|
الصمود
في وجه العولمة:
إن
سؤال العولمة لا ينفك عن سؤال الوجود
والوعي بالتاريخ وباللحظة التاريخية،
والمسئولية التاريخية للثقافة
العربية الإسلامية في عالم متغير؛
فمسارات التاريخ متعددة ومتنوعة،
وتعددها هو السبيل لإثراء التجربة
الإنسانية، وضمان التقدم الإنساني
الشامل.
هناك
فعل مقصود هو عولمة العالم على
النموذج الغربي فيما يشبه الاجتياح،
ووسط كل الانكسارات التي يعاني منها
العالم العربي والإسلامي، نجد أنه هو
المرشح للصمود في وجه هذه العولمة
الرأسمالية المعادية للإنسان
والتاريخ، ومن هنا أهمية "التفلسف"
في مواجهة العولمة؛ بمعنى إعمال
العقل والدفاع عن العقل والنص الديني
معًا في تفاعلهما؛ لأنهما سبيل نهضة
العالم العربي الإسلامي نحو عولمة
مختلفة أكثر عدلا يصبح فيها البناء
الحضاري العربي الإسلامي شريكا
متكافئا وليس فقط موضوعًا للاحتلال
تاريخيًا ثم للاجتياح حاليًا. أي أن
للعولمة جوانب مفاهيمية فكرية تمثل
مساحات مهمة يجب تحريرها لا تقل في
الحقيقة أهمية عن تحرير الأبنية
الاقتصادية والسياسية.
إن
ما حققته العولمة حتى الآن هو مزيد من
التدهور في أوضاع الشعوب بما فيها
قطاعات الفقراء في الشعوب الغربية؛
فمثالب العولمة التي هي عين مثالب
الحداثة الرأسمالية الغربية من
فردانية وكآبة وتنميط واحتكارات
اقتصادية وسياسية رأسمالية دون منافس
أو معارض، تحتاح -دون محاولة أو سعي من
جانبها- للتوفيق أو المهادنة. وبذلك
يصبح علينا الوقوف ليس ضد العولمة
فحسب بل ضد تشرس الحداثة وتداعياتها
على الإنسان والجماعة، وتبرز هنا
أهمية مقولة مارتن ألبرو عن موقف "رفض
المرء أن يكون حداثيًا"، خاصة حين
نفهم علاقة الحداثة بالدولة وسطوة
الدولة الحديثة الحداثية في ظل
العولمة على صوت الناس.
كما
نرى الآن من تجاهل الساسة لصوت
الملايين ضد الحرب، وإعلان بوش أن
المظاهرات المليونية داخل أمريكا لن
تردعه عن قراره (حربه الوحشية
البربرية على العراق)! ويظل جهدنا
مطلوبًا في تفكيك العولمة ثم بناء
رؤية لعولمة بديلة عبر رؤية وطنية
رصينة تمزج التأريخ بفلسفة المكان،
وتركيب وعي جديد للإنسان، ليس المسلم
فحسب بل الإنسان بشكل عام، رؤية تعيد
الاهتمام لدراسة الجغرافيا وعلاقتها
بتطور الشعوب في ظل سيادة الحديث عن
سقوط الجغرافيا، واندحار المكان الذي
تنشر أساطيره مدارس قبول العولمة
والتي ترغب في تهميش البنى الحضارية،
وإن بقي السؤال ملحًا بصدد إدراك
الأبعاد المركبة لمعطيات عبقرية
المكان، ثم الانتقال منها إلى تفعيل
رصيد عبقرية الإنسان في ظل العولمة.
عجلة
الرأسمالية
لا
يكفي لفهم العولمة الوعي بعلاقة
الاجتماع الانساني بالعولمة من
الناحية الاتصالية وتداول المعلومات
على سبيل المثال، بل ينبغي الانتقال
إلى مساحات تقاطع وتشابك الاجتماع مع
الاقتصاد في ظلها، من انتقالات
للعمالة في ظل اقتصاد العولمة، وما
يترتب على ذلك من إعادة تشكيل للمجتمع،
وإعادة بناء الخريطة الطبقية
وتحالفات النخب، وكيف يلعب تدفق
البشر دورًا مهمًا في نشر الرأسمالية
في طورها الجديد العولمي بما يحرم دول
العالم الثالث من الفرصة التاريخية
التي حصلت عليها الرأسمالية في
تطورها الطبيعي، والحاجة لتطوير
آليات مكافحة الاحتكار وضمان للعدالة
التوزيعية؛ وهو ما يؤدي مع عولمة
النموذج الرأسمالي الجديد إلى مزيد
من البطالة والبؤس والفقر، ولا يسمح
بممارسة الدولة لأي أدوار رفاهة
اجتماعية، ويؤثر أيضًا على الإنتاجية
في ظل التقسيم الدولي غير المتكافئ
للتكنولوجيا والاستثمارات.
وهنا
فإن الأمر يستلزم أكثر من رؤية
اقتصادية وتنموية بديلة ومغايرة،
ويحتاج لحركة نهضوية فكرية اجتماعية
شاملة لمواجهة آثار العولمة على
الاقتصاد والمجتمع لا بديل عنها
للوقوف في وجه تلك الرأسمالية
العالمية التي وصفها الراحل المفتقَد
د. رمزي زكي الوصف الدقيق بأنها "ليبرالية
متوحشة".
نحو
أجندة عربية إسلامية.. جنوبية
كي
لا تتداخل الأوراق دعونا نؤكد على
أمرين بالغَي الأهمية:
1-
فك الارتباط بين الديمقراطية من جهة
والليبرالية الرأسمالية العالمية من
جهة أخرى في تطورها التاريخي "الغرب
أمريكي" حتى الآن؛ إذ يبدو الأمر
أحيانا وكأن المعارضين للعولمة
معارضون للديمقراطية الليبرالية، في
حين أنهم معادون للهيمنة الليبرالية
الرأسمالية وليس الديمقراطية، ويصبح
المطلوب هو تأسيس ديمقراطية على
أرضية حضارية ضمن حركة إصلاح فكري
شاملة تجدد الثقافة والاجتماع،
وتدافع عن العدل من منظور إنساني يقدم
"عولمة" مغايرة وبديلة للعالم؛
فتكون في قلب همومه وقضاياه، ولا
تتترس بخصوصيتها فتعطي منحة مجانية
لفكرة صراع الحضارات أو للاستبداد
وتوريث السلطة.
والتواصل
هنا مع التيارات المدنية لنقد
الرأسمالية مهم، برزت أهميته عمليا
في بناء تحالفات ضد الصهيونية كما في
مؤتمر دوربان عام 2001 الذي أوضح كيف
يمكن توظيف بنية العولمة الاتصالية
والمجتمع المدني العالمي في خدمة
قضايانا ومناهضة الإمبريالية
الجديدة والإدارة الإمبراطورية
للعالم، وتبرز أهميتها النظرية في
وضع الفكر العربي حول العولمة في سياق
فكر نقدي عالمي؛ فيكون في قلب حركة
التاريخ الفكري الإنساني وليس منفصلا
عنها ليقدم إسهامه في نقد ونقض
الرأسمالية الرخوة والحداثة السائلة.
2-
الحاجة لدراسة أعمق لأثر التحولات
الاتصالية على فكرة علاقات الإنتاج
وأنماط الإنتاج المعلوماتي، وأثر
تحولات مفهوم الجغرافيا على ثقافتنا،
وأسس الاجتماع في العالم العربي؛ فلا
شك أن "تلفزة" الحياة الاجتماعية
والخدمات ستؤدي لصيغ جديدة من
التفاعلات الاجتماعية، ناهيك عن حرية
الحصول على المعلومة مع استمرار
الاستبداد في الشارع السياسي، وهو
مجال واسع يحتاج لدراسة أثره على
الثقافة والاجتماع العربيين، خاصة مع
تنامي استخدام عالم الإنترنت، أو إن
شئنا الدقة "عوالم" الإنترنت
التي يعاد فيها تشكيل الهويات،
وتجاوز الحدود المعروفة المكانية
والثقافية والقيمية. وبقدر ما يمثله
هذا المجال من مخاطر بقدر ما يتيح من
آفاق، والوعي هو شرط التوظيف الجيد
لواقع الإمبريالية، ونحت السبل
والمسارات البسيطة العملية لخدمة
قضايانا في ظل هيمنة القوى
الرأسمالية على الواقع الاقتصادي
والسياسي الدولي.
والله
أعلم.
*
هذا
هامش على متن الأستاذ الدكتور محمد
السيد سليم عن العولمة.
**
رئيسة قسم " التعريف بالإسلام"
في موقع إسلام أون لاين. نت
|