بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:


المعلوماتية والعولمة .. رؤية من الجنوب*

13/10/2001

أ.د. حازم أحمد حسني -رئيس قسم تطبيقات الحاسب الآلي- كلية الاقتصاد/جامعة القاهرة

كلمتا "المعلوماتية" و"العولمة" كلمتان ثقيلتان على الأذن، بل وتكاد كل واحدة منهما أن تصيب اللغة العربية في مقتل، لكنهما -على ما بهما من سوء- قد شاعتا بين الناس حتى صار التخلص منهما أمرًا عسيرًا، وقد أُفضِّل من جانبي أن أستبدل بمصطلح "العولمة" مصطلحاً آخر أكثر احترامًا للغة، وأكثر تعبيرًا عن المعنى، هو مصطلح "الشمولية الكوكبية". أما مصطلح المعلوماتية فأمرُه أثقلُ من سابقه؛ لذا دعونا نستخدم المصطلحين هنا على أي شكل من أشكالهما، مكتفين بتسجيل تحفُّظِنا تجاه المصطلح، دون إهدار مضمونه، وهو ما نركز عليه حديثنا.

المتاهة

ظاهرة العولمة وما ارتبطت به من "المعلوماتية" إنما تصنع "متاهة" لا يملك أحد أن يقبع ساكن في ركن من أركانها، ولا يعرف أحد إلى أين تقوده خطاه إن هو مضى في دهاليزها! فعلامات الطريق تفقد في المتاهة قيمتها؛ إذ لا يكاد التائه يُعير اهتمامًا يُذكر لعلامة طريق تعلن عن نفسها إذا ما افتقد الخرائط، وغابت عنه مفاتيح الربط بين علامات الطريق، وإنما يمنح التائه في المتاهة ثقته لذاته، التي تتحول في هذه المتاهة إلى ملاذٍ مؤكد في عالم لم تعد تعبر علامات الطريق فيه إلا عن واقع عابر عبور التائه نفسه! تفعيل تفكير التائه وعقله هو وحده ما يصلح للنظر في موضوع العلاقة بين العولمة والمعلوماتية، بعيدًا عما اعتدنا عليه من أساليب التفكير الخطي LINEAR التي تسير بمنطق "الاستدلال"، وبقوانين الربط بين المعلومات "الهادية" إلى النجاة. وإنما يهتم التائه أو الحائر في رحلته –أو في تجواله- بما هو "صامت من معلومات"، وما هو "مسكوت عنه من موضوعات"، بل وأحيانًا بما هو "هامشي" وغير مترابط في ظاهره؛ وهو ما قد يشير إلى طريق ومنهج بأفضل مما تقدم علامات الطريق الظاهرة التي تروج لنفسها.

ولكن دعونا ونحن نتقمص مشاعر "حائر المتاهة" هذا، ونقتبس فكر "التائه" نعرج إلى حكايتين: أولاهما حكاية سجلها المخرج الفرنسي "هنري فيرني" HENRI VERNEUIL في فيلم فرنسي ساخر يعود إلى عام 1959 عنوانه "البقرة والسجين" La VACHE ET LE PRISONNIER، تقمص فيه الممثل الفرنسي "فرناندل" FERNANDEL دور أحد سجناء الحرب الذين كانت ألمانيا النازية تقوم بتشغيلهم في المزارع مقابل أجر يدفعه صاحب المزرعة إلى الجيش الألماني، وكان فكر هذا السجين في الهروب -حيث لا مهرب- يراوده بإلحاح، فهَدَاه التفكير التائه إلى فكرة تبدو في ظاهرها مجنونة، إذ أخذ "مارجريت" -وهي إحدى بقرات المزرعة التي يعمل بها-، وعلق في رقبتها جرساً، ثم سار بها عبر المراعي المفتوحة التي لا تحتاج نقاط المراقبة فيها لأدنى جهد حتى ترصد من يعبرها؛ وطوال رحلته إلى الأراضي الفرنسية لم يشكّ أي جندي ألماني في أن صاحب البقرة سجين هارب؛ فما هو إلا عامل في إحدى المزارع القريبة يرعى بقرته، وإلا فلماذا لم ينزع الجرس من رقبة البقرة حتى لا يفتضح أمر هروبه؟! ولماذا لم يسلك طريقًا بعيدًا عن السهول المكشوفة؟! لكن الجرس والسهول المكشوفة لم تكن في الحقيقة إلا معلومات تعلن عن نفسها، وهذا النوع من المعلومات إن لم يكن مضللا فإنه لا يكاد يقول شيئا يساعد على الربط بين ما يعلن من قول أو من فعل وبين ما يراد بهذا وذاك!

الحكاية الثانية نلتقطها أيضًا من فرنسا؛ إذ يُحكى عن أحد ملوكها أنه غضب على واحد من أقربائه، فدفع به إلى زنزانة المعتقل انتظارًا لتنفيذ حكم الإعدام فيه، لكن لسبب غير مفهوم –ربما كان تهدئة الضمير- أراد الملك أن يقدم خدمة أخيرة لقريبه هذا بأن زارَه في زنزانته ليمكنه من الهروب، فدعاه لأن يفر بحياته، ووعده بشرفه أن بالزنزانة مهربا، وأنه لن يعترض طريقه، ولن يرسل وراءه من يطلبه إن هو وجد هذا المهرب خلال ثلاثة أيام –هي كل المهلة الممنوحة له قبل تنفيذ الحكم-! وعلى مدار هذه الأيام الثلاثة حاول السجين يائسًا العثور على طريق الخلاص داخل الزنزانة دون جدوى، وفي نهاية اليوم الثالث زاره الملك مرة أخرى، وأخذ يلوم قريبه لعدم اكتراثه بإنقاذ حياته كما كان يريد الملك نفسه، وهنا انفجر السجين صارخًا بأن الملك قد خدعه بادعائه وجود طريق للهروب من الزنزانة بعد أن فشلت كل محاولات البحث عنه، لكن الملك أجابه بهدوء الواثق من شرف كلمته بأنه كان بالزنزانة طوال الأيام الثلاثة طريق للهروب هو باب الزنزانة نفسه، الذي ظل بغير مغاليق وبغير حراسة، لكن السجين لم يفكر أبدًا طيلة أيام ثلاثة في أنه يمكن أن يكون بداية طريق النجاة، ثم صار الباب نفسه بانقضائها بداية الطريق إلى غرفة الإعدام!

نوعان من المعلومات إذن نقابلهما: نوع يعلن عن ذاته، ويكون في الغالب مضللاً، خاصة إن نحن أخذناه بمعزل عن غيره من عناصر منظومة المعلومات، أو تناولناه بمرجعية ذهنية سابقة التجهيز نخضع لوصايتها في رسم الأسهم على أرض المتاهة التي نجوب أروقتها، ونتجاهل الهمس الذي ربما كان أكثر دلالة لفهم واقع المتاهة "المتحرك" الذي لا يعترف -أو لم يعد يعترف- بمرجعية ثابتة مهما بلغ تمكنها من أرض الحاضر أو الماضي القريب؛ فخرائط المتاهة لها طبيعة "ناشئة" EMERGENT أشبه بعملية ولادة مستمرة ؛ ثم لدينا نوع آخر من المعلومات تجوب معنا المتاهة، معلومات لا تمسك بأجراس لتعلن عن وجودها، وتحتاج منا لتبصُّر واستجلاء لحقيقتها.

العولمة تتجاوز الأمركة والإمبريالية والرأسمالية

إن قضية العلاقة الجدلية بين "العولمة" و"المعلوماتية" إنما تحتاج إلى ضبط بعض المفاهيم والتصورات، وفكّ بعض الارتباطات القائمة في الأذهان؛ فأما "ليسات العولمة" فأظنها ثلاثة:

  •  أن لا تطابق بين ظاهرتيْ "العولمة" و"الأمركة"؛ فالأمركة عملية مستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولولا وجود مقاومة من قِبل التيارات التي تفضل السياسة الانعزالية لأمريكا دولياً داخل الولايات المتحدة لكانت "الأمركة" قد بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بل وربما قبل هذا التاريخ، منذ أن بدأت الولايات المتحدة تأخذ بزمام طرح المبادرات على مستوى السياسة الخارجية للعالم القديم (الصراع الروسي الياباني على سبيل المثال) فظاهرة "الأمركة" أقدم إذن من ظاهرة العولمة، وإن كان حديثي هذا لا ينفي أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد لقطار "العولمة" أن يكون قطارها، كما تريد أن تكون هي قاطرة هذا القطار، ولكن تفعيل الولايات المتحدة لظاهرة العولمة بما يتفق وتصوراتها شيء، والمطابقة بين الظاهرتين شيء آخر؛ لذا لزم التمييز.

  • أن لا تطابق بين ظاهرتي "العولمة" و"فرض الهيمنة الإمبريالية"؛ إذ يكثر الحديث، وتغزر الكتابات التي تربط بين ظاهرة العولمة وظاهرة الفتوحات وإقامة الإمبراطوريات، مثل فتوحات الإسكندر ونابليون، أو مثل الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية خلال القرن التاسع عشر! بيد أن هذه المطابقة بين "العولمة" و"الهيمنة" هي تخليط بين أمور لا يجوز التخليط بشأنها، وليس من شأن هذا التخليط –أو الخلط- إلا أن يكون مضللا للمجتمعات في جهودها نحو استيعاب الظاهرة والتفاعل الإيجابي معها؛ فلو افترضنا أن فاتحًا في التاريخ القديم كان قد نجح بالفعل في إخضاع العالم كله لهيمنته، ما كان فعله ليُنسب إلى "العولمة" بمفهومها الصحيح. ومرة أخرى فإن هذا الحديث لا ينفي حقيقة أن قوى استعمارية ذات توجهات إمبريالية إنما تريد بالفعل تشكيل الظاهرة بما يناسب أهدافها، لكن أكبر الخطر يكمن في أن تتشكل رؤانا نحن للظاهرة في إطار فلسفة رد الفعل؛ فنسارع إلى رفض الظاهرة بروح رفض الاستعمار والإمبريالية؛ إذ ربما صارت هذه المطابقة المتعسفة بين "العولمة" "والهيمنة" نبوءة توهَّمْناها -أو نجح الآخرون في إيهامنا بها-، وعلَّها إن استمر الوضع على ما هو عليه أن تسعى النبوءة جاهدة لتحقيق ذاتها SELF- FULFILLING PROPHECY!

  • أن لا تطابق بين "العولمة" و"توجهات الرأسمالية العالمية"؛ فلا يجوز اعتبار الظاهرة مجرد حقبة جديدة من حقب النمو الرأسمالي، وهذا الحديث –مثله مثل سابقيه- لا ينفي أن قوى الرأسمالية العالمية هي من أقوى العناصر الفاعلة –إن لم تكن أقواها على الإطلاق- التي تعمل على استدرار فوائد "العولمة"، بل وتوجيهها إلى التشكل بما يوائم المُثُل العليا للفلسفة الرأسمالية، ويجب ألا نغفل في هذا الشأن عن أن الأسواق الحرة هي أحد أهم أدوات تفعيل الظاهرة؛ لكن البون شاسعًا بين "الاقتصاد الحر" و"الاقتصاد الرأسمالي"، وإذا كان الخلط بينهما يحدث عمدًا وعفوًا في الأدبيات العلمية والتوجهات العملية؛ فإن التمييز بين كل هذه الأمور يبقى واجبًا إن أردنا فهم الظاهرة فهمًا رصينا وهادئًا.

    المعلوماتية وإستراتيجية النحل

    وأما تعريف المعلوماتية -بما ليس منها- فأبعاده بدورها ثلاثة هي:

  • أن لا تطابق بين عصر المعلومات وعصر الحاسبات؛ فالحاسبات قد تكون أداة تفعيل لعصر المعلومات، وقد تكون شرطًا ضروريًا للحاق به، لكنها ليست شرطًا كافيًا، بل لعلها لا تكون الشرط الأهم في بناء مجتمع قائم على المعلومات INFORMTION-BASED SOCIETY فأول المجتمعات القائمة على المعلومات هي مستعمرات النمل، وإذا كنا في بلادنا ندرس دورة حياة الحشرات لتخريج مدرسين يعلمون الأجيال التالية دورة حياة الحشرات، حتى ليوشك العلم بدورة الحياة هذه أن يكون هدفًا نهتم به لذاته، فإن العالم المتقدم إنما يدرس سلوك الحشرات من أجل الوصول إلى فهم أعمق لقوانين الحياة وحقائق الوجود، وفي إطار هذه الرؤية تعلم الغرب من دراسة بنيان مستعمرات النمل وخلايا النحل كثيرا؛ وهو ما مكّن العلماء من تأسيس بِنية تحتية –مادية ومعنوية- سمحت فيما بعد بإحداث ثورة المعلومات؛ فغير صحيح -مثلا- أن لمستعمرات النمل أو خلايا النحل ملكة، وإنما هي إسقاطات يستوحيها الإنسان من واقعه، ويفرضها على واقع مجتمعات أخرى لا شأن لها بمقاييسه ورؤاه الاجتماعية، وإنما ما ندعوها بـ (الملكة) هي مجرد أنثي وظيفتها -مثل وظيفة الذكور- ضمان استمرارية النوع. أما الذي يحكم مستعمرة الحشرات فعلياً فهي المفردات التي نراها بفعل تصوراتنا الاجتماعية تكون فئة "الشغالات"؛ فبتأثير التفاعل بين مفردات هذه الفئة وحدها تنتظم مستعمرات الحشرات ذاتيًا، وآلية ذلك ليست الأوامر التي تصدرها "الملكة"، وإنما تدفق المعلومات بين "الشغالات"، وهو التدفق المسئول وحده عن "نشوء" أو "بزوغ" EMERGENCE واقع المستعمرة بما فيه "تنصيب الملكة" نفسه!.

  • ومستعمرة النمل أو خلية النحل هي مثال حي لمجتمعات تقوم على المعلومات، دون أن تمتلك أسباب تكنولوجيا الحاسبات، ونحسبنا بحاجة ماسَّة للتمييز بين "مجتمع المعلومات" و"مجتمع تكنولوجيا المعلومات" فهذا الأخير هو المسئول ليس عن تحقيق "ثورة المعلومات"، وإنما فقط عن تمكين مفردات المجتمع من "أدوات" -لا من "آليات"- تدفق المعلومات، التي تصنع -كما في حالة مستعمرات النمل- مجتمعًا قائمًا على المعلومات.

  • أن لا تطابق بين تدفق المعلومات ووفرتها؛ فوفرة المعلومات ليست سمة ضرورية لمجتمع المعلومات، وهي إن حدثت لا تصنع بالضرورة مجتمعًا قائمًا على المعلومات، وإنما قد تصنع مجتمعًا تائهاً –بل ومشلولاً- تكتظُّ قنوات اتصاله بالمعلومات كما تكتظُّ الشوارع بالسيارات، ومن ثَم فمن الضروري لأي مجتمع يسعى للحاق بعصر المعلومات أن يُنشئ آليات ترشيح للمعلومات، بما يسمح للمؤثر منها بأن يكون فاعلاً، ويكبح ما هو مضلل منها –حتى وإن كان صاحب الأجراس الرنانة- فلا يحدث ارتباك مروري يعطل شبكة تدفق المعلومات في المجتمع، غير أنه من الضروري التمييز بين آليات الترشيح FILTERING وآليات الرقابة CENSORSHIP؛ فالأولى أداة دعم صحية لتفعيل طاقات المجتمع، في حين أن الثانية هي أداة تعطيل وإهدار لها.

  • أن لا تطابق بين آليات تدفق المعلومات وآليات تراكمها؛ فالمفاهيم الخطيَّة التي ترى التقدم مرهونًا بقدرة المجتمع على تفعيل قدرة الأفراد والمؤسسات على التراكم الخطي للمعلومات هي –تحديداً- الآليات التي من شأنها نسف قدرة المجتمع على التحول إلى عصر المعلومات، وإنما يكتسب المجتمع هذه القدرة من قدرة عناصره على الاستقبال والبثّ الحر للمعلومات، وهي حرية تفقدها عناصر المجتمع إن هي جعلت من مهارة القدرة على إحداث تراكم خطي للمعلومات مرجعية لها في تشكيل بنية معلوماتها.

الدولة بين المعلوماتية والعولمة

المجتمع القائم على المعلومات هو مجتمع ينتقل تنظيمه من اعتماد آليات تدفق الأوامر إلى آليات تدفق المعلومات، ويكون هذا التدفق المستمر للمعلومات هو آلية الانتظام الذاتي للمجتمع، ولا بد للمجتمع والحال هذه -كما هي الحال في مستعمرات النمل- من اعتماد التنظيم الشبكي لمفردات المجتمع لا التنظيم الهرمي لها، ومن ثَم فإن البشرية بانتقالها إلى عصر المعلومات تكون قد أحدثت ثورة حقيقية في تاريخها؛ إذ انتقلت البشرية في الثورة الأولى من العصور القبلية –حيث الفردية المفرطة في استمساكها بالحرية التي لا ترتبط بمركز، وتتمرد دائمًا على التنظيمات الهرمية الموسعة- إلى عصر الدولة المركزية. وهاهي البشرية تنتقل الآن من عصر هذه الدولة المركزية إلى عصر آخر لدولة لا هي مركزية تهدر الحرية الفردية لصالح وجوبيات التنظيم الاجتماعي كما تراها السلطة، ولا هي مجتمع فردي يهدر فكرة المجتمع لصالح وجوبيات الحرية الفردية، وإنما هو مفهوم جديد للدولة يرى أن آليات التنظيم الهرمي إنما تنسحب لصالح آليات التنظيم الشبكي، وأن سلطة إصدار الأوامر تنسحب بالتبعية لصالح حركة تدفق المعلومات، وأن آليات تدفق المعلومات هذه هي التي تمنح المجتمع قدرة انتظامه الذاتي.

هذه الفكرة الجديدة لشكل الدولة تُثير كثيرًا من القضايا على كافة الأصعدة، وقد تبدو للوهلة الأولى تحايلا تريد به بعض القوى تدمير قواعد الدولة المركزية، بيد أننا بحاجة لفهم أعمق للفكرة بعيدا عن الإضافات الأيدولوجية التي لا ننكر وجودها؛ فالفكرة أساسها العلمي هو في محاكاة عمل المخ الإنساني؛ إذ يعمل المخ عبر تدفق المعلومات بين عدد هائل من العقد العصبية NEUROS التي تنتظم في طبقاتLAYERS فتحادث كل عقدة عصبية –عبر تدفق المعلومات- عدداً هائلاً من العُقد العصبية الأخرى عبر طبقات انتظام هذه العقد العصبية، ولا يكون إدراك الإنسان لما يحيط به أو توليده للأفكار إلا أثراً ناشئا عن هذه التفاعلات بين العقد العصبية، وليس فعلا أصيلا لعقدة بعينها بمعزل عن آليات تدفق المعلومات داخل المخ البشري.

وبالمماثلة نشأت فكرة المناظرة بين عمل المخ البشري وعمل المجتمع الذي يمثل أفراده وتنظيماته المختلفة العقد العصبية للمجتمع، كما تمثل طبقاته الطبقات التي تنتظم فيها هذا العقد! ومن ثَم نشأت فكرة العقل الكوكبي GLOBAL BRAIN الذي يدرك واقعه، ويبتكر جديد أفكاره من جملة تفاعلات بسيطة قد تبدو تافهة على المستوى الموضعيLOCAL لمفردات المجتمع الإنساني، لكن هذه التفاعلات الحرة البسيطة هي التي تنشئ في مجموعها الإدراك والتفكير، وتبلور الرؤى على المستوى الكليGLOBAL المعقد بعيدا عن إدراك وتفكير ورؤى مفردات المجتمع البسيطة.

هكذا وُلدت فكرة العولمةGLOBALISM التي تفترض أن المجتمع الإنساني قادر مثل مجتمع الخلايا العصبية على الانتظام الذاتي إذا ما تُرك لآليات تدفق المعلومات وحدها أن تحكم البشر، وأن ناتج هذا التفاعل عبر شبكة المعلومات قادر على أن يُنشئ إدراكاً جديداً للمجتمع الإنساني وابتكار أفكار جديدة للتعامل مع طرقاته ودهاليزه.

هل يعني حديثنا هذا أن تختفي الدولة تدريجياً بانتقال العالم من نظم تدفق الأوامر التي تمليها السلطة إلى نظم جديدة تعتمد تدفق المعلومات لتحقيق الانتظام الذاتي للمجتمع؟

الإجابة على هذا السؤال أحسبها بالنفي؛ فالدولة لن تختفي -كما يروج البعض لهذا-، وإنما ستنكمش حجماً، وتتحول كيفاً -على الأرجح- من بنيان هرمي كتلي إلى هُريم قوي فاعل يعمل كعقدة من عقد التفاعل الشبكي، وكفاءة هريم الدولة هذا في بثّ واستقبال المعلومات هي ما سيحكم في النهاية مبررات وجود أو اختفاء هذه الدولة أو تلك، وما زِلنا نحتاج إلى دراسة علمية تواكب انتقال الدول إلى طور جديد من أطوارها بمفاهيم جديدة ونمط جديد من أنماط التفكير، وقد يكون هذا الفكر الجديد –لطبيعة ما يستهدف فهمه- فكراً جوالاً يبحث عما هو خافٍ أو متخفٍ أكثر من بحثه عما هو ظاهر يثبت إعلانه عن نفسه بصوت عالٍ.

الجنوب القوي .. تغير الإدراك مفتاح النهضة

على أن فكرة العولمة هذه تفترض في أساسها أن لا رؤية كلية تقود هذا العقل الكوكبي، الذي تبدو قنوات الاتصال فيه متاهة تستعصي على راسمي الخرائط؛ كما نفترض أن عملية التفاعل بين عُقد هذا العقل الكوكبي هي القادرة وحدها على إفراز نمط الإدراك ونمط الفكر الذي ينتجه؛ وهو ما يعيدنا إلى حديث باب "الزنزانة" و"الجرس في رقبة البقرة"، فما العولمة إلا باب زنزانة نخشى أن تقودنا إلى غرفة الإعدام، وهي تقودنا بالفعل إلى هذه الغرفة إن نحن فشلنا في استثمار الإمكانات المتاحة، وفشلنا في استثمار الزمن الذي يتيحه لنا أمد انتقال الآليات وتشكلها، كما قد تقودنا إلى الخلاص إن نحن أحْسَنَّا تقدير الموقف في الوقت المناسب بما يتفق وما نريد نحن.

وفكرة عدم خضوع العقل الكوكبي لخطة كلية تقوده هي بعينها الفكرة التي تجعل الولايات المتحدة نفسها تخشى العولمة، على الرغم من تحمسها لاستدراج العالم إليها؛ فكل ما يصدر عنها من كتب وإشارات لفوكوياما أو هنتينجتون أو فريدمان أو غيرهم إن هي إلا أجراس يعلقونها في رقاب الأبقار؛ فيتوّهم الآخر شيئا، وتخفي عنه أشياء لا تريد لها أدوات التوجيه والإرشاد التاريخي غرب الأطلسي أن تنكشف قبل اكتمال رحلة عبور الولايات المتحدة إلى العصر الجديد بالشكل الذي تريده هي في ظل عدم قدرتها على التحكم في العقل الكوكبي، إذا حدث وأدركت مكوناته (بقية العالم) قواعد اللعبة اللاسلطوية، كما تدركها الولايات المتحدة نفسها!

فقواعد اللعبة تقول: إنه حين تُقَوَّم الأمور بتدفق الأوامر فإن صاحب الورقة المادية يصبح هو الأقدر على فرض سيطرته، وفي مثل هذه الأحوال تكون قوة دولية كالولايات المتحدة هي القوة العظمي القادرة على التحكم في مسار التاريخ.

أما إذا انتظم العالم بفعل تدفق المعلومات -لا الأوامر- فإن صاحب القوة المعنوية يصبح هو الأقدر على فرض هذه السيطرة، ومن ثَم تفقد بلاد كالولايات المتحدة الأمريكية قدرا لا يُستهان به من قدرة التأثير؛ وهو ما يجعلها في حالة توجُّس من قدرة دول الجنوب صاحبة الرصيد المعنوي الضخم على توظيف التوازن الجديد لصالح الجنوب على حساب الشمال. وهذا هو ما يفسر التوجهات الأمريكية التي تستهدف احتواء الثقافات التقليدية للحضارات التاريخية، ويعطي مساحة من المنطق لتسويق نظريات "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات" و"إدارة الظهر لأشجار الزيتون" و"السعي إلى ثقافة سيارة الليكزاس" التي يحتكر العالم المتقدم -أو يكاد- رصيد معلوماتها.

دول الجنوب من جانبها ما زالت حتى هذه اللحظة تتعامل مع العولمة بمنطق منظومة تدفق الأوامر؛ وهو ما يجعلها تخشى اكتساح القيم الاستعمارية لقِيَم الاستقلال التي تأسست مع حركات التحرر في منتصف القرن العشرين، ومن ثَمّ فإنها لا ترى العولمة كظاهرة موضوعية، وإنما تراها نموذجاً يُفرض عليها من أعلى، وهي قد تكون كذلك بالفعل فقط إن نحن حصرناها في تصورات الإدارة الأمريكية، وفي صياغات الرأسمالية العالمية، وإن نحن سلمنا بعدم قدرة دول الجنوب على إعادة ترتيب أوراقها وبعدم وعيها ابتداءً بآليات العولمة القائمة على تفعيل قنوات الاتصال ونقل المعلومات، ليس فقط من حيث هي كيانات تكنولوجية مادية HARDWARE، وإنما -وهذا هو الأكثر أهمية- من حيث انتفاع دول الجنوب من أرصدتها الحضارية التي تتمتع فيها بميزة نسبية مقارنة بالأرصدة المادية التي قد يكون للغرب فيها هذه الميزة.

الانتقال إلى عصر المعلومات يحتاج إذن إلى فكر جديد، وإلى عقلية مختلفة عن تلك التي كانت تخوض بها دول الجنوب معارك الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الميلادي؛ فلا يمكن أن نخوض معارك عصر المعلومات بإقامة مشاريع بِنية تحتية عملاقة اعتماداً على دراسات –مهما بلغت جديتها- تمت قبل أربعين عاماً مضت، متجاهلين كل ما أفرزته الأربعون سنة تلك من معلومات ثبت أن عدم أخذها في الاعتبار آنذاك كان خطأً جسيماً، ولو أننا نظرنا للعالم من حولنا لوجدنا كيانات اقتصادية ومالية ضخمة تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات دون أن تكون لها أصول مادية تبرر هذه القيمة! وإنما تكتسب مؤسسات الاقتصاد الجديد قيمتها من بنيتها الوثارية SOFTWARE ، وهي البِنية التي يجب على دول الجنوب الاهتمام بها؛ نظراً لتعاظم قيمتها المضافة مقارنة بالاستثمار التقليدي في مجال الزراعة واستصلاح الأراضي، أو حتى في مجال الصناعة الثقيلة التي لا تتمتع فيها بأية مزايا نسبية، مع الأخذ في الاعتبار أن إنشاء هذه البنية التحتية الوثارية ليست شأناً هندسياً، وإنما هي شأن مجتمعي محوره الأساسي قدرة المجتمع على إحداث تغيير إيجابي في بنيته الفكرية والتنظيمية.

رؤية متجددة للتاريخ

هذه البنية التحتية الوثارية التي يتطلبها التفاعل مع الجانب الموضوعي من ظاهرة العولمة، ويقتضيها اكتساب قدرة التعامل مع معطيات عصر المعلومات لا يمكنها أن تقوم على فكر خطي، كالذي قامت عليه التجارب التخطيطية القديمة، وإنما هي تقوم باعتماد فكر غير خطي يقوم بدوره على مبادئ كتلك التي تقوم عليها -مثالا لا حصرا- نظرية "الهيول" CHAOS THEORY ، وعلى مفاهيم غير تقليدية كمفهوم "أثر الفراشة" BUTTERFLY EFFECT الذي يرى أن فراشة ترفرف بجناحيْها فوق غابات الأمازون يمكنها أن تُحدث بفعل التداعيات غير الخطية لحركة الجناحين إعصارا يدمر الشاطئ الشرقي للصين؛ وهذا النوع من الفكر إنما يقوم على مبدأين حاكمين:

أولهما: مبدأ حساسية التاريخ بالمفهوم الواسع لكلمة التاريخ؛ أي للشروط التي تحكم بدايات الأحداث قبل تسلسلها؛ فأي تغيير في هذه الشروط الأولية -مهما كانت ضآلته- يمكنه أن يؤثر تأثيرا غير محدود على تداعيات الأحداث، ومن ثَم على الناتج المرحلي لرحلة التاريخ.

وثانيهما: وهو الأكثر خطورة، وهو عدم القدرة على التنبؤ والاستشراف؛ إذ حتى لو تطابقت الشروط التي تحكم بدايات العمليات التاريخية فإنه لا شيء يضمن أن تتخذ رحلات التاريخ نفس المسار؛ ومن ثَم فلو عادت بنا الأيام إلى الوراء قرناً أو بعض قرن فلا شيء يضمن أن تنتهي رحلة التاريخ المعادة إلى محطتها التي نقف عليها الآن، وهو مبدأ يتناقض مع ما يُثار من ادعاءات بنهاية التاريخ والوصول للمحطة الأخيرة؛ فالتاريخ لا يحكمه مبدأ "رحلة لمحطة وصول"؛ فمحطة الوصول هذه دائمة الانتقال والتغير بتغير المعطيات؛ لذا فإن الرحلة بدورها لا تبدو لنا فيها نقطة نهاية، بل حلزون تاريخي قد يذكرنا بجوهر فلسفة هيجل المتجاوزة للمادية السببية الصلبة وفكرة التقدم الحداثية الخطية.

وما زال الفكر الخطي الذي يفترض علاقة تناسب حتمية بين المدخلات والمخرجات، وبين الأسباب والنتائج - هو الفكر الحاكم لدول الجنوب في تعاملها مع الجانب الموضوعي من ظاهرة العولمة، وهو فكر يبرر-بطبيعة رؤاه وتصوراته الحاكمة لحركة التاريخ- الحالة السائدة من الشعور بالعجز، والإخفاق في توظيف آليات عصر المعلومات لمواجهة تحديات العولمة. وربما آنَ الأوان لدول الجنوب أن تنشط في تغيير أنماط الرؤى الخطية التي تعتمدها، والأخذ بمبادئ فكرية جديدة تمكنها من تصور كيف ينجح العقل الإنساني من خلال جملة تفاعلات بسيطة بين عُقد عصبية تتدفق بينها المعلومات - أن يصل إلى ما يمتلكه هذا العقل من قوة، على الرغم من أن هذه التفاعلات الموضعية إنما تتضاءل في قيمتها حتى لتكاد كل منها منفردة أن تكون بلا قيمة تُذكر، وكيف أن تغييرا طفيفا في بِنية هذا العقل من حيث عدد العقد العصبية أو من حيث الوزن الذي تمنحه هذه العقد لخطوط خريطة تدفق المعلومات قد يكون من شأنه إحداث تغييرات كبيرة -إيجابية أو سلبية- على أداء هذا العقل، أو لعله ماضٍ في طريقه لا ينتظر أحدا، وإنما على كلٍّ أن يجتهد في فهم هذه القوانين لما فيه صالحه، حتى وإن لم تكن لديه قدرة التنبؤ بما سيكون عليه شكل هذا العالم إن تشكّل وفق قوانينه الموضوعية، لا وفق ما يريد له هذا الطرف أو ذاك أن يكون.


*مستخلص من مقال/محاضرة للكاتب:

د/سيف الدين عبد الفتاح ود/حسن نافعة، العولمة: محاضرات الموسم الثقافي لقسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة 1999-2000،القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،2000.

تم النشر بالاتفاق /حقوق الطبع محفوظة

 


 مفاهيم ومصطلحات

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع