عرضنا
فيما سبق إلى العوامل المؤدية إلى
صعود الإمبراطوريات، أو القوى
الكبرى، كما أشار إليها المؤرخان بول
كينيدي وأموراي رينكود، كما أبرزنا
مدى توافر هذه المقومات في الحالة
الأمريكية، خاصة مع اقتران العوامل
المادية -التكنولوجية والاقتصادية
والعسكرية-بأيدولوجية تهدف إلى
الحفاظ على التقدم الأمريكي بكل
السبل المتاحة، حتى إن أدى ذلك إلى
خرق للقواعد الدولية المستقرة في
النظام الدولي منذ الحرب العالمية
الثانية.
والتساؤل
الذي يثور الآن هو عن مدى كون تلك
العوامل السالفة الذكر كافية بحد
ذاتها لضمان استمرارية "شبه
الإمبراطورية" الأمريكية، كما
يسميها المؤرخ الأمريكي شارلز ماير،
أم أن هناك عوامل أخرى غير متوافرة في
الحالة الأمريكية، أو أنها كانت
متواجدة، ولكنها أخذت في التناقص في
ظل الإستراتيجية الأمريكية الحالية
بعناصرها السبع التي عرضنا إليها
فيما سبق؟
بعبارة
أخرى، ما هي العوامل المؤدية إلى سقوط
الإمبراطوريات والقوى الكبرى، وكيف
تنعكس تلك العوامل على الوضع الحالي
للولايات المتحدة الأمريكية؟
إذا
نظرنا إلى عوامل سقوط الإمبراطوريات
تاريخيًّا، كما قدمها كل من بول كيندي
وشارلز ماير، فإننا سنجد أنها تمثل
تحديات كبيرة لمستقبل الكيان "شبه
الإمبراطوري" الأمريكي، على حد
تعبير ماير، أو على كون أمريكا "قوة
كبرى" بتعبير كينيدي، وتتمثل هذه
العوامل فيما يلي:
أولاً:
معضلة "عسكرة الاقتصاد الأمريكي":
يشير
المؤرخ بول كينيدي Kennedy في كتابه
الشهير "صعود وسقوط القوى الكبرى"
إلى أن أحد العوامل التي تؤدي إلى
أفول نجم القوى الكبرى هو "عدم قدرة
هذه القوى على الحفاظ على توازن معقول
بين متطلبات الدولة دفاعيًا والوسائل
المتوفرة لديها للحفاظ على هذه
الالتزامات، وعدم قدرتها على الحفاظ
على القواعد التقنية والاقتصادية
التي تقوم عليها قوتها من التآكل في
مواجهة أنماط الإنتاج العالمية
المتغيرة دومًا".
وعلى
الرغم من كون الاقتصاد العالمي
الحالي متوائم بشكل كبير مع أنماط
الإنتاج العالمية الجديدة والتي تتسم
بكونها "ما بعد صناعية" بالأساس،
فإن هناك العديد من التساؤلات التي
تثور حول ما إذا كان اقتصاد الولايات
المتحدة يستطيع أن يحقق معدلات نمو
مرتفعة وهو الذي كان يمر بأزمة
اقتصادية أدت إلى تراجع هذه المعدلات
بسبب انهيار العديد من شركاته
العملاقة في الآونة الأخيرة في ظل
الميزانية العسكرية الضخمة التي قامت
الإدارة الأمريكية برصدها للإنفاق
العسكري، وصدق عليها الكونجرس، بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهنا
يبرز العامل المتعلق بإمكانية الحفاظ
على التوازن الدقيق بين "متطلبات
الدولة الدفاعية" وبين القاعدة
الإنتاجية/ الاقتصادية التي تقوم
عليها هذه الالتزامات كما أشار
كينيدي. ويشير إيفان إيلاد، مدير مركز
الدراسات الدفاعية في مؤسسة كاتو
الأمريكية، إلى هذه الحقيقة في
تحليله المعنون "الإمبريالية
الجديدة، وعيوبها المميتة"، حيث
يتحدث عن كون الإنفاق العسكري
الأمريكي يمثل 40% من إجمالي الإنفاق
العسكري لدول العالم، وهو ما يمثل
أكثر من ضعفي مجموع الإنفاق العسكري
لكل منافسي الولايات المتحدة. وفي
مقابل ذلك، فإن الدخل القومي
الأمريكي يمثل 29% فقط من إجمالي الدخل
القومي العالمي، ويعد هذا الفارق
مؤشرًا على عدم التوازن بين الدخل
الاقتصادي والإنفاق العسكري
الأمريكي. كما يشير إيلاد إلى أن هذا
المؤشر يدل أيضاً على مشكلة "الراكبون
المجانيون" أو الـ Free Riders والتي
تشير في هذا السياق إلى كون حلفاء
الولايات المتحدة يعتمدون بشكل كبير
على القدرة الدفاعية الأمريكية، وبذا
فإنهم لا يحتاجون إلى توجيه أجزاء
كبيرة من دخولهم إلى هذا البند،
والمحصلة أنه على الرغم من كون الدخل
القومي الأمريكي يربو على دخل الدول
الثلاث التالية عليه في ترتيب الدخل
القومي مجتمعة، إلا أن الإنفاق
العسكري الأمريكي يربو على الخمس
عشرة دولة التالية عليه في الترتيب،
وأغلبهم من حلفاء الأمريكان.
