|
كثيرون
سيقولون الكلام الكبير عن الشهيد
بل كثيرون جدا.. وهو جدير بذلك بل إن
هذا الكلام الكبير الذي سيقال عن
تضحياته وجهاده وعلمه ودأبه وصبره
وإرادته.. لن يوفي الشهيد حقه.
أول
ما علمت الخبر قلت: طبيعي جدا.. رجل
مثل هذا كيف لا يموت شهيدا.. من
سيختار الله من الناس ويصطفيهم إن
لم يختر رجلا كهذا -فيما نعلم- ويشاء
الله أن يختاره بعد أن يكون في ذمته
أي بعد أدائه لصلاة الفجر.
قصتي
مع الشيخ أحمد ياسين ببساطة.. أن لي
صديقا فلسطينيا من غزة كنا نتحاور
عبر النت يوما فجاءت سيرة الشيخ
أحمد فتكلمت عن حبي له.. فقال لي ما
رأيك أنني أقابله كثيرا.. كانت
مفاجأة بالنسبة لي.. أحسست فورا
بزيادة الحب والاحترام لصديقي هذا.
انتقلت
بمجرد معرفتي بهذه المعلومة من
صديقي الذي أمازحه وأضاحكه إلى
قيمة كبيرة أتكلم معه بحساب
وأتحاشى معه المزاح.. وأقدم له
كلمات الاحترام والتوقير.. لا لشيء
إلا لأنه يعرف الشيخ ياسين.
تصورت
الشيخ مثل الزعماء لا يسير إلا
بحراسة ولا يتحرك إلا بأوامر. نسيت
أن الشيخ يصلي بجوارهم في المسجد
البسيط، ويتمشى على كرسيه المتحرك
في ذات الشوارع الفقيرة التي
يسيرون فيها وتطاله أتربة الطرقات..
هو رجل منهم وربما أبسط وأنقى وأكثر
تواضعا.
لما
زاد الود بيننا تجاسرت على أن أطلب
من صديقي المحترم جدا بالنسبة لي
طلبا.. ما نطقته إلا بعد أن حبست
أنفاسي وتلعثمت وتطايرت الحروف من
بين أصابعي.. لكنني توكلت وقلت له:
بالله عليك سأطلب منك أمرا.. قبل يد
الشيخ وتقول له ابنك أحمد من مصر
يقبل يديك ويطلب منك الدعاء.. كنت
محظوظا إذ رحب صديقي وقال بلهجته
الغزاوية القريبة جدا من لهجة أهلي
الصعيدية.. بس كدة؟ أنت تؤمر أستاذ
أحمد.
وبعد
يومين أخبرني: حضرت لك مفاجاة ..
خيرا أخي.. فألقى علي قنبلته .. خذ
هذا الملف.. أفتحه فأجد صوت الشيخ
الشهيد ينساب عذبا دقيقة كاملة من
الخدر الساري في رأسي متأثرا
بالارتباك والدهشة وعدم التصديق.
رفض
الشيخ أن يمرر تحيتي المتواضعة
الخجلة مرورا عاديا.. أبى إلا أن
أحمل هدية أورثها أولادي من بعدي..
وحكاية ندية تلمع عيني ويتألق
جبيني كلما تذكرتها.. الشيخ المجاهد..
المهموم المشغول يأبى إلا أن يرد
التحية بأحسن منها.. وقد كان.. رد
التحية وساما وشارة أعتز بها إلى أن
ألقاه يوم القيامة إن شاء الله.
قال
للأخ: أحمد تذكرنا وكلف نفسه، وتحمل
أن يقبل يدي على البعد، فليس أقل من
أن نفرحه بكلمة مسجلة بسيطة ودعوة
خاصة له يسمعها بأذنيه.
سبحان
الله.. تذكرت من فوري رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم.. فقد رأيت في
موقف الشهيد أحمد ياسين معي قبسا من
مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم..
فأحمد ياسين لم تشغله مهامه الجسام
وهمومه العاتية من أن يكون إنسانا..
ودودا.. هذا الإرهابي الذي يصفون..
هو الذي يحمل الحب والسلام للناس..
ويحمل للغرباء أمثالي بسمة صافية
وعبارات ودودة نقية.. كأنه أبي الذي
رحل عني منذ سنين يدعو الله لي..
وبقي علي عهد وأمانة في عنقي أسعى
لإنجازها أن أحقق ما حلم به لي من
جهاد وقوة وثبات وسداد والله أسأل
التوفيق.
|