|
ما هي العولمة
الرأسمالية؟
جاءت
بداية التسعينيات من القرن العشرين
المنصرم لتنذر ببداية عصر الهيمنة
الأمريكية. فأمريكا خرجت منتصرة من
حربها الأولى ضد العراق ورئيسها
آنذاك -جورج بوش الأب- يبشر بقيام
النظام العالمي الجديد. والاتحاد
السوفييتي ودول ما كان يسمى
بالمنظومة الاشتراكية (والتي لم تكن
سوى أنظمة لرأسمالية الدولة) انهارت
مثل قطع الدومينو وتحولت إلى اقتصاد
السوق. وانتشرت نظرية نهاية التاريخ
لصاحبها فرانسيس فوكوياما لتزعم
نهاية الصراع الفكري والسياسي بين
العالم بمناطقه الحضارية والغرب
الليبرالي بانتصار الأخير وحتمية
هيمنة سياسات الاقتصاد الحر والسوق
المفتوحة.
وفي
سنوات التسعينيات الأولى نما وتعاظم
مفهوم العولمة ليعني شكلاً محددًا
لتسيير الاقتصاديات القومية على أساس
آليات العرض والطلب وانسحاب الدولة
رويدًا من أي دور للرفاهة داخل
المجتمع وفقًا لسياسات ما يسمى
بالليبرالية الجديدة.
وقد
تزامن هذا مع صعود المؤسسات المالية
الدولية (البنك والصندوق الدوليان،
ومنظمة التجارة العالمية، ومؤسسات
التعاون الإقليمي كالاتحاد الأوروبي)
لتفرض شروطها على الدول الفقيرة
والنامية، وهي الشروط التي تتلخص في
أنه على تلك الدول أن تفتح أسواقها
للاستثمارات الأجنبية وللمنتجات
الأجنبية، وأن تتوقف تمامًا عن تقديم
أي خدمات أو دعم للطبقات الفقيرة أو
القيام بأعباء تنموية وتأمينية
للمواطنين. كما يجب على الدول أن
تتخلى عن سياسات التوظيف وضمانات
حماية العمال في مجال شروط العمل وفي
الحماية من الفصل، فكل الأمور يجب أن
تترك لآليات السوق، فهي الوحيدة -في
زعم دعاة الليبرالية الجديدة-
القادرة على الاستمرار والديمومة. أي
أن الليبرالية قد عادت بعد محاولات
إصلاحها من خلال إدماج سياسات
الرفاهة وحماية حقوق الفئات الفقيرة
والمستضعفة، والعمال والنساء، والتي
أنقذتها من التهاوي كنظام اجتماعي
اقتصادي في لحظة ما إلى الرؤية
النفعية التي كانت تتجلى في الكتابات
الكلاسيكية لليبرالية مثل كتابات آدم
سميث وحديثه عن "اليد الخفية"
التي ستقوم بتوفيق المصالح إذا ما
أطلقنا الفردية دون ضوابط لينتعش
الاقتصاد الرأسمالي في حرية كاملة،
أو كتابات بنثام النفعية التي تقوم
على مبدأ اللذة والألم وتنادي بترك
الأفراد دون فرض ضوابط على حركتهم أو
حركة رأس المال وأنهم وحدهم كفيلون
بالوصول لنقطة المنفعة القصوى
للمجموع، وهي الرؤى التي تتسم
بداروينية بالغة وتستنبط فكرة البقاء
للأصلح.
وبالتالي
كان انهيار الخدمات الاجتماعية -كالصحة
والتعليم- وارتفاع تكلفتها، وكذلك
انتشار البطالة وازدياد الفقر.. ثمنًا
مقبولاً بل وضرورياً لدخول الدول
النامية- الفقيرة إلى حظيرة الدول
المتقدمة صناعيا، والسماح لها
بالحصول على المساعدات اللازمة
لاستمرارها على قيد الحياة، والتي
تربطها بتبعية للهياكل الرأسمالية
الدولية ولا تمكنها من تراكم القوة
ولا الثروة اللازمة لحصولها على موقع
تفاوضي أفضل في العلاقات الاقتصادية
الدولية وتؤثر على خياراتها السياسية
والإستراتيجية، وفي النهاية لا
تمنحها حقوقا متكافئة في التجارة
الدولية التي عادة ما تضع فيها دول
الشمال العراقيل أمام تصدير السلع
والخدمات من الجنوب للشمال، في حين
تزيل كل الحدود أمام تجارة الشمال
للجنوب وهو الوضع الذي تفرضه
اتفاقيات الجات التي تزعم المساواة
بين الدول في حين تتجاهل الخلل في
التوازن الاقتصادي والقدرة
المتفاوتة تفاوتاً شاسعاً بين
الأطراف الدولية في فرض سياسات
داخلية ومعايير قاسية للجودة تضمن
مصالحها الاقتصادية.