ثانيًا:
معضلة الحدود Frontiers:
يشير
المؤرخ الأمريكي شارلز ماير إلى أن
أحد أهم العناصر التي تقوم عليها
الإمبراطوريات هي صياغة حدود محددة
لها يتم بموجبها تحديد معايير ضم أو
استبعاد كيانات معينة من
الإمبراطورية. وإلى جانب كون هذه
الحدود تمثل إشكالية أساسية في كيفية
تحديدها على المستويين الجغرافي
والاجتماعي، وتحديد ماهية المناطق
التي تقع داخل نطاق الإمبراطورية ومن
ثم ماهية العوائد التي يتعين تقديمها
لحلفاء الإمبراطورية، فإن التوزيع
المتفاوت لهذه العوائد يخلق قدرًا
كبيرًا من عدم المساواة على المستوى
الدولي، ومن ثم فإنه يثير مشاعر من
الحرمان النسبي لدى بعض الدول
الكائنة خارج هذا النطاق، وقد يؤدي
ذلك إلى ازدياد العداء للكيان
الإمبراطوري الذي يعد مسئولاً عن هذا
التفاوت، ومن ثم إمكانية مقاومته
بأساليب غير تقليدية. ويؤدي هذا
العنصر إلى إثارة إشكالية أخرى تتعلق
بنطاق توسع الإمبراطورية. فتاريخ
الإمبراطوريات يشير إلى أن التوسع
الإمبراطوري عادة ما ينشأ بسبب حالة
عدم الاستقرار التي تشهدها آخر منطقة
تمت السيطرة عليها، وهو ما يؤدي إلى
دخول الكيان الإمبراطوري في سلسلة
متعاقبة من التوسعات تؤدي في نهاية
المطاف إلى إنهاكه وسقوطه.
وفي
ظل الوضع الراهن على الساحة الدولية
فإن كون عنصر التهديد الذي يمثل
المحرك الأساسي للتوسع الإمبراطوري
غير محدد المكان والأسلحة، كما هو
الحال مع الإرهاب الدولي، فإن هذا
يغري القوة الكبرى بالقيام بقدر أكبر
من التوسع بحجة لزوم القضاء على مصدر
الخطر بشكل جذري، وهو التخوف الذي
يثيره ستانلي هوفمان في مقاله "إستراتيجية
الأمن القومي الأمريكي والانهيار
الأمريكي" المنشورة في مجلة "بروسبكت"
الأمريكية مؤخرًا.
ثالثًا:
إشكالية الحفاظ على الاستقرار الدولي:
يشير
ماير إلى أن ثمة عنصرين رئيسيين
يحكمان محافظة الإمبراطوريات على
وجودها، وهما عنصرا "القوة
والمكانة"، وإذا كان العنصر الأول
يتمثل في القوة العسكرية فإن العنصر
الثاني يتضمن أبعادًا أخرى للسيطرة
وهي تلك المتمثلة في النفوذ
الدبلوماسي والثقافي الذي تمارسه
الإمبراطورية على الأطراف الأخرى في
النظام الدولي، وكذا مدى قدرتها على
الحفاظ على قدر من الاستقرار الدولي،
أو ما يسميه ماير بـ "الخدمات
العامة" التي تقدمها الإمبراطورية
لرعاياها والمتمثلة في وضع حد للحروب
الإثنية والدينية والقضاء على عوامل
عدم الاستقرار الموجودة في أطرافها
المترامية.
ولكننا
إذا ما نظرنا إلى السياسة التي تتبعها
الولايات المتحدة، منذ أحداث الحادي
عشر من سبتمبر على وجه الخصوص، فسنجد
أنها تؤدي في الواقع إلى تكريس عدم
الاستقرار الدولي وذلك على مستويين
رئيسيين:
*
المستوى الأول: يتعلق بتبنيها
لسياسة الحرب الاستباقية، وهي بذلك
تقوم بخلق قواعد دولية جديدة يمكن
استخدامها من جانب فواعل دوليين
آخرين بذات المنطق الذي استخدمته
الإدارة الأمريكية، وهو ما حدث
بالفعل في الحالة الإسرائيلية على
سبيل المثال. ومن ناحية أخرى فإن مبدأ
الضربات الاستباقية يزيد من حالة
التحفز الدولي خشية إيقاع ذات
السياسة على فواعل دوليين آخرين إذا
ما ثبت خرقهم "للميثاق الإمبراطوري
الجديد"؛ وهو ما يؤدي بدوره إلى
محاولات تحقيق هؤلاء الأمن لأنفسهم
من خلال الحصول على قدر أكبر من
الحماية العسكرية، من خلال أسلحة
الدمار الشامل على سبيل المثال.
*
المستوى الثاني: يتعلق
بالإشكاليات الأمنية التي يسببها
التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية
للدول الأخرى، والتي كثيرًا ما تُحدث
ردود أفعال بشكل غير متسق يقوم على
عشوائية المقاومة، ومن ثم فإنه يتسبب
في زيادة حدة العداء للولايات
المتحدة، مع الوضع في الاعتبار
الأشكال غير المألوفة أو المتوقعة
التي اتخذتها هذه المقاومة والتي
تجلت بشكل كبير في أحداث الحادي عشر
من سبتمبر، فعلى العكس من حركات
المقاومة التي واجهتها
الإمبراطوريات الغابرة والتي لم تسفر
في مجملها عن وقوع عدد كبير من
الضحايا في صفوفها، فإن الأشكال
الحالية للمقاومة تنذر بكونها شديدة
الوطأة وفادحة الخسائر خاصة فيما
يتعلق بحجم الخسائر التي قد تسببها في
الصفوف الأمريكية، المدنية
والعسكرية على حد سواء.
رابعًا:
إشكالية الاستعداد النفسي:
يثير
ماكس بوت Boot المحلل السياسي الأمريكي
في مقالته "نحو إمبراطورية أمريكية"
المنشورة في مجلة Weekly Standard المحافظة
إلى أن الجندي الأمريكي لم يعد على
استعداد للتضحية بنفسه في سبيل
الدفاع عن الإمبراطورية الأمريكية
بنفس درجة نظرائه البريطانيين مثلاً
في القرن التاسع عشر، وأنه لن يكون له
قبل بالأعباء الإمبراطورية
الأمريكية. وهنا تثور مشكلة تعبئة
الشعب الأمريكي، لا سيما الجنود
الأمريكيين الذين تعودوا على نمط
التدخل الرخيص Intervening on the cheap وعلى
الحروب التي تتم إدارتها "عن بعد"
بأقل خسائر في الصفوف الأمريكية.
ومن
جهة أخرى، فإن الاستعداد النفسي لا
يقتصر على الخسائر المادية التي قد
تحيق بالكيان الإمبراطوري أثناء
قيامه بمهامه، ولكنها أيضًا تتعلق
بتحمل التكاليف التي ستستتبعها إعادة
الترتيب للنظام الدولي بشكل يتماشى
مع تحقيق المصالح الإمبراطورية، وهو
أمر مشكوك به فيما يتعلق باستعداد
الشعب الأمريكي لتحمل مثل هذه
التكاليف؛ "فالشعوب الديموقراطية
لا تتمتع بالصبر" كما يشير مايكل
إجناتييف Ignatieff، الأستاذ بجامعة
هارفارد.
وعلى
العكس من ذلك تهدف القوة
الإمبراطورية الأمريكية للقيام
بالأعمال العسكرية المتعلقة بـ "إعادة
النظام"، ومن ثم الانسحاب وإلقاء
عبء إعادة البناء على ما يسميه
إجناتييف بـ"الأوربيون الإنسانيون"
European Humanitarians. فهي إمبراطورية تتسم
بكونها "إمبراطورية متعجلة"، أو
Imperialism in a hurry، وإن كانت تتشابه مع
نظيرتها الأوربية في بقاء السلطة
الحقيقية على المناطق التي تقوم
بالتوسع بها -من كوسوفو والبوسنة، إلى
أفغانستان والعراق- في المركز في
واشنطن.
**
قسم
العلوم سياسية جامعة القاهرة