعاقب الفساد ويخصص الاستثمارات في قطاعي الصحة والتعليم للمواطنين ويعترف بحق المرأة، وبدلاً من توجيه مواطنيه نحو كراهية ورفض الآخرين يسعى إلى تحقيق آمال شعبه(8).

وبهذا المعنى أيضًا قدم كولين باول وزير الخارجية مبادرة الشراكة الأمريكية شرق الأوسطية، وإلى جانب القضايا الاقتصادية التي تتشابه مع ما ورد في خطاب بوش سالف الذكر، ذكر باول أن هذه المبادرة صممت لدعم الرجال والنساء والشباب في الشرق الأوسط في سعيهم نحو الديمقراطية والحريات المدنية وحكم القانون، وتحدث عن برامج واشنطن في هذا الصدد والتي تتضمن ما يلي(9):

- مساعدة المنظمات غير الحكومية والأفراد المنتمين إلى جميع الفئات السياسية العاملين في سبيل الإصلاح السياسي من خلال آليات كصندوق ديمقراطية الشرق الأوسط.

- دعم إنشاء مزيد من المنظمات غير الحكومية وشركات وسائل الإعلام المستقلة، ومنظمات إجراء الاستفتاءات ومؤسسات الفكر والرأي وغيرها.

- برامج شفافية النظم القانونية والتنظيمية وتحسين إدارة العملية القضائية.

- التدريب للمرشحين لمناصب سياسية ولأعضاء البرلمانات وغيرهم من المسئولين المنتخبين.

- التدريب والتبادل للصحفيين في الصحف التقليدية والصحافة الإلكترونية.

ورغم أن المبادرة تعرضت لقضية الإصلاح التعليمي، فإنها أشارت فقط لبرامج لتعلم القراءة والكتابة وتحسين سبل اكتساب المعرفة ومنح دراسية للبكالوريوس في الولايات المتحدة، أما هدف تغيير نظم ومناهج التعليم والسياسات الثقافية والإعلامية فقد ورد غالبًا في تقارير كشف النقاب عنها، والغرض من وراء ضغوط وإغراءات إدارة بوش وراء ذلك متعدد من أهم جوانبه العمل على إنهاء الكراهية والتعصب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عمومًا باعتبار أن هذه النظم والسياسات كما تزعم إدارة بوش هي المسئولة عن تفريخ الإرهابيين وتشكيل وعيهم!!. ثم ذكر بوش في خطب أخرى له أنه مصمم على تقديم الدعم لأنصار الإصلاحات الديمقراطية في البلاد العربية، وامتدح بعض النظم العربية التي أدخلت بعض الإصلاحات الديمقراطية وخص مصر بالتحديد عندما ذكر أنه آن الأوان لكي تقود مصر جهود الديمقراطية بعد أن قادت جهود ما سماه السلام من قبل.

لم يتوقف الأمر عند حد الدعوات، بل عبرت إدارة بوش عن استعدادها لخوض مواجهة عنيفة في هذا المجال، عندما عبرت عن غضبها الشديد من قيام الحكم المصري باعتقال ومحاكمة مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الدكتور سعد الدين إبراهيم، بل وألمحت إلى تصميمها على تخفيض المعونة الأمريكية لمصر إذا ما استمر إبراهيم في السجن. وعبّر بوش كذلك في خطابه في السابع من فبراير 2004 بمناسبة افتتاح معرض في مكتبة الكونجرس عن حياة القائد البريطاني ونستون تشرشل عن نفس المعنى وبصراحة أكبر عندما ربط بين مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية في العالم العربي، وأوضح أن أمريكا تتبع ما أسماه إستراتيجية لنشر الحرية في المنطقة وبأنها تواجه أعداء الإصلاح وتتصدى لمن أطلق عليهم حلفاء الإرهاب، وأكد على أن أمريكا صارت تطالب أصدقاءها الآن بما لم تفعل من قبل(10).

وذكر أن الديمقراطية ينبغي أن تفرض من الداخل حتى ينفي عن بلاده أنها تفرض الديمقراطية من الخارج، بالطبع يُعَدّ هذا تطورًا بارزًا في موقف إدارة بوش يبدو أنها توصلت إلى أن الديمقراطية لا تفرض من الخارج، وخصوصًا من قوة استعمارية تحتل العراق، بعد سماع نصائح حلفائها الأوربيين. وهو أمر على كل حال يدل على إدراك هذه الإدارة ولو جزئيًّا لهذه الحقيقة وهو ما أقرت به على الأغلب تحت ضغوط داخلية من الديمقراطيين في حمى التحضير للانتخابات الرئاسية القادة في نوفمبر 2004، ولكن هذه الإدارة لم تفعل الكثير في صدد التغيير الديمقراطي الفعلي وبما يقنع ولو جزئيًّا المواطن العربي الذي يرى وحشية قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وقوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين.

الشرق الأوسط الكبير في طبعته الأمريكية الجديدة وهي طبعة يمينية محافظة لا تدرك أهمية إيجاد حلول للصراعات الإقليمية وعلى رأسها الصراع العربي - الصهيوني وضرورة خروجها من العراق كمدخل لتخفيف حدة الاستقطاب، ولا تدرك جسامة التناقض الكائن بين عدم إمكانية التوفيق بين الضربات الوقائية التي تتبناها هذه الإدارة ومتطلباتها الأمنية في إطار محاربة ما يسمى الإرهاب وبين الإصلاح الديمقراطي.

على أننا يجب ألا نغفل التطورات والتفاعلات الجديدة التي طرأت في الآونة الأخيرة، ومن أهمها أن مشروع الشرق الأوسط الكبير لم يَعُد أمريكيًّا محضًا، بل دخل الاتحاد الأوربي على الخط وتحول إلى "شراكة أوربية" مع المبادرة الألمانية التي أقرها الاتحاد في قمته سالفة الذكر والتي ربطت أيضًا بين الإصلاح الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والتعاون الإقليمي.

ومن المهم أن تدرك النظم العربية، وكلها سلطوية وتحتل مرتبة متقدمة من بين دول العالم في سجلات ومؤشرات انتشار الفساد وغسيل الأموال القذرة، أن الأمر لم يَعُد يتوقف على إدارة أمريكية قد تأتي إدارة ديمقراطية بدلاً وتعود إلى سياسة عدم إحراج الأصدقاء، فقد انضمت أوربا إلى الموضوع. والنظم هذه مطالبة بالإصلاح الديمقراطي نزولاً على رغبات شعوبها ونضالاتها التاريخية من أجل العدل الاجتماعي والديمقراطية، وجهود مجتمعها المدني وتياراتها السياسية والثقافية، وهو السبيل الوحيد لتحررها من ضغوط أمريكا وأوربا في هذا الصدد، ويبقى السؤال: كيف يمكن أن يكسب العرب معركة الديمقراطية ومعركة التحرر الوطني مجددًا - معًا؟!


الهوامش:

1- محمد سيد أحمد، "الشرق أوسطية: الأبعاد السياسة والثقافية"، في: نادية مصطفى (محرر)، مصر ومشروعات النظام الإقليمي الجديد في المنطقة، أعمال المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، القاهرة: 7-9 ديسمبر 1996، مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، 1997، ص 205

2- نفس المصدر، ص 208.

3- وجيه كوثراني، "الشرق أوسطية والتطبيع الثقافي مع إسرائيل: البعد التاريخي وإشكالات راهنة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 23، صيف 1995، ص9.

4- ورد في نشرة الإعلام الأمريكية الصادرة عن وكالة الإعلام الأمريكية في واشنطن، 30/10/1991

5- انظر كمثال:

Madeleine Albright, “Bridges, Bombs, or Bluster”, Foreign Affairs, vol.82, no.5, September/October 2003

6-انظر كمثال:

Joseph S. Nye, “US Power and Strategy after Iraq ”, Foreign Affairs, vol.82, no. 4, July/August 2003

7-الأهرام القاهرية، 25/2/2004

8- www.aljazeera.net

9- ibid.

10- www.aljazeera.net/programs/washington/articles


** أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة المصرية


 مفاهيم ومصطلحات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع