|
عندما
ووري جثمان المجاهد أحمد ياسين
وتزاحمت الجماهير تندد بالجريمة
وتوسعت وسائل الإعلام في تغطية
الحدث الجلل، سألتني طفلتي
الصغيرة سؤالا كان لي بمثابة
الصدمة، قالت: من هو أحمد ياسين؟
عندها شرحت لها وزوجتي طرفا من
حياة ذلك البطل الذي يندر وجوده في
كثير من الأمم ولكن استبدت بي في
هذه الأثناء حالة من التفكير
العميق.. وقلت لنفسي: لماذا لم أشعر
بكل هذه العظمة والرجل بين
ظهرانينا؟ لماذا تغيب عنا عظمة
الرجال وهم أحياء؟ لماذا نغمط
العظماء حقوقهم، صحيح أننا كنا
نستشعر عظمة الرجل في حياته ولكنه
استشعار عام يحمل الكثير من
الغفلة عن التدبر العميق في جوانب
العظمة، وكأني وأنا أسرد لصغيرتي
ملامح من حياة الشيخ وجهاده أشعر
بعميق الحزن ينساب إلى نفسي التي
يتدافع إليها السؤال تلو السؤال
متبوعا بلوم وممزوجا بأسى: لماذا
لم أكلف نفسي أن أقص على ابنتي هذا
القصص والرجل بين أحياء الأرض؟
ولماذا لم أتدبر ملامح هذه العظمة
وملحمة المسيرة ماثلة للعيان.
ولكن
مع قليل من التفكير اكتشفت أننا
نعجز أحيانا وربما كثيرا عن إدراك
عظمة الرجال أثناء حياتهم ولكننا
أيضا نستمر في هذه الغفلة -وبالقدر
نفسه- بعد مماتهم.. فما إن تمر
الأيام حتى تتراجع سيرة ياسين كما
تراجعت سير غيره من العظماء
والنبلاء الذين تحسدنا عليهم
الأمم وإن اختلفوا معهم في الرؤية
والمنطلق.
وتساءلت:
لماذا لا نورث أبناءنا والأجيال
القادمة هذه السير النبيلة؟ لماذا
نهيل التراب على أعز ما نملك من
ثروات لتغوص في بحر النسيان
وتندرس في لجج الحياة ودواماتها؟
هل نعجز كأمة عن إحياء سير العظماء
من خلال تخليد ذكراهم في أفلام
سينمائية أو مسلسلات تليفزيونية
لتملأ فراغا في خريطة البرامج
التي تكتظ بالتفاهات؟ هل نحن
بحاجة إلى أن تمتد إلينا يد
أعدائنا لتسطر تاريخ أبطالنا؟ هل
نحن بحاجة إلى مزيد من الانتظار
حتى تقوم وسائل الإعلام المتناثرة
هنا وهناك لتطمس معالم البناء
تشوه الصروح الشامخة ثم نسكب
بعدها دموع الندم ونكتفي عندها
بشجب هنا وإدانة هناك ونصب حينها
جام الغضب على غيرنا الذي شوه
وأفسد؟
إننا
بحاجة إلى مشروع فاعل نترجم من
خلاله حياة عظمائنا الذين عاشوا
بين ظهرانينا وعاصروا واقعنا
ولكنهم قرروا ألا يكونوا أمثالنا،
بحاجة إلى مستهدفات واضحة وخطط
رشيدة تتبعها وتتوازى معها جهود
كبيرة لتوريث الأجيال القادمة
ملامح العظمة في تاريخهم بدلا من
الاكتفاء باجترار الأحزان ومصمصة
الشفاه، وبدلا من الوقوف عند حدود
الواقع المرير الذي نحياه ونعيشه..
ولتكن البداية أن ترتفع الأصوات
التي تطالب بدعم مشروع وطني
لصناعة "سينما العظماء"
الذين يجسدون قيم أمتنا وثقافتها
واقعا حيا وحياة معاشة، إنها
السينما التي تشتد إليها الحاجة
في زمن تتوارى فيه القيم وتتراجع
فيه القدوات.
إننا
بحاجة إلى دراسات معمقة ومستفيضة
في أساليب الاستفادة من الكنوز
التي حبانا الله إياها والتعرف
على الوسائل المثلى لنقل عطاءاتهم
وجهودهم إلى الأجيال الجديدة حتى
يصل إليها ميراثنا من القيم التي
امتزجت مع حركة الحياة كل الحياة..
لتصل إلى الناس كل الناس "ليقوم
الناس بالقسط"
|