سعينا
خلال العرض السابق إلى التعرض إلى
مفهوم الإمبراطورية كما ورد في
نظريات العلاقات الدولية، ومدى
انطباقه على المشهد الدولي الراهن في
ظل مقومات صعود وسقوط الإمبراطوريات
التي جاءت بها النظريات التاريخية
الراصدة لحركة التغير في نمط النظام
الدولي والقوى الكبرى على مر العصور
وحتى الواقع الراهن.
إلا
أننا نود في النهاية أن نعرض بشكل
مختصر إلى الرؤية الجديدة لهذا
المفهوم التي قدمها عالم السياسة
الإيطالي أنتوني نجري Negri وأستاذ
الأدب الأمريكي مايكل هاردت Hardt في
كتابهما المعنون "إمبراطورية"
والصادر عام 2000.
ويتسم
مفهوم الإمبراطورية في الحالة
الراهنة للنظام الدولي في رأيهما
بأربع خصائص رئيسية هي:
1-
أن الإمبراطورية كيان بلا حدود، يقوم
على نظام يضم كافة أنحاء أرجاء العالمEntire
Spatial Totality، بعبارة أخرى فإنه ينطوي
على جميع رقعة العالم الجغرافية ولا
تحده حدود من أي نوع.
2-
هذا المفهوم لـ "الإمبراطورية"
لا يقدم نفسه باعتباره إعادة إحياء
لمفهوم الإمبراطورية التاريخي، ولكن
على أساس من كونه نظامًا أو Order صالحًا
لكل مراحل التطور التاريخي. من هذا
المنطلق، فإن الإمبراطورية بهذا
المفهوم لا تمثل مرحلة انتقالية في
تاريخ البشرية، ولكنها تمثل نظامًا
لاتاريخيًّا، أي لا تحده قيود زمنية
أو تاريخية أو قياسية من أي نوع.
3-
"الإمبراطورية" الجديدة تؤسس
حكمًا يقوم بإدارة كافة مناحي النظام
الاجتماعي الإنساني، حيث لا تقتصر
مهام الإمبراطورية على إدارة المناطق
واقتصاديات الشعوب المختلفة فحسب،
ولكنها تسعى إلى "خلق" العالم
الذي تحكمه من خلال تنظيمها
للتفاعلات الإنسانية التي تحدث بين
أعضاء الجماعة الإنسانية المكونة لها.
4-
على الرغم من كون ممارسات
الإمبراطورية "مضرجة بالدماء"
فإن مفهوم الإمبراطورية هو مفهوم
سلامي أولاً وأخيراً، هدفه الهيمنة
وليس الصدام (وإن كانت الهيمنة
منطقياً تستدعي المقاومة والصدام)،
ويتمثل الهدف الحقيقي للإمبراطورية
في خلق حالة من السلام العالمي
والدائم وكأنه لا تاريخي، أي وكأنه
كائن خارج نطاق الزمن والتاريخ
بالأساس.
ومن
هذا المنطلق فإنه لا الولايات
المتحدة، ولا أي دولة أخرى، يمكنها أن
تمثل في رأيهما مركزًا للمشروع
الإمبراطوري بهذا المفهوم؛
فالإمبراطورية كما يعرفها نيجري
وهاردت تختلف بشكل أساسي عن المشروع
الإمبريالي الاستعماري من حيث إنها
لا تستند على حدود مرسومة ومحددة، ولا
تتمحور حول مركز معين. بل هي عملية لا
مركزية تقوم على عملية إعادة تعريف
مستمرة لحدودها، وعلى احتواء وإدارة
للهويات المتعددة التي تكمن تحت
مظلتها دونما قمع أو طمس لإحداها؛
وذلك من خلال القوة القائمة على إقامة
شبكات تحكم Networks of Command حول العالم
أجمع، والمتمثلة إلى حد كبير في عملية
العولمة. وبذا، فإن عملية التحول إلى
"الإمبراطورية" التي تمر بها
الإنسانية الآن تنطوي على احتمالات
جديدة لإطلاق العنان للقوى التحررية
من خلال عمليات العولمة البديلة
ومناهضة الهيمنة المتضمنة والكامنة
في هذه المرحلة الانتقالية.
ومن
ثم، فإن واجبنا السياسي كمجتمع
إنساني يتمثل في سعينا لإعادة تنظيم
العولمة وإعادة توجيهها بما يكفل
تحقيق النظام العالمي الذي يصبو إليه
الـعامة والغالبية؛ فالقوى الخلاقة
للناس تستطيع إنشاء "إمبراطورية
موازنة/مقابلة" أو Counter - Empire والتي
يمكن من خلالها خلق شبكات منظمة
سياسية بديلة للتحكم في التدفقات
والتبادلات الدولية. إنه يتعين على
جماهير الشعوب والتجمعات الأهلية
والمدنية أن تبتكر أشكالاً
ديموقراطية جديدة تستطيع أن تنقل
البشرية إلى "ما بعد الإمبراطورية"
في يوم ما.
وفي
حوار مع نيجري -أحد مؤلفي كتاب "إمبراطورية"-
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تحدث
عن الأحداث باعتبارها أدت إلى حالة
أرجحة وتهدئة إيقاع حركة "السيادة
الإمبراطورية" التي كانت آخذة في
الانتشار في أنحاء النظام الدولي منذ
نهاية الحرب الباردة (والمقصود بحركة
السيادة الإمبراطورية أو Imperial Sovereignty
التوسع الذي شهدته التبادلات
الرأسمالية الدولية منذ انتهاء الحرب
الباردة).
وعلى
الرغم من كون هذه الهجمات كانت قد
جاءت من خارج نطاق حركة "السيادة
الإمبراطورية" هذه، أن كلا
الطرفين، بوش وبن لادن يعدان عدوين
للغالبية The Multitude في هذا السياق،
فالإرهاب الدولي يمثل الوجه الآخر
لعملة "الإمبراطورية" والعامة
تعمل على تخطي هذين المفهومين لإقامة
كيان جديد أو منظومة جديدة من خلال
إنشاء "إمبراطورية موازية"
لتنظيم تدفقات الثروة والقوة
والثقافة بشكل مختلف وأكثر
ديموقراطية.
**
قسم
العلوم سياسية جامعة القاهرة