|
مصطلح
الأصولية الإسلامية هو آخر المصطلحات
التي استمعنا طويلاً لإيقاعها وهي
تتردد على ألسنة المعلقين والمتحدثين
في شئون الدنيا ونقد الدين، ولا شك
أنه كمفهوم قد حقق ذيوعًا، كجزء من
التعامل مع مجتمعاتنا كمتعددات إثنية
ودينية وسلالية، من خلال إعادة برمجة
الفوارق وتظهيرها وتشغيلها واستيراد
أو استنساخ "فوالق" تضاف إليها.
ربما يريد
البيروقراطيون في أجهزة المخابرات
الغربية تثبيت المصطلح وتعميم
تداوله، وأن يؤكدوا أن ما يسمونه
ظاهرة صعود الجماعات الإسلامية (يجمعونها
في صعيد دلالي واحد على تعددها
واختلافها) هي الحامل لمشروع الدولة
الإسلامية وحدها، والذي يشكل بدوره
أكبر مخاطر الإرهاب في آلياته
وأفكاره وتعبيراته، لكن لماذا نقبل
نحن بالمصطلح ويتم تداوله عندنا؟
إن مشروع
الدولة الإسلامية (تحكيم الشريعة) لم
يغب عن وعي المسلمين في أي مرحلة من
تاريخهم، غاية الأمر أنه بعد سقوط
الدولة العثمانية وغلبة المشروع (التحديثي)
بدا وكأن هذا المشروع قد أصبح من
اختصاص تيارات بعينها، كتيار الإخوان
المسلمين الذي تأسس في مصر أواخر
العشرينيات، موصولاً بمؤثرات ممتدة
على مساحة العالم الإسلامي، بعدما
عانى المسلمون من القوى الاستعمارية
وتقسيمها لكعكة البلدان العربية
كنتيجة من تداعيات الحرب الكونية
الأولى ويئسوا بعد الحرب الكونية
الثانية من تحول نهضوي ما من خلال
منظومة الدول الوطنية أو القطرية
التي تشكلت بعد الاستقلال، واستمرت
أزماتهم في ظل الدولة القومية التي
تفاقم الاستشعار بدورها بعد اغتصاب
فلسطين.. هذا الكلام ينطوي على حكم بأن
الأولية ليست للنقاش أو السجال في أصل
المسألة- الدولة الإسلامية.. بل في
صورتها التي تحافظ على الخلفية
العقدية والفقهية دون أن تخرجها عن
ألوان الطيف المعاصر، فلا يكون
الطموح في التقدم الحضاري الشامل
عرضة للإدانة والمصادرة السهلة.
وهذه
المسألة على مستوى من الدقة والتعقيد
والخطورة تلزم الحركات الإسلامية
التي تطرحها بالإقلال من الخفة
والمبالغة والاستعجال احتياطا من
المغامرة أو المقامرة بالإسلام
والمسلمين.
قد يشي
استشهادنا بمصر والإخوان باعتبار أن
المسألة كانت شأنا سنيا، غير أن إيران-مثلا
ً- لم تكن خارج هذا السياق منذ أصبحت
شخصيتها المذهبية الشيعية هي
الغالبة، بصرف النظر عن الطرق التي
سلكها الصفويون ومن العهد الصفوي إلى
الإفشاري والزندي والقاجاري؛ إذ كانت
إسلامية الدولة المنشودة هي المدخل
التأسيسي الذي لا يلبث أن يتم
الانقلاب عليه جزئيًا أو كليًا.
إن الدولة
الإسلامية ليست مشروعًا افتراضيًا
يقطعه الفكر الدعائي الغربي تعسفًا
عن إطاره العام ويسميه أصولية
إسلامية، ولئن كانت الحركات المسماة
أصولية هي التي رفعت هذه المسألة من
مستوى الطموح العام إلى مستواها
السياسي في الخطاب أو في الفعل
اليومي، مع تداخل معطيات سالبة
وموجبة في تجربة الحداثة الإسلامية
والعربية كما في تجربة الغرب في
مفاعيلها ومآلاتها الداخلية
وتأثيراتها الخارجية.. أي أن حركات
الإسلام السياسي لم تبتدع الأطروحة
وإنما هي تبعثها بين منعطف تاريخي
وآخر؛ فالمؤسسات الدينية، سواء ما
امتدت إليه يد السلطة منها -كليا أو
جزئيا كالأزهر والزيتونة والقرويون
والنجف وقم- استمرت على تجويدها في
الفقه وعلوم الشريعة، رغم كل محاولات
التهميش والإعاقة والاستتباع من قبل
الدول السلطانية ثم الدول الحديثة،
التي لم تمنع من الاستحضار اليومي
للمنظومية الفقهية في صعيديها
العبادي والعملي بصرف النظر عن
مجالات التطبيق الشامل وإمكاناته.
ومعروف أن
المنهجية الدراسية والبحثية في
المعاهد والجامعات الإسلامية أو
الحوزات الشيعية لا تقوم على
العموميات المنهجية بل على التدقيق
والتفصيل، والبحث المعمق في فروع
الفقه والمعاملات التجارية
والزراعية والمالية والجنائية، وكذا
السياسية والدستورية.
والمسلم
الملتزم الذي لا يفصل بين التزامه
العبادي والشأن العام، يقرأ آيات في
القرآن الكريم لها ظاهر من المعنى لا
تسمح القواعد المتعارفة بحملها على
خلافه من قبيل "ومن لم يحكم بما
أنزل الله فأولئك هم الظالمون"
والفاسقون والكافرون في آيات أخرى..
ويرى حكومات تحكم بما يتنافى مع منطوق
الآيات فماذا يفعل؟ أكثر الحركيين
الإسلاميين، يسلمون بأن وجود الدولة
خير من عدمها (لا بد للناس من أمير بار
أو فاجر) فهي من ضرورات الاجتماع، أي
الدين، وهم لا يقدرون على رفضها إلا
إذا طغى منسوب الجور فيها وأصبح
نوعيا، أي أصبح المعروف منكرا أو
المنكر معروفا، أي انقلب نظام
الأفكار وقلب معه نظام القيم.. يقبلون
الدولة الحديثة شرط ألا يكون التحديث
شكلا قاسيا همه القطع مع الأصول
وإعادة إنتاج الجور والتخلف على
مقتضى خطاب حداثي مراوغ واحتيالي..
وإذ يخيب أملهم يلتفتون إلى الماضي
ويمضون فيه إلى أن يجدوا مثالهم في
العهد الراشدي أو تجربة المدينة،
فيبنون على ذلك فرضية إنقاذية
يستمدون من الماضي مثالاتها، ولا
يهتمون إبان احتدام شوقهم إلى العدل،
أن يطرحوا السؤال عما إذا كان الإسلام
قد وصف دولة أو نظام حكم بعينه؟
فإذا كانت
الأصولية هي التيار الذي يحمل مشروع
دولة إسلامية، فكل الذين يؤمنون بأن
الأحكام الفقهية في كل وقائع الحياة
ملزمة يحملون هذا المشروع، وإن كانت
جماعات منهم تحول هذا الطموح إلى
برامج سياسية، تتوسل إلى تحقيقها
بالوسائل المتعارفة لدى حركات
التغيير السياسي الأممية أو القومية
أو الوطنية، اليمينية أو اليسارية،
المغربية أو المشرقية، من
الديموقراطية ومسلك التغيير التدرجي
أو التراكمي إلى العنف والأسلوب
الانقلابي، فلا بد أن تخضع في
محاسبتها وقبولها أو رفضها ومناصرتها
أو معارضتها، لنفس المقاييس والشروط
والآليات التي يتم التعاطي بها مع
غيرها.
ويبقى لأهل
الالتزام والاختصاص من المسلمين الحق
في التدقيق في مدى الانسجام بين
الغاية المتوخاة والطرق المتبعة
لتحقيقها من ناحية، وبين روح الشريعة
ومقاصدها طبق معايير المصلحة
والمفسدة المحكمة في مناهج الاستنباط
الفقهي والتأصيل وتطبيق الأحكام على
موضوعاتها من ناحية أخرى، مع مراعاة
المتغيرات في الأزمنة والأمكنة
وأهلها ومعارفهم وأولوياتهم
وخبراتهم المكتسبة.
إذن فعلى أي
أساس منهجي يتم تلبيس هذا العنوان (الأصولية)
بدلالاته الغربية التي توحي بالإرهاب
والتطرف واستخدام العنف لجماعة أو
جماعات من هذا المجموع الإسلامي
الواسع، ونحن نعلم أن تيارات إسلامية
جادة وفاعلة وعلى معرفة معمقة
بالإسلام عقيدة وشريعة قدمت مشروعا
حضاريا متبصرا، وظهرت ونشطت من دون أن
تتورط في اعتبار معرفتها بالإسلام
نهائية وملزمة ومطلقة، رغم أنها كونت
حولها قاعدة عريضة، ودون استخدام
أدوات قوة مسلحة للتغيير، بل كانت في
كل ذلك داعية إلى العودة إلى الأصول
وتصفيتها مما شابها من زيادات مشوهة
ومشوَهة، معتبرين أن هذه الأصول من
شأنها أن تحرر المشروع الإسلامي
العام من الصيغ الجاهزة والملفقة في
السياسة والاجتماع والدولة، وقابلين
خيار الديمقراطية وإرادة الأغلبية
عبر صناديق الاقتراع، هذا الخيار
الذي صادرته الأنظمة التي تزعم أنها
تقوم بالتحديث وتنشد النهضة للشعوب.
إن مصطلح
الأصولية بطابعه الاختزالي والقسري
المتداول قد أصبح بمثابة حقل رماية
للتهم، مفتوح لاستقبال أي خطاب
إسلامي لا يمكن أن يكتسب بحكم
إسلاميته تعريفه وصدقيته إلا إذا
كانت الأصول منبعه بصرف النظر عن
المحطات السياسية التي يذهب إليها،
حتى لو كانت هذه المحطات تقع على طريق
الحداثة المتوازنة بين الجذور
الإيمانية وموجبات المعاصرة
والمشاركة الحضارية، ولعل أخطر ما في
استعمالات مصطلح الأصولية في حالنا
في لبنان والحالات العربية ذات
التعددية الدينية -مصر خصوصا-
استعماله لإثارة مخاوف المسيحية
والمسيحيين، رغم كل التطلعات
الثقافية والسياسية التي تصدر عن
جهات إسلامية معبرة وذات مصداقية غير
مشكوك فيها نحو الآخر، الآخر المسيحي
أولا، والمسيحي الوطني قبل أي آخر.
إن حوار
الحضارات من موقع المكافئ ليس
ابتداعا إيرانيا دشنه خاتمي، ولم
تتسبب إيران وحدها في قطعه، بل الغرب
المحافظ هو السبب الأول للانقطاع،
وأسباب وصله الآن تأتي من إيران أولا.
وإن كان للتيار الإصلاحي فضل في ذلك،
فإنه يتمثل في كونه قد حاول جادًا
التوسيع في مجال الحوار الوطني
وتخفيف شروطه وتسريع وتيرته.
وقد
انشغل إسلاميو مصر مبكرًا بوصل
ذاكرتهم عن تاريخ مصر الوطني المشترك
بين الأقباط والمسلمين، والذي
استعاده بصورة علمية مشرقة مفكرون
كبار في مقدمتهم المستشار طارق
البشري، والمرحوم وليم قلادة،
برؤيتهم لضوابط العلاقة الإيمانية
بالشريك الوطني القبطي فاشتغل الشيخ
القرضاوي على التكييف الفقهي المعاصر
للموضوع وكتب فهمي هويدي "مواطنون
لا ذميون"، وأصبح رفيق حبيب نجل
المرحوم القس صموئيل حبيب رئيس
الطائفة الإنجيلية عضوًا مركزيًا
وناطقًا رسميًا باسم حزب الوسط
الإسلامي المنحدر من الإخوان
المسلمين، بعد أن دخل مسيحيون
معروفون في هيئات قيادية في حزب العمل
الإسلامي المصري.
هذه
أصوليتنا الرحبة، والتي لا بد من
تمييزها عن أصولياتهم المتنوعة
وتياراتها السياسية العنصرية
الإقصائية.. الإمبريالية.
** عالم ومفكر وكاتب من جنوب لبنان
|