ولم
يقتصر تأثير السياسات الليبرالية على
الدول النامية والفقيرة، بل امتد
ليشمل الفقراء ومحدودي الدخل، بل
والطبقة المتوسطة في الدول الصناعية
المتقدمة، حيث عانى هؤلاء من تقليص
التمويل المخصص للخدمات الاجتماعية -كالصحة
والتعليم- وتخلت العديد من الحكومات
عن سياسات دولة الرفاهة (التي تضمن
حدًا أدنى للأجور وإعانات معقولة
للبطالة وكذلك خدمات التعليم والصحة).
لا
نهاية للفعل الإنساني
إلا
أن جهود الليبرالية الجديدة لم تكن
لتمر دون مقاومة أو معارضة، فقد شهدت
التسعينيات العديد من حركات المقاومة
لسياسات تحرير السوق، ففي المكسيك
شهد عام 1994 انتفاضة فلاحي الزباتيستا
ضد سياسات الحكومة المكسيكية التي
كانت قد وقعت لتوها اتفاق النافتا (المنطقة
التجارية الحرة لأمريكا الشمالية -
الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)،
والتي تحولت لحركة منظمة وناجحة
لمقاومة العولمة ونموذجًا لا سلطويًا
لحركة فاعلة ومستمرة ذات تأثير عالمي
فريد.
كما
شهد عام 1995 انفجارًا عنيفًا لمظاهرات
الطلبة في فرنسا احتجاجًا على ارتفاع
تكاليف التعليم. وفي إندونيسيا انهار
حكم سوهارتو تحت وطأة الاحتجاجات
الشعبية ضد الفساد والفقر.
وبدورها
عانت سياسات صندوق النقد الدولي من
مشاكلها الذاتية، فالأزمات
الاقتصادية العنيفة التي أصابت
اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا في النصف
الثاني من التسعينيات جاءت لتبدد وهم
أن سياسات الصندوق هي دواء فعال لا
بديل له على مرارته لحل مشاكل الدول
النامية وشفائها من كافة الأمراض.
فدول جنوب شرق آسيا (مثل تايوان
وكوريا الجنوبية والفلبين) والتي كان
يطلق عليها اسم "النمور الآسيوية"
كانت النموذج الناجح الذي يقدمه دعاة
الليبرالية الجديدة كدليل على صحة
سياساتهم، وبالتالي جاءت أزمتها (انهيار
العملة وتكدس المنتجات وزيادة
البطالة) لتبث هشاشة المنظومة
الاقتصادية بكاملها.
سياتل
وميلاد حركة مناهضة العولمة
ورغم
تلك الأزمة، وأزمة مثيلة سبقتها في
المكسيك عام 95، استمرت الدعاية
لسياسات الصندوق على أنها السبيل
الوحيد وشر لا بد منه، وأن أي معارضة
لتلك السياسات هي من قبيل الجنون
والرعونة.
وعلى
خلفية هذا المشهد المتأزم بين ضغوط
النظام العالمي الجديد ومعاناة فئات
واسعة منه كان اندلاع حركة مناهضة
العولمة الرأسمالية التي لا تمثل
الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب
سوى الفقر والمهانة، والمرض والبطالة؛
فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء
يزدادون فقرًا بشكل غير مسبوق في
التاريخ.
وفي
سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية
في نوفمبر 1999 كان الميلاد الرسمي
للحركة، فهناك اجتمع الآلاف من البشر
من اتجاهات سياسية متعددة؛ اشتراكيين
وفوضويين وشيوعيين وعمال نقابيين
وجمعيات مسيحية، ونشطاء من مختلف
الحركات والأهداف، ومدافعين عن
البيئة وعن حقوق المرأة، ومن حركة
الحقوق المدنية السود ومن مناهضي
العنصرية.. للاحتجاج على اجتماع منظمة
التجارة العالمية المنعقد هناك آنذاك.
