|
مع
كل عملية اغتيال تنفذها قوات
الاحتلال الإسرائيلي بحق القادة
الميدانيين والسياسيين الفلسطينيين
يدور الجدل في الشارع الفلسطيني وفي
أوساط القوى الوطنية والإسلامية حول
ضرورة أن تعمل السلطة الفلسطينية
بشكل جاد لملاحقة العملاء، وفتح هذا
الملف على مصراعيه بعد أن عاث هؤلاء
العملاء فسادا وكانوا الأداة التي
يضرب بها الاحتلال. فالأمر لم يقف
عند حدِّ الوشاية أو زرع العبوات
الناسفة التي تودي بحياة المناضلين،
إنما كاد هؤلاء العملاء أن يحدثوا
فتنة داخلية يقتل فيها الفلسطيني
الفلسطيني، وهذا ما حدث في مطلع
الشهر الجاري في مدينة رفح لولا
تدخل العقلاء وتطويق الأزمة.
لكن
يبقى السؤال: كيف سقط هؤلاء العملاء
في براثن المخابرات الإسرائيلية؟
وما الدوافع التي أسقطتهم في وحل
العمالة؟ وهل من سبيل للتخلص من هذه
الظاهرة؟
ففي
دراسة أمنية أجريت على عدد من
العملاء قام بها أحد الباحثين
الفلسطينيين تَبين أن الحاجة
والعوامل الاقتصادية المرتبطة
بقيود التبعية للاقتصاد الإسرائيلي
تعتبر أكثر العوامل والمتغيرات
ارتباطا بظاهرة التعامل مع الاحتلال
الإسرائيلي.
ودعا
الباحث إلى ضرورة السعي الحثيث من
أجل فك الارتباط الاقتصادي بين
الفلسطينيين وإسرائيل، وإنشاء
مؤسسات لإعادة تأهيل العملاء
اجتماعيا ونفسيا.
وأظهرت
الدراسة التي أجريت على 60 عميلا في
قطاع غزة من داخل سجون السلطة
الفلسطينية وخارجها أن عامل
الرفاهية الاقتصادية والكفاف
الاقتصادي احتلا أدنى العوامل بنسبة
37% و48% على التوالي، فيما احتلت عوامل
إدراك الذات نسبة 56%، وجاءت العلاقات
الاجتماعية بنسبة 64% كأعلى نسبة بين
العوامل الأخرى، مثل: الانتماء
الأسري، والتوافق الاجتماعي،
والعلاقات الوالدية والأسرية.
وأكد
الباحث خضر عباس في دراسته التي حملت
عنوان "دراسة بعض المتغيرات
المرتبطة بظاهرة التعامل مع
الاحتلال الإسرائيلي"، ونال بها
درجة الماجستير من قسم علم النفس
بالجامعة الإسلامية بغزة.. أن العامل
الاقتصادي هو الوسيلة الأهم التي
يحاول من خلالها جهاز المخابرات
الإسرائيلي تجنيد العملاء
والمتعاونين، وذلك عبر ابتزاز
العمال بواسطة تصاريح العمل داخل
إسرائيل ومساومتهم على لقمة العيش
وممارسة شتى وسائل الضغط عليهم.
ابتزاز
ومساومة
وعزا
الباحث عباس، الذي يعمل في أحد
الأجهزة الأمنية الفلسطينية، أسباب
استغلال المخابرات الإسرائيلية
للعامل الاقتصادي.. إلى أن الاقتصاد
الفلسطيني ينقاد حاليا لإسرائيل،
فضلا عن كونه اقتصادا استهلاكيا غير
إنتاجي في ظل ارتفاع نسبة البطالة
لدى عدد كبير من العمال؛ الأمر الذي
يدفعهم إلى البحث عن رزقهم داخل الخط
الأخضر.
وأشار
إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استطاع
استثمار الوضع الاقتصادي المأساوي
الفلسطيني لربط كثير من المواطنين
بأجهزته الاستخبارية مقابل منحهم
تصاريح عمل.
وأوضح
أن الحاجة إلى تصاريح وتعقيدات
الدخول إلى داخل الكيان العبري تجعل
العمال عرضة للابتزاز والمساومة
والارتباط مع الاحتلال، مشيرا إلى
أن المخابرات الإسرائيلية تمد
أذرعها الأخطبوطية في كل مكان من أجل
اقتناص ضحاياها لخدمة أهدافها
ومآربها الاستعمارية.
وأضاف
أن درجة تأثير المحتل تتوقف على مدى
الاحتكاك اليومي والعلاقات
المتشابكة بين الناس ومصالحهم وبين
الاحتلال.
وتؤكد
الدراسة الأمنية أنه لم يسجل في
تاريخ فلسطين أن تعامل أحد
المواطنين على أساس أيديولوجي أو
مذهبي مع الصهاينة؛ الأمر الذي يعني
أن هذه الظاهرة لم تتجذر روحيا
ووجدانيا وعقليا لدى الجماهير،
بدليل فشل المخابرات الصهيونية في
إنشاء ما عُرف بروابط القرى وحملات
المقاومة؛ لكشف المتورطين مع أجهزة
الأمن الصهيونية التي أخفقت في خلق
حكام محليين يتعاونون معها، كما حدث
في أوروبا إبان الغزو النازي لها،
كما فشِلت في خلق أحزاب ومؤسسات
مدنية أو طبقات اجتماعية تخدُم
مصالحها كما فعلت بريطانيا في
فلسطين سابقا.
عقلية
جاسوسية
ويرى
الباحث عباس أن دور الصهاينة في
عمليات التجسس والعمالة يعتبر موضوع
الافتخار الأكبر لهم؛ حيث ينسبون
لأنفسهم أنهم أول من نظم عمليات
التجسس الناجحة في التاريخ منذ دخول
مدينة أريحا، مرورا بتاريخهم الطويل
في خدمة الأنظمة التي عاشوا فيها
بممارسة أعمال التجسس لصالح الحاكم
ضد أبناء بلده تحت ذريعة حماية النفس
والذات.
ويوضح
أن عمليات التجسس على الدول العربية
لم تتوقف حتى الآن رغم اتفاقيات
السلام التي وقعتها إسرائيل مع بعض
الحكومات العربية، مشيرا إلى أن
إنشاء الجهاز الاستخباري كان أول
عمل فكر فيه قادة الكيان العبري منذ
إعلانه عام 48، وتزايد بعد احتلال
باقي فلسطين عام 67.
وينتقل
الباحث للحديث عن حجم ظاهرة التعامل
مع الاحتلال في فلسطين، مشيرا إلى أن
أجهزة الاستخبارات الصهيونية جندت
منذ عام 67 عشرات الآلاف من
الفلسطينيين للعمل كمتعاونين معها،
وذلك انطلاقا من استغلالها اعتماد
الفلسطينيين الكبير على الخدمات
التي تقدمها الإدارات الإسرائيلية؛
حيث عملت عدة أجهزة لإجبار
الفلسطينيين على التعامل معها، علما
بأن أهم هؤلاء المجندين كانوا
بواسطة الشاباك والإدارة المدنية
والشرطة ويعملون بصورة سرية أو
علنية.
وتوقف
الباحث مليًّا عند حجم المتعاونين
والعملاء، الذي يحمل في طياته
التناقض والغموض، باعتبار أن
الاحتلال هو الجهة الوحيدة التي
تستطيع أن تعطي الرقم الحقيقي لهذه
الظاهرة لأنه المسبب الأساس لها.
الحرب
النفسية
وتناولت
الدراسة أهم المتغيرات والعوامل
المؤثرة في الانحراف والجريمة، وهي
المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية
والتعليمية والنفسية، مشيرا إلى أن
الاحتلال على مدى عشرات السنين سخّر
كافة إمكاناته الذاتية والمادية
والإعلامية لسلخ المواطن الفلسطيني
عن دينه ووطنه ومجتمعه.. وحتى عن
ذاته، وذلك عبر استغلال وسائل
الدعاية، وبثّ الإشاعات المغرضة من
أجل خلق الأزمات النفسية التي
تساعده على تحقيق مآربه التجسسية
الاحتلالية التي تتجسد بشكل جلي في
الحرب النفسية المستعرة ضد
الفلسطينيين.
ويمضي
الباحث عباس قائلا: شكّل العملاء في
العقل الفلسطيني جزءا لا يتجزأ من
الكبت والقلق والإحباط المتولد
باعتبارهم من سياسة الاحتلال
القهرية، بل هم من أخطر أدواته لقمع
وكبت مشاعر الجماهير الوطنية.
وينقل
الباحث جزءا من مقابلة منظمة
بيتسيلم لحقوق الإنسان مع أحد
العملاء الهاربين ويُدعى أبو الفهد
34 عاما ويعيش حاليا في يافا المحتلة،
في توضيحه للأسباب التي جعلته يصبح
مخبرًا لجهاز الأمن العام، فيقول:
كنت شابا وكنت مأخوذا بفكرة أن أصبح
ذا قوة ومركز، وأن أجمع مالا بشكل
سهل وسريع، وأحببت أن أتجول حاملا
سلاحا مخيفا، وأن أمرَّ عبر الحواجز
والطرق المقفلة من قِبل الجيش
الإسرائيلي بدون مشاكل، وأعمل
بتقديم الخدمات خاصة استصدار
التصاريح.
وفي
موضع آخر مرتبط بهذه المتغيرات يذكر
العميلة للمخابرات الإسرائيلية
أمينة المغني من الأردن، الحاصلة
على الدكتوراه في علم النفس؛ حيث
ارتبطت من خلال عاطفة الحقد والكره
إثر تصفية مستشفاها، فضمرت في نفسها
حقدا دفينا لوزير الصحة، سافرت به
إلى النمسا، وتعرفت هناك على طيار
نمساوي يهودي سرعان ما تزوجت به،
وكانت بداية وقوعها فريسة في أيدي
المخابرات الإسرائيلية.
واتضح
للباحث أن العملاء داخل الأرض
الفلسطينية المحتلة كانت ثقتهم
بأنفسهم ضعيفة، وكان إدراكهم لذاتهم
سلبيا، وثقتهم بالآخرين مهزوزة، وهو
ما سهّل على ضباط مخابرات الاحتلال
مهماتهم، علاوة على استخدام
الاحتلال لسياسة الردع النفسي
للمواطنين، وهي تعتمد على العقاب
الجماعي أو إظهار العقاب الفردي
القاسي لإخافة الآخرين، مثل عمليات
القتل والاغتيال والإبعاد
والاعتقال والمقابلات والتعذيب
وحظر التجول وغيرها.
أنقذوا
المجتمع
وعن
تصوراته المقترحة لإصلاح الأضرار
الناجمة عن فداحة وخطورة هذه
الظاهرة في المجتمع الفلسطيني دعا
الباحث إلى رفع المعاناة اليومية عن
كامل العمال، وذلك بفتح مراكز عمل
تخلصهم من عمليات الابتزاز
والمساومة في أرزاقهم.
وأوصى
باستيعاب أهالي العملاء المعدومين
أو الأحياء أو الهاربين والعمل على
دمجهم بشكل صحي في المجتمع،
واعتبارهم ضحايا ممارسات الاحتلال
وأعوانه، ومنح ذوي العملاء الثقة
بالنفس خوفا من استغلال الاحتلال
لمشاعرهم.
وشدد
الباحث على ضرورة التعامل بحزم مع من
يستمر بتعامله مع الاحتلال حتى بعد
قدوم السلطة الوطنية مع إنزال أقصى
العقوبات بحقّ من تثبت إدانته بذلك.
ونبّه
الجهات الأمنية إلى مراجعة كافة
الملفات الأمنية السابقة، وعدم
التعامل معها كمسلّمات والعمل على
تنقيحها بشكل علمي ومدروس.
إقرأ
أيضا:
|