بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:


الإستراتيجيات المفاهيمية للعولمة وبدائلها

العولمة وإستراتيجيات الدول الإسلامية

30/03/2003

أ.د. محمد السيد سليم**

يمكن حصر الإستراتيجيات المطروحة أمام العالم الإسلامي للتعامل مع العولمة في الإستراتيجيات التالية:

1- فك الارتباط مع الغرب، والاعتماد على الذات، ثم الاعتماد الجماعي على الذات  

2- الاندماج الكلي مع العولمة  

3- التفاعل الإيجابي الرشيد

ويقصد بالإستراتيجية الأولى الفكاك من قبضة النظام الرأسمالي العالمي بالتركيز على تنمية الموارد الذاتية لكل دولة، مع تطوير أشكال للتعاون الإقليمي بين الدول الإسلامية.

أما الإستراتيجية الثانية فهي تشير إلى القبول بشروط هذا النظام ومحاولة الحصول على أقصى مكاسب يطرحها، مع النظر إلى الخسائر المحتملة على أنها مكاسب في المدى البعيد.

وأخيرا تطرح الإستراتيجية الثالثة نظرة تركيبية للعولمة، فتؤكد أنه من المهم اتباع إستراتيجيات متعددة المستويات تقوم على "التفاعل" مع العولمة في الوقت الذي يتم فيه الدخول في مساومات معقدة مع قوى العولمة لتحسين الشروط، وتحقيق التكامل الإقليمي بين الدول الإسلامية لتقوية مركزها التفاوضي.

وفي الحقيقة فإن الخيار الأكثر واقعية أمام الدول الإسلامية يدور حول التعامل الإيجابي مع العولمة بهدف فهم مضمونها، وتحجيم الخسائر المتوقعة، والحصول على أكبر المكاسب الممكنة. فالدول الإسلامية لا تملك رفاهية الرفض المطلق للعولمة، حتى إن كانت تنظر إلى العولمة من منظور الانتقاد والتحفظ.

والمثال الواضح على ذلك هو ماليزيا، حيث إنه رغم أن تلك الدولة تتشكك في العولمة فإنها تبنت مجموعة من السياسات التكنولوجية والاقتصادية التي أدت إلى استفادتها من العولمة وتحولها إلى نمر آسيوي. كما أنه عندما اندلعت الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997، وكانت إحدى تجليات عدم اليقين الاقتصادي المتزايد في ظل العولمة، اتبعت ماليزيا إستراتيجية رشيدة مستقلة مكنتها من الخروج من الأزمة بأقل الخسائر.

ويمكن القول بأن الإستراتيجيات المتاحة أمام الدول الإسلامية لا بد أن تتسم بثلاث خصائص:

1- الأولى أن تكون إستراتيجيات "ممكنة" في ضوء القيود الراهنة النابعة من التكوين الاجتماعي والاقتصادي للدول الإسلامية ومن النظام العالمي. ويقصد بالإستراتيجيات الممكنة تلك التي يمكن تطبيقها في ضوء القدرات المتاحة. ولا ينفي ذلك إمكانية صياغة مشروعٍ عام طويل الأمد للتعامل مع تحدي العولمة. فتلك الإمكانية واردة بل هي مطلوبة، وهى مسئولية الخبراء والمفكرين والأكاديميين الوطنيين. ومن تلك المشروعات طويلة الأمد: إنشاء سوق إسلامية مشتركة. ففي ضوء محدودية مرحلة التطور الصناعي الراهنة للدول الإسلامية، تعدو تلك السوق مشروعا طويل الأمد يرتبط بمدى قدرة تلك الدول على بناء قاعدة صناعية قوية والدخول في مشروعات مشتركة.

2- أما الخصيصة الثانية فهي أن تتسم بالنظرة الشاملة. ويقصد بذلك تحليل مختلف المتغيرات، ومدى تأثرها ببعضها البعض في إطار نظرة استشرافية. فصياغة الإستراتيجيات الممكنة يكمله التحليل الإستراتيجي بعيد الأمد والمتحرر من القيود الفكرية والأيديولوجية.

3- أما الخصيصة الثالثة فهي أن تتعلق تلك الإستراتيجيات بالعمليات الثلاث التي تثيرها العولمة وهى العولمة الاقتصادية، والعولمة السياسية - الأمنية، والعولمة الثقافية. وعند كل عملية من تلك العمليات يمكن تصور وجود مستويات للتعامل. يدور المستوى الأول حول ما ينبغي عمله داخل كل دولة، ويدور المستوى الثاني حول العمل المشترك بين الدول الإسلامية، بينما يتعلق المستوى الثالث بالعلاقات بين الدول الإسلامية وباقي دول الجنوب، أما المستوى الرابع فإنه يتعلق بالعلاقات بين الدول الإسلامية والقوى الدافعة للعولمة.

 وسنتعامل مع تلك العمليات والمستويات على التوالي:

أولا: إستراتيجيات التعامل مع العولمة الاقتصادية

أ- على مستوى الدول الإسلامية:

لعل أهم العوامل التي أدت إلى صعود العولمة هو التطور التكنولوجي الهائل الناشئ عن الثورة الصناعية الثالثة. وهو تطور يركز على الدافع الابتكاري للفرد وقدرته على توظيف المعلومات. إن هذا التطور كان أحد مصادر انهيار الاتحاد السوفييتي لعدم قدرته على مواكبة التطور التكنولوجي وتجمده عند نظام سياسي واقتصادي بيروقراطي صارم يقوم على التعبئة. فإذا تذكرنا أن كثيرا من الدول الإسلامية لم يصل بعد إلى مرحلة الثورة الصناعية الثانية، وأن معدلات الأمية في تلك الدول تصل إلى 40% من إجمالي السكان البالغين عشر سنوات فأكثر، ناهيك عن الأمية الوظيفية، لأدركنا أن العولمة في إطار تلك الظروف ستتجه بالدول الإسلامية نحو الهامش خاصة مع تضاؤل أهمية المواد الخام، وهى تشكل معظم صادرات تلك الدول.

ومن ثم فلا مناص من مشروع وطني في كل دولة إسلامية لمحو الأمية، ورفع كفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية العلمية، وإدخال ثقافة الحاسب الآلي، والأهم من ذلك البدء في برنامج للتنمية الصناعية - التكنولوجية يبدأ بنقل التكنولوجيا وينتهي بإنتاجها.

وتقدم ماليزيا نموذجاً مهماً ينبغي دراسته حيث استطاعت تلك الدولة في خلال ثلاثين عاما أن تحقق طفرة ملحوظة في مجال تكنولوجيا المعلومات.

وفي هذا الإطار يمكن للدول الإسلامية أن تسعى لنقل نتائج الثورة الصناعية الثانية من الدول الغربية بشروط مقبولة. فبدون هذه التنمية الصناعية والتكنولوجية يصبح كل حديث عن التعامل الإيجابي مع العولمة في العالم الإسلامي محض كلام غير ذي موضوع.

ب- على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية:

يمكن القول إن هناك أربعة مجالات مهمة للعمل الإسلامي المشترك للتعامل مع العولمة الاقتصادية وهى تحرير التجارة، ونقل التكنولوجيا، وحقوق الملكية الفكرية، والمؤسسات عبر الإقليمية.

1- تحرير التجارة الدولية:

يعتبر تحرير التجارة الدولية جوهر العولمة الاقتصادية. وقد رأينا أن تحرير التجارة الدولية لم يكن تاريخياً طريقاً لتنمية في أي من نماذج التنمية المعروفة، وإنما كان هذا الطريق هو تطوير ونقل التكنولوجيا، وهو ما لا تتضمنه العولمة الاقتصادية. وطبقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية تلتزم الدول بعدم التمييز بين الشركاء التجاريين كما تلتزم بمعاملة المنتجات الأجنبية المعاملة ذاتها التي تمنحها للسلع الوطنية فيما يتعلق بالضرائب المحلية كما تلتزم بتخفيض مستويات التعريفات الجمركية إلى حدود دنيا.

وقد دخلت معظم الدول الإسلامية تلك المنظمة، ومن ثم فإن العمل المشترك بين الدول الإسلامية للإقلال من مخاطر فتح الأسواق ومحاولة الاستفادة منه يعتبر أمراً ضرورياً.

ولعل أولى الخطوات المهمة للتعاون الإقليمي وغير الإقليمي في مجال تحرير التجارة هي الدعم المتبادل لدخول الدول الإسلامية في منظمة التجارة العالمية. وعلى سبيل المثال فإيران وليبيا والعراق ما زالت مستبعدة من هذه المنظمة وتسعى لدخولها إدراكاً منها لأهمية المشاركة في اتخاذ القرارات التي ستؤثر على تجارتها في المستقبل، ولكن الولايات المتحدة تسعى إلى تعطيل هذه العضوية. ففي اجتماع المجلس العام للمنظمة في جنيف في 18 يونيو سنة 2001 أعلنت الولايات المتحدة عدم موافقتها على مناقشة طلب إيران العضوية في المنظمة، وهو موقف تتمسك به الولايات المتحدة منذ سنة 1996. وفي هذا الاجتماع تحدث مندوب ماليزيا باسم عدد من الدول المؤيدة للطلب الإيراني مؤكداً مشروعية الطلب.

إن العضوية المشتركة للدول الإسلامية في المنظمة هي مقدمة ضرورية لتعاون مشترك بينها بصدد قضية تحرير التجارة الدولية. وإلى أن تتم تلك العضوية فإنه من المهم إجراء حوار بين الدول الإسلامية حول القضايا الخلافية المطروحة في المنظمة وفي مقدمتها توقيت وطريقة تحرير التجارة الدولية والسعي إلى المزيد من تحرير تجارة السلع الزراعية، وتتضمن استخدام المعايير البيئية لأغراض حمائية مضادة للواردات. ويدور هذا الحوار بالفعل بين الدول الإسلامية بحكم عضويتها في مجموعة السبع والسبعين، وعضوية بعضها في مجموعة الخمس عشرة للدول النامية، ومجموعة الدول الثماني.