وما
بدا للوهلة الأولى كاحتجاج رمزي تحول
إلى مظاهرات حاشدة استمرت لعدة أيام
وأدت لإلغاء اجتماع منظمة التجارة،
وصار هناك صوت مدو لمطالب كانت تقال
بالأمس همسا، وبرز شعار "نحو عالم
أفضل ممكن" (another world is possible). وقد
فاجأ حجم المشاركة الجميع بمن فيهم
المنظمين أنفسهم، ومنذ ذلك الحين وجد
العديد من الرافضين لسياسات الإفقار
والهيمنة بؤرة لنشاطهم وصوتا لغضبهم.
وأصبحت
اجتماعات ومؤتمرات المنظمات المالية
الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك
الدولي ومنظمة التجارة ومنتدى دافوس،
بل والمؤتمرات والقمم السياسية
كالاتحاد الأوروبي والدول الصناعية
السبع (الثمانية فيما بعد).. بؤرة
لنشاط الحركة الناشئة وكابوسا
لقيادات العولمة وقادة الدول الكبرى.
واكتسبت الحركة الثقة وازدادت قوة
بعد سياتل، وسجلت العديد من المدن
أسماءها كانتصارات للحركة الجديدة،
ملبورن ونيس وبراغ ودافوس وجونتبرج،
كانت كلها مواقع أكدت أن سياتل لم تكن
حدثا عارضا بل حركة طويلة النفس.
وفي
جنوا في يوليو 2001 سقط كارلو جولياني
أول شهيد لحركة مناهضة العولمة برصاص
الشرطة الإيطالية وبعد العنف الشديد
الذي واجهت به الدولة الإيطالية
المظاهرات والاحتجاجات ضد قمة الدول
الصناعية الثمانية (G8)، وفي اليوم
التالي خرجت مظاهرة ضمت ما يزيد عن 300
ألف لتؤكد أن مناضلي حركة مناهضة
العولمة لن يهزموا بسهولة.
مناهضة
العولمة والحرب والاستعمار بعد 11
سبتمبر
بعد
11 سبتمبر ساور العديدين الشك في قدرة
حركة مناهضة العولمة على الاستمرار
في وجه تفجر روح التعصب والرغبة في
الانتقام الذي أطلقها جورج بوش وآلة
الدعاية الأمريكية المهيمنة، وظن
البعض أن روح "نحن" و"هم"
ستنزع من الحركة طابعها التضامني
وبالتالي ستقضي عليها، إلا أن الحركة
بعد تردد وتراجع قصيرين استعادت
المبادرة ولعبت دورًا أساسيًا في
بناء حركة معارضة الحرب الأمريكية في
أفغانستان، واليوم تطورت لتصبح حركة
ضد العولمة وضد الإمبريالية (الهيمنة
الاستعمارية) في العراق.
وكذلك
تطورت الحركة لتصبح بؤرة للتضامن مع
الانتفاضة الفلسطينية ومع نضال
الفلسطينيين المشروع ضد الاحتلال
الصهيوني. ففي نوفمبر 2001 شهدت لندن
مظاهرة حاشدة قوامها 50 ألفًا ضد
العدوان الأمريكي على شعب أفغانستان،
وفي إبريل 2002 وفي أعقاب الاجتياح
الإسرائيلي سارت مظاهرة من 100 ألف
مؤيدة للحق الفلسطيني، في لندن
وبعدها في واشنطن فيما وصف بأنه أكبر
تحرك لدعم الحق الفلسطيني تشهده
العاصمة الأمريكية.
كما
شهدت فلورنس في نوفمبر 2002 مظاهرة شارك
فيها ما يقرب من مليون متظاهر وتم
تنظيمها على هامش المنتدى الاجتماعي
الأوروبي، وهو مؤتمر واسع ومفتوح
لحركة مناهضة العولمة شارك فيه 60 ألفا
من كافة أنحاء العالم، وفي يناير 2003
شهدت مدينة بورتو أليجيري البرازيلية
المنتدى الاجتماعي الموازي لقمة
المنتدى الاقتصادي الدولي بدافوس (سويسرا)،
وفي حين كان في سويسرا 3 آلاف من
الساسة ورجال الأعمال وممثلي الشركات
عابرة القارات بلغ عدد المشاركين في
بورتو أليجيري من مناهضي العولمة في
نفس الفترة بالتوازي، ما يزيد على
مائة ألف ناشط من كل أنحاء العالم.
وبعد تصاعد الهستيريا الأمريكية ضد
العراق شهدت العاصمة البريطانية أكبر
مظاهرة ضد الحرب منذ 50 عاما.
ففي
28 سبتمبر 2002 ثم في 15 فبراير 2003 ثم
أخيراً السبت 12 أبريل 2003 انطلقت
مظاهرات تاريخية حاشدة وجماهيرية
واسعة ضد الحرب الأمريكية على شعب
العراق وتأييدا لنضال الشعب
الفلسطيني، شارك فيها في كل مرة نصف
مليون شخص، وقد نظم المظاهرات تحالف
مناهضة الحرب (Stop the War Coalition) -وهو جبهة
انبثقت من داخل حركة مناهضة العولمة-
بالاشتراك مع اتحاد المنظمات
الإسلامية في بريطانيا، أي أن هناك
أيضًا شبكات جديدة تتشكل، وتحالفات
تنشأ بين مختلف القوى المناهضة
للعولمة، الباحثة عن عولمة بديلة
إنسانية عادلة.
حركة
مناهضة العولمة ودروس مستفادة
إن
حركة مناهضة العولمة ليست كلا واحد،
ومن أهم خصائصها ذلك التنوع الذي يميز
الأفراد والمنظمات المشاركة فيها،
فهي تضم منظمات اشتراكية وأخرى
فوضوية، شيوعيين ومستقلين، منظمات
غير حكومية تعنى بشعوب العالم الثالث
وأخرى تعنى بحقوق الأقليات،
والمدافعين عن البيئة ومعارضي
الزراعة الجينية، ومسيحيين ومسلمين
وأتباع شتى الأديان والطوائف.
والنجاح
الذي حققته الحركة جاء لأن كل
المشاركين رأوا أن الأولوية هي في
النضال ضد عدوهم المشترك، أي العولمة
الرأسمالية التي تقودها الشركات ولم
تمنعهم الخلافات الفكرية من التنظيم
المشترك لأعمال عظيمة، ولو تخيلنا أن
الحركة اقتصرت على المنسجمين فكريا
أو المنتمين لتيار واحد لكان لدينا في
فلورنسا مثلا 2000 مظاهرة لا تزيد أيها
عن عدة آلاف، وبدلا من النضال ضد
العدو المشترك لبدد أعضاء الحركة
وقتهم وطاقتهم في تفنيد حجج بعضهم
البعض وفي التقاط الاختلافات بين هذا
التيار وذاك.
لقد
اختارت الحركة ومناضلوها التركيز ليس
فيما يميزهم عن بعضهم البعض ولكن على
ما هو مشترك: عالم أفضل ممكن.
ولا يعني
هذا طمس الخلافات والتمايز بل يعني
فقط ألا نضع شرط الاتفاق في كل
القضايا، الآنية والمستقبلية،
كضرورة للتحرك المشترك. وهذه خبرة
علينا أن ندركها في واقعنا العربي
والمحلي، وعلينا أن نتجاوز منطق
المناظرة والحوار (رغم أهميته) لنصل
للعمل الجبهوي المشترك، بدلا من أن
نقضي الساعات لمناقشة خلافاتنا، فإن
علينا أن نرى ما يمكن تحقيقه معًا.
فهناك
العديد من القضايا الملحة في واقعنا
الوطني المباشر والتي يجب أن نضعها
على قمة أولوياتنا والنظر فيما يمكن
أن نحققه معا بشأنها. فقضايا مثل
التضامن مع الشعب الفلسطيني
وانتفاضته الباسلة، والنضال ضد
العدوان الأمريكي على الشعب العراقي،
والديمقراطية وحقوق الإنسان (بعيداً
عن استهانة أمريكا الليبرالية بها بل
وخيانتها لتاريخها ذاته)، وقضايا
مناهضة العولمة وسياسات الإفقار، هذه
كلها قضايا تفرض على كل القوى
والتيارات أن توحد عملها بشأنها.
وحملة
مناهضة العدوان الأمريكي والتي بادرت
بها على سبيل المثال في مصر المجموعة
المصرية لمناهضة العولمة (أجيج) هي
مثال حي ومباشر للعمل المشترك
المطروح على الجميع المشاركة فيه،
وقد تأسست لجنة شقيقة في اليمن وننتظر
اتساع الفكرة واتساع قاعدة التعاون
الفعال.
إن
الواقع العالمي والمحلي يحمل في
طياته العديد من الفرص والإمكانات
علينا أن نستثمرها من أجل هدف لا
يختلف بشأنه أحد: عالم أفضل ممكن.
**
ناشط يساري مصري عضو مؤسس بالمجموعة المصرية لمناهضة العولمة
|