من ناحية ثانية فإنه لا يتصور أن تتكامل الدول الإسلامية مع قواعد منظمة التجارة العالمية وأن تدخل الدول العربية المطلة على البحر المتوسط مشروع المشاركة الأوروبية المتوسطية (وهو أحد تجليات العولمة) بدون تحرير التجارة بين الدول الإسلامية أولاً. ذلك أن تكامل بعض الدول الإسلامية مع مشروعات العولمة سيضع سقفا على إمكانيات تحرير التجارة بينها مستقبلاً، وبالنسبة للدول العربية في البحر المتوسط على سبيل المثال فإن منطقة التجارة الحرة بينها وبين الاتحاد الأوروبي ستعني أن تلك الدول والدول الإسلامية الأخرى لن تستطيع إقامة اتحاد جمركي بينها في المستقبل لأن ذلك سيعني بناء سياج جمركي خارجي واحد بين المجموعتين من الدول أمام السلع الأوروبية وهو ما يتعارض مع اتفاقيات المشاركة الأوروبية المتوسطية، ومن ثم فإن على الدول الإسلامية المسارَعة بالنظر في تطوير العلاقات التجارية بينها قبل أن تندمج في مشروعات العولمة.

وفي هذا الصدد فإن هناك آفاقاً واسعة للاستفادة من التجارة الإلكترونية لتشجيع التجارة بين الدول الإسلامية.

من ناحية ثالثة فإن المشروعات المشتركة بين الدول الإسلامية يمكن أن تكون مدخلاً إلى نفاذ منتجات الدول الإسلامية غير الداخلة في مشروعات للعولمة مثل بنجلاديش وباكستان والسودان إلى الأسواق الأوروبية بعد دخول مشروع المشاركة حيز التنفيذ، حيث يمكن أن تستفيد تلك الدول من المزايا التي تتمتع بها صادرات الدول الأعضاء في الأسواق الغربية من خلال تصدير إنتاجها المشترك، مع مراعاة قواعد المنشأ بطبيعة الحال.

2- التكنولوجيا:

رغم أن التطور التكنولوجي يعتبر أحد المرتكزات المحورية للتنمية، فإن هذا التطور لا يعتبر من مجالات اهتمام العولمة في حديثها عن دمج الاقتصاد العالمي. وفي أغلب المجالات التي تنقل فيها القوى الدافعة للعولمة تكنولوجيا إلى الدول النامية، فإن تلك التكنولوجيا كانت تكنولوجيا منقرضة بائدة أو ملوثة للبيئة. ولعل تأمل نوعية التكنولوجيا التي نقلتها دول شرق آسيا إلى مصر في إطار الاستثمارات الآسيوية توضح بجلاء هذه المقولة. ولذلك تظهر أهمية التعاون التكنولوجي بين الدول الإسلامية، وهو ما يتطلب تكوين فرق بحثية مشتركة لتطوير تكنولوجيا في مجالات تصنيع أجهزة الكمبيوتر، وتكنولوجيا المعلومات عموماً.

وفي هذا الصدد ينبغي دراسة التجربة الماليزية التي استفادت من الخبرة التكنولوجية اليابانية لاكتساب الخبرات في مجال تكنولوجيا المعلومات، وزرع تلك التكنولوجيا في ماليزيا.

ويمكن الإشارة أيضاً إلى مشروعات التعاون التكنولوجي المطروحة في إطار مجموعة الدول الثماني والواردة في إعلان القاهرة لمؤتمر قمة تلك الدول. ومن تلك المشروعات الاقتراح الإيراني بالتعاون في تكنولوجيا الحامض النووي DNA، والاقتراح المصري بالتعاون في مجال تكنولوجيا التصنيع الريفي.

3- حقوق الملكية الفكرية:

أدخلت دورة أورجواي لأول مرة في تاريخ الجات، وتحت ضغط من الدول الصناعية، نظام التفاوض الجماعي حول "الأبعاد التجارية لحقوق الملكية الفكرية" وهو ما أسفر عن اتفاقية الأبعاد التجارية لحقوق الملكية الفكرية Trade - Related Aspects of Intellectual Property Rights (TRIPS)، وتتناول هذه الاتفاقية حماية حقوق وبراءات الاختراع مما يحد من قدرة الدول النامية على تطبيق المخترعات الجديدة ما لم تسدد حقوق الملكية الفكرية.

ويشير كان دولوس كورييا إلى أنه خلال الفترة من سنة 1977 إلى سنة 1998 لم تمثل الدول النامية سوى 2% من براءات الاختراع العالمية، بما يعني أن الدول الصناعية المتقدمة هي المستفيد الوحيد من الاتفاقية.

وتدور حالياً مناقشات حول تحسين الشروط الواردة في اتفاقية الملكية الفكرية بما يمكن الدول النامية من الإقلال من آثارها السلبية. وهي مناقشات ينبغي أن تنسق الدول الإسلامية جهودها للضغط في اتجاه هذا الإقلال.

كذلك فإن الدول الإسلامية بحاجة إلى إجراء حوار جماعي حول كيفية توظيف اتفاقية حقوق الملكية الفكرية بما يدفع من عملية التنمية في تلك الدول ولصالح العلاقات بينها، وليس لمجرد حماية المنتج الأجنبي المستورد، فبعض الدول الإسلامية تنتج براءات الاختراع، ويمكن بالتالي أن تستفيد من تلك الاتفاقية. وينضوي تحت لواء هذا التعاون استيعاب مضمون اتفاقية الملكية الفكرية والاستعداد الجديد لتطبيقها. وقد أنشأت بعض الدول الإسلامية مؤخراً مراكز دراسات الملكية الفكرية لتشجيع البحوث في مجال حقوق الملكية الفكرية والتعريف بها، وهي تجربة يمكن أن تفيد باقي الدول الإسلامية.

4- المشروعات غير الإقليمية الجديدة بين الدول الإسلامية

شهدت الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة ظهور مفهوم "الإقليمية الجديدة". ويقصد بذلك إنشاء مؤسسات للتعاون الاقتصادي بين دول غير متجاورة جغرافيا أو متشابهة ثقافيا للتعامل مع التيارات التي برزت نتيجة للعولمة مع الحرص على أن تتسم تلك المؤسسات بوجود أجهزة إدارية محدودة مع إعطاء المؤسسات غير الحكومية (رجال الأعمال والأكاديميين وغيرهم) دورا مهما في عمل تلك المؤسسات.

ومن أهم تلك المؤسسات مجلس التعاون الاقتصادي لدول آسيا المحيط الهادي (الآبك)، وتجمع دول المحيط الهندي للتعاون الإقليمي، وقد أنشأت الدول الإسلامية تجمعا مماثلا هو مجموعة الدول الإسلامية الثماني. وتتألف تلك المجموعة من ثماني دول إسلامية هي تركيا وإيران ومصر وماليزيا وبنجلاديش ونيجيريا وإندونيسيا وباكستان. وقد عقدت تلك المجموعة أول مؤتمر قمة لها في إستانبول في 10 يونيو سنة 1997 بناء على مبادرة من رئيس الوزراء التركي آنذاك نجم الدين أربكان، وعقدت مؤتمرها الثاني للقيمة في دكا في مارس سنة 1966، ومؤتمرها الثالث للقمة في القاهرة في فبراير سنة 2001.

وتركز المجموعة على تنفيذ مشروعات للتعاون الفني يشارك فيها القطاع الخاص. وقد حددت عدة مجالات للتعاون بحيث تتخصص كل دول في قيادة التعاون في هذا المجال. فتقود نيجيريا مثلا التعاون في مجال الطاقة، كما تقود إندونيسيا التعاون في مجال الموارد البشرية والتنمية وإزالة الفقر، وتقود مصر التعاون في مجال التجارة، وتقود ماليزيا التعاون في مجال التمويل المصرفي والخصخصة، وتقود تركيا التعاون في مجال التصنيع والصحة، وتقود إيران التعاون في مجال المواصلات اللاسلكية والمعلومات، وتقود بنجلاديش التعاون في مجال الزراعة.

ويتفق هذا المفهوم للتعاون بين الدول الإسلامية مع مفاهيم الإقليمية الجديدة المطروحة في عصر العولمة الاقتصادية. ويمكن أن تشكل تلك المجموعة أداة مهمة للدول الإسلامية للاستفادة من الفرص الاقتصادية التي قد تكون متاحة.

ج- على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الجنوب

من الأمور المثيرة للتأمل، وربما الدهشة، أنه رغم أن بعض الدول الإسلامية تصدر النفط وبعض المواد الأولية الأخرى بكميات هائلة، ولديها فوائض دولارية، فإن الدول الإسلامية كمجموعة تتسم بمركز اقتصادي أقل في إطار مجموعة دول الجنوب التي تضمها مجموعة السبع والسبعين. ويتضح ذلك من تأمل معظم مؤشرات التطور الاقتصادي والاجتماعي بما فيها متوسط الدخل الفردي.

ومن ثم فإن من مصلحة الدول الإسلامية أن توثق تعاونها مع بقية دول الجنوب في صياغة إستراتيجية للتعامل مع العولمة.

ولعل من أهم أمثلة ذلك تكوين مجموعة الدول الخمس عشرة سنة 1989. وهذه المجموعة هي منتدى للتعاون الاقتصادي بين بعض دول الجنوب. وتضم هذه المجموعة حاليا 19 دولة منها سبع دول إسلامية هي الجزائر ومصر وإندونيسيا وإيران وماليزيا ونيجيريا والسنغال. وتعقد المجموعة مؤتمر قمة سنويا. وقد حددت حتى الآن 24 مشروعا للتعاون الاقتصادي في مجالات البيئة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.

وتعد مجموعة الـ15 نموذجا للتفاهم بين الدول الإسلامية ودول الجنوب لبلورة إستراتيجية لتدعيم المركز الاقتصادي لدول الجنوب عند التعامل مع قوى العولمة.

كذلك يمكن أن نشير إلى حالة تجمع دول المحيط الهندي للتعاون الإقليمي الذي أسس سنة 1997، ويضم تسع عشرة دولة منها ثماني دول إسلامية هي بنجلاديش وإندونيسيا وإيران وماليزيا وموزمبيق وعمان والإمارات العربية المتحدة واليمن. وباستثناء عضوية أستراليا في هذه التجمع، فإنه يكاد يشبه مجموعة الدول الخمس عشرة النامية.

وأخيراً فقد انضمت بعض الدول الإسلامية إلى مجموعة الكوميسا (السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا) التي أنشئت سنة 1994. وتوجد خمس دول إسلامية من بين الدول العشرين الأعضاء وهي جزر القمر وجيبوتي ومصر والسودان وأوغندا.

إن عضوية الدول الإسلامية في هذه المؤسسات الإقليمية الجديدة لدول الجنوب هي خطوة إيجابية تعكس أهمية الوعي ببلورة إستراتيجية جنوبية للتعامل مع العولمة، ولذلك ينبغي تطويرها ودعمها.

د- على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية وقوى العولمة

لعله قد تبين مما ذكرناه حتى الآن أننا ندافع عن التفاعل الإيجابي بين الدول الإسلامية وقوى العولمة. وهذا ما يتمثل في دخول الدول الإسلامية منظمة التجارة العالمية، والانضمام إلى الاتفاقيات المختلفة في إطار تلك المنظمة. ولكن ذلك كله ينبغي أن يكون في إطار رؤية مشتركة لمطالب دول الجنوب إزاء قوى العولمة. فالانعزال عن قوى العولمة أو الاكتفاء بانتقادها لا يشكل بديلا مفيدا للدول الإسلامية. ولهذا فقد دخلت بعض الدول الإسلامية المشروعات الإقليمية الجديدة التي قادتها بعض قوى العولمة مثل "مجلس التعاون الاقتصادي لدول آسيا- المحيط الهادي" (الآبك)، والمشاركة الأوروبية المتوسطية. ففي المشروع الأول تشارك الولايات المتحدة، بينما يشارك الاتحاد الأوروبي في المشروع الثاني.

بالنسبة لمشروع الآبك الذي أنشئ سنة 1989 ويمثل أول مشروع اقتصادي عولمي، فإنه يضم 21 دولة عضوة منها ثلاث دول إسلامية. وهذه الدول هي بروناي دار السلام وإندونيسيا وماليزيا.

أما المشروع الثاني ويضم 27 دولة أوروبية ومتوسطية فإنه يضم ثماني دول إسلامية هي المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن وفلسطين وسوريا ولبنان.

ورغم تحفظات الدول العربية الأعضاء في مشروع المشاركة على كثير من بنوده، فإنها قد انضمت إليه أملا في الاستفادة من بعض جوانبه وتعديل مساره.

وقد وقعت المغرب وتونس ومصر والأردن وفلسطين اتفاقات مشاركة في إطار هذا المشروع.

ثانيا: إستراتيجيات التعامل مع العولمة السياسية الأمنية

أ- على مستوى الدول الإسلامية :

لعل من أهم القضايا التي تطرحها ظاهرة العولمة: قضايا التحول الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، وتقوية المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية. ورغم أن طرح هذه القضايا غالبا ما يتسم بطابع انتقائي، بمعنى أنها تثار فقط في مواجهة الدول التي لا تتفق مع السياسات الأمنية الغربية، ويتم تجاهلها تجاه الدول الحليفة للغرب، فإن اهتمام الدول الإسلامية بهذه القضايا لا ينبع من حرصها على تنفيذ ما تقوله قوى العولمة، ولكن لأنه مهم بالنسبة لقدرتها على التعامل مع ظاهرة العولمة.

فبناء مجتمع مدني يقوم على المشاركة الشعبية العامة من شأنه أن ينشئ مؤسسات اجتماعية وسياسية قوية تستطيع الصمود أمام الضغوط الخارجية لقوى العولمة، ويقاوم مجالات التدخل الأجنبي، ويوفر الإطار السياسي للتنمية.

ولنتذكر مرة أخرى أن سقوط النظم الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية كان راجعا إلى عدم شعور المواطنين بالولاء لتلك النظم. وهو الأمر الذي كان ناشئا عن اغترابها عن النظام السياسي وعدم مشاركتها في عملية صنع السياسات.

إن المجتمع السياسي التعددي الحقيقي الذي يقوم على احترام وجهات النظر المختلفة، ويسمح للقوى السياسية المختلفة بالتفاعل الحر، هو مجتمع يتسم بالصلابة والتماسك، وقادر على اكتساب ولاء المواطنين وإطلاق طاقاتهم الابتكارية القادرة على التعامل مع تحديات العولمة.

ومن ثم تأتي أهمية بناء نموذج سياسي في كل دولة إسلامية يقوم على المشاركة العامة في صنع السياسات، واحترام التعدد السياسي والفكري والديني والعرقي، ويبني مؤسسات قوية قادرة على أداء مسئولية المحاسبة العامة، ويعمل في إطار من الرقابة الاجتماعية.

ومع أننا نسلم أن هذا النموذج لم يكن شرطا للتنمية في كثير من نماذج التنمية ومنها النماذج الغربية ابتداء من عصر الثورة الصناعية الأول وحتى نهاية القرن التاسع عشر، والدول الشرق آسيوية المسماة بالنمور الآسيوية منذ منتصف الستينيات، فإن عالم القرن الحادي والعشرين يختلف عن العالم التي حدثت فيه تلك النماذج. فعالم القرن الحادي والعشرين (عالم العولمة) يتسم بثورة الاتصال العالمي، وتكنولوجيا المعلومات، وثورة التوقعات المتزايدة لدى الشباب وهو أمر يجعل من الصعب تأجيل بناء النموذج السياسي الديمقراطي في الدول الإسلامية إلى حين اكتمال عملية التنمية.

فلا مناص من تلازم العمليتين أو على أكثر تقدير اختصار المسافة الزمنية بينهما إذا كنا نريد بناء مجتمعات إسلامية قادرة على التعامل الحقيقي مع قوى العولمة.

ب-على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية :

لعل الإستراتيجية المحورية للدول الإسلامية للتعامل مع النماذج السياسية الأمنية التي تطرحها العولمة السياسية هي طرح نموذج سياسي أمني إسلامي بديل يطبق بين الدول الإسلامية. ويمكن القول إن جوهر هذا النموذج يكمن في تفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي في مجالي تسوية المنازعات بين الدول الأعضاء، وفي مجال الأمن الجماعي للدول الإسلامية.

فمنظمة المؤتمر الإسلامي هي التنظيم الدولي الذي يضم الدول الإسلامية، ويفترض أن يكون بمثابة إطار لتمكينها من التعامل الجماعي مع تحديات العولمة، بيد أنه يلاحظ غياب نظام للأمن الجماعي في المنظمة سواء على مستوى الميثاق أو الممارسة.

كذلك فإن نظام التسوية السلمية للمنازعات بين الدول الأعضاء يتسم بالضعف؛ فهو أولا نظام اختياري، كما أنه يفتقر إلى الأساس القضائي أو التحكيمي رغم اتخاذ قرار في مؤتمر القمة الإسلامية الرابع المنعقد سنة 1987 بإنشاء محكمة عدل دولية إسلامية، وحتى الآن لم تصادق الدول الإسلامية على النظام الأساسي للمحكمة، ولا يتصور أن يتم بناء نموذج سياسي أمني موحد لكل العالم الإسلامي بحكم اتساع رقعه وتباين ارتباطات الدول الإسلامية، ولكن من المتصور وجود نظام للتسوية السلمية سواء بشكل سياسي أو قضائي، والاتفاق على قواعد تحكم تصرفات الدول الأعضاء إزاء أي عدوان يصدر من طرف خارجي على أي منها.

ج- على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الجنوب :

يشمل ذلك التعاون مع دول الجنوب لمواجهة تحديات النموذج السياسي- الأمني الذي تحاول قوى العولمة أن تفرضه. ويشمل ذلك التعاون على ميدان تحديد طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه العالم بعد نهاية الحرب الباردة، وأساليب التعامل معها. ولعل من أهم النماذج المطروحة في هذا الصدد تعاون بعض الدول الإسلامية مع بعض الدول الآسيوية لإنشاء "مؤتمر إجراءات التفاعل وبناء الثقة في آسيا"، والذي تم إعلان إنشائه في 9 نوفمبر سنة 2001 ويضم خمس عشرة دولة آسيوية منها عشر دول إسلامية هي مصر وفلسطين وإيران وباكستان وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وأفغانستان وقيرغيزيا وتركيا. ونظرا لعدم اتفاق الدول الإسلامية الأعضاء على مفهوم الأمن والتعاون في هذه المنظمة الجديدة، فقد اتجهت تلك المنظمة نحو تبني مفاهيم أمنية قريبة لمفاهيم العولمة الجديدة مثل التركيز على ما يسمى "التحديات الأمنية الجديدة" كمقاومة الإرهاب وغيرها.

د- على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية وقوى العولمة :

البدائل المتاحة أمام الدول الإسلامية في التعامل مع التوجهات الأمنية للعولمة تبدو محدودة. فإن مشاركة الدول الإسلامية في الحوار الأمني الذي يجري في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وفي حلف الأطلنطي، واتحاد غرب أوروبا وفي "منتدى الآسيان الإقليمي".. مسألة ضرورية لطرح مفاهيم الدول الإسلامية للقضايا الأمنية وكيفية التعامل معها. ذلك أن انعزال الدول الإسلامية عن هذا الحوار يمكّن القوى الأخرى من فرض رؤيتها لتلك القضايا. بيد أن تلك المشاركة ينبغي ألا تمتد إلى المشاركة في الأنشطة الأمنية لتلك المؤسسات لأن تلك المشاركة تعني تأكيد عملية تهميش دور الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

وعلى سبيل المثال فإن بعض الدول العربية في البحر المتوسط تشارك في الحوار الأطلنطي - المتوسطي وهو أمر مفيد لجعل دول الحلف على وعي برؤى الدول العربية للأمن في البحر المتوسط. ولكن مشاركة تلك الدول في أنشطة الحلف في البحر المتوسط هي مسألة أخرى ينبغي التحقق من جدواها وأثرها على أمن الدول العربية الإسلامية.

كذلك رغم صعوبة الحديث عن دعم وإصلاح للأمم المتحدة في ظل هيمنة قوى العولمة، فإن على الدول الإسلامية أن تؤكد حرصها على تلك المنظمة، وسعيها إلى طرح مفهوم "ديمقراطية العلاقات الدولية" في إطارها.

ثالثا: إستراتيجيات التعامل مع العولمة الثقافية

أ-على مستوى الدول الإسلامية :

لعل نقطة البدء في التعامل مع قوى العولمة الثقافية هو بناء النموذج الثقافي الوطني في كل دولة إسلامية. ويشمل ذلك محو الأمية بين المسلمين والارتقاء بمستوى التعليم على كافة مستوياته، وإجراء حوار عام يسفر عن إجماع وطني حول المشروع الثقافي الوطني، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في حماية الثقافة الوطنية. وبالنسبة للدول الإسلامية متعددة الأعراق، مثل ماليزيا وإندونيسيا والسودان وتركيا، فإنه من المهم أن يشمل ذلك المشروع تحديد العلاقة الثقافية بين المسلمين وغير المسلمين بشكل يندمج بموجبه غير المسلمين في الهوية الوطنية العامة للدولة الإسلامية، مع المحافظة على خصوصياتهم.

ويثير ذلك قضايا مهمة تتعلق بحدود تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، والعلاقة بين هذا التطبيق والوحدة الوطنية للدول الإسلامية. ونعلم أن هذه القضية هي من القضايا المحورية التي تسعى من خلالها قوى العولمة إلى تحطيم وحدة بعض الدول الإسلامية.

ب-على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية :

من المهم أن تدير الدول الإسلامية حوارا دينيا ثقافيا حضاريا بينها للتوصل إلى تسوية القضايا محل الخلاف، وإلى اتفاق عام حول تصور العلاقات الثقافية والحضارية بين الدول الإسلامية وقوى العولمة من ناحية، ومن ناحية أخرى، حول القضايا التي تفرزها تلك الظاهرة. فينبغي أن تعترف أنه رغم مركزية مفهوم وحدة الأمة الإسلامية، فإن العالم الإسلامي هو نظام دولي فرعي غير متجانس على مستويات عدة بما فيها المستويات الثقافية. فهناك خلافات مذهبية تاريخية بين الدول الإسلامية عطلت مسيرة العالم الإسلامي، ومن الصعب أن نتحدث عن تعامل فعال مع العولمة في الوقت الذي ما زالت فيه أشكال سوء الإدراك بين المذاهب الإسلامية قائمة. ومن ثم يصبح من الضروري إجراء حوار حول التقريب بين السنة والشيعة في إطار مفهوم "التقريب" بين المذاهب الذي اقترحته إيران، وأيده الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق.

وفي تقديرنا فإن الإستراتيجية التي سبق أن طرحها الأفغاني في كتاباته في أواخر القرن التاسع عشر للتقريب بين المذاهب ما زالت هي الإستراتيجية الأكثر صلاحية. كذلك فإن تنشيط التبادل الثقافي، والترجمة والتعاون البحثي كلها مسائل مهمة لدعم الإسهام الثقافي الإسلامي في الحضارات.

وقد سبق أن قامت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي بصياغة إستراتيجية ثقافية للدول الإسلامية. بيد أن التنفيذ الدقيق لهذه الخطة أصبح مسألة محورية في ضوء التحديات الثقافية التي تفرضها العولمة.

ج-على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية ودول الجنوب :

يتطلب التعامل مع محاولات العولمة الثقافية التوصل إلى إستراتيجية ثقافية مشتركة بين الدول الإسلامية وبقية دول الجنوب. ويمكن تحقيق ذلك من خلال حوار بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى في دول الجنوب مثل الحضارات الهندية والصينية والأفريقية واللاتينية وغيرها. ومما يساعد على ذلك أن العولمة تدفع في اتجاه فرض القيم الغربية في مواجهة كافة القيم غير الغربية. ولهذا شهدنا اليابان تدعو مؤخراً إلى حوار حضاري ياباني مع العالم الإسلامي وهو أمر ينبغي أن تستجيب له الدول الإسلامية وأن نوسع من نطاقه ليشمل الحضارات الأخرى.

د-على مستوى العلاقات بين الدول الإسلامية وقوى العولمة :

ليس من مصلحة العالم الإسلامي أن يدخل في صدام حضاري لا مع الغرب ولا مع أي كتلة دولية أخرى، فضلاً عن أن مثل هذا الصدام غير مرغوب أصلا لتعارضه مع الإسلام، فإنه في ظل ضعف البنى الاقتصادية والاجتماعية للعالم الإسلامي، فإن العالم الإسلامي سيخسر في هذا الصدام. ومن مصلحة العالم الإسلامي تفويت الفرصة على القوى المحافظة في الغرب، والتي ما زالت مشحونة بذكريات الحروب الصليبية، ومدفوعة بدوافع الهيمنة لكي تفتعل مواجهة مع العالم الإسلامي، ومن ثم تجيء الدعوة إلى حوار الحضارات الإسلامية والغربية والآسيوية بهدف الاتفاق على أسس للتعاون الحضاري والثقافي، وإزالة أشكال سوء الفهم.

وقد بادرت منظمة المؤتمر الإسلامي بعقد ندوة في طهران في مايو سنة 1999 وصدر عنها "إعلان طهران". وقد حدد الإعلان مجموعة من القيم والمبادئ المستمدة من الشريعة الإسلامية، والتي يمكن أن تكون أساسا لحوار الحضارات. وتلك القيم والمبادئ كرامة الإنسان والتسامح والسلام والاعتراف بتنوع مصادر المعرفة والحوار والتفاهم المتبادل والعلاقات الإنسانية والمرونة واللين في الخطاب.

وقد اتخذت إيران بدورها زمام المبادرة حين قدم الرئيس محمد خاتمي إلى الدورة الثالثة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة سنة 1999 اقتراحه حول الحوار بين الحضارات. وقد قبلت الجمعية العامة اقتراح الرئيس خاتمي باعتبار عام 2001 عام "الحوار بين الحضارات". وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد بادرت سنة 1998 بتنظيم "حوار الحضارات الأربع" حيث دعت وزارات خارجية مصر وإيطاليا واليونان إلى إجراء حوار مؤسسي بين الدول صاحبة الحضارات القديمة: المصرية والفارسية واليونانية والرومانية على أن يتم ذلك من خلال سلسلة من الندوات التي يشارك فيها العلماء والباحثون.

وقد عقدت حتى الآن أربع ندوات لحوار الحضارات الأربع كل منها في إحدى الدول المشاركة. غير أن القليل هو المعروف عما دار في تلك الحوارات. ويشير هذا القليل إلى أن الحوار قد ركز على العلاقات التاريخية بين الحضارات الأربع، كما أنه اقتصر على عدد محدود من المشاركين من كبار الدبلوماسيين والأكاديميين.

ونحن نتصور أننا بحاجة إلى تقييم لما تم إنجازه بهدف استخلاص النتائج المتعلقة بمسار الحوار في المستقبل. فحوار الحضارات الأربع في حاجة إلى:

أ. توسيع نطاق المشاركة فيه بحيث يشمل عددا أكبر من الدول التي تمثل الحضارات الأخرى كالحضارات الآسيوية والأفريقية، وذلك في إطار من مبادرة الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ب. توسيع نطاق المشاركين فيه بحيث لا يقتصر على كونه حواراً نخبوياً معزولا عن المجتمعات المدنية في الدول المشاركة.

فمن الواضح أن ما يدور في حوار الحضارات الأربع هو إعادة التعبير عن الرؤى الرسمية للدول، ومن ثم فإن رؤى المؤسسات غير الحكومية بمختلف أجنحتها غير مطروحة في هذا الحوار مما يقيد من فاعليته.

جـ. تخطي مرحلة التركيز على العلاقات التاريخية إلى محاولة المساهمة الفعالة في تحديد رؤى الحضارات للقضايا الجديدة التي تثيرها العولمة كحقوق الإنسان، والهندسة الوراثية، والبيئة وغيرها. ومن ثم يتحول الحوار من كونه ظاهرة سلبية تقوم بإعادة إنتاج المعرفة القائمة إلى كونه ظاهرة إيجابية منتجة المعرفة الجديدة.

د. أن ينظر الحوار في آليات محددة للتعامل مع أشكال سوء الفهم بين الحضارات. ولعل أهم تلك المصادر هو ما يكمن في الكتب المدرسية، وما يرد في وسائل الإعلام. لأن حوار الحضارات الأربع في حاجة إلى مراجعة شاملة لما يرد في الكتب المدرسية في الدول المشاركة عن الحضارات الأخرى، وكيفية تعديل المعلومات المشوهة التي تعطى للأجيال الجديدة عن الآخر. كما أنه في حاجة إلى اقتراح آلية مؤسسية يقوم بموجبها الإعلاميون بمراقبة التشويه المعلوماتي الذي يرد في أجهزة الإعلام.

هـ.أن حوار الحضارات الأربع في حاجة أيضاً إلى اقتراح وتنفيذ برامج للتبادل العلمي والثقافي بين الشباب وكبار الباحثين وبرامج للترجمة من لغات الحضارات.


تابع في هذا الملف:


**أستاذ العلاقات الدولية-جامعة القاهرة


 مفاهيم ومصطلحات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع