|
دعونا
نتخيل صبية صغيرة في الثالثة من عمرها
تسافر بمفردها مع أخيها البالغ من
العمر 4 أعوام في قطار، وهما يرتديان
شارات على معصميهما مكتوب عليها: "إلى
من يهمه الأمر" ثم اسماهما، ومن أين
أتيا، وإلى أين يذهبا!! منظر مروع أليس
كذلك؟ كتبت هذه الطفلة بعد فترة طويلة
من رحلة القطار تلك العديد من الكتب
كان عنوان إحداها "الحياة لا
تخفيني إطلاقًا" أليس هذا أمرا
جميلا يملؤنا بالأمل؟
تبدأ
الطفلة قصتها بمنظر القطار السابق،
لتحكي لنا حياة حافلة في 6 مجلدات..
حياة مليئة بالفرح والحزن والجرأة،
والغضب والحلاوة والألم والإنسانية
والسحر والعراك والمرح والروح،
ويعطينا هذا الكثير من المتعة.
الآن
هذه الطفلة قد بلغت العقد الثامن من
عمرها، وهي أستاذة الدراسات
الأمريكية في جامعة نورث كارولينا،
لقد قطعت مايا أنجلو شوطًا طويلا من
رحلتها منذ منظر القطار السابق.
في
المجلدات الست التي تمثل سيرتها
الذاتية تلتقط مايا
أنجلو صورة مبدعة للتغير الذي
حدث في أمريكا، وحركات التحرر الوطني
في الخمسينيات والستينيات، ولقطات
مبكرة لشخصية مالكوم إكس الكاريزمية
ومارتين لوثر كينج قائد المسيرة
الكبرى وأحد أهم الشخصيات السوداء في
تاريخ أمريكا المعاصر، وواقع وسحر
أفريقيا من مصر التي عاشت فيها سنوات
الحرية ومعاداة الإمبريالية وما زالت
تؤمن بالحق العربي بل ترى أن على
أمريكا أن تنظر إلى أحداث 11 سبتمبر
بشكل مغاير وتراجع ذاتها قبل أن تلوم
الآخرين، وغانا التي عشقتها في سنوات
فكر مليئة بروح الاستقلال والحرية.
ومع
هذه الصورة متعددة الأبعاد لعالم
متعدد الطبقات تنفتح صورة أكثر سحرًا
لرحلة إنسانية عبر الحياة والزمن،
يحدث هذا عندما تعطينا مايا أنجلو
التفاصيل الدقيقة لحياتها وتطورها،
وتقص علينا معاركها وأحزانها وآلامها.
إنها
تجعلنا نحب الحياة
"أعرف
لماذا يغني الطائر المسجون؟ I Know why caged
bird sings
"لنتجمع
معًا باسمي Gafher Togther in my name
"قلب
امرأة The heart of a woman
وأغنية
تطير إلى قلب السماوات A song Flying up to heaven
هذه
عناوين بعض كتبها التي تمثل بيانات
تدعو للحياة والجمال والروح والتي
تجعل المرء يعلو ويعيد النظر في حياته
المرة بعد الأخرى.
وضع
الأب هذه الطفلة في القطار بعد نهاية
ما أسمته زواج عاصف بين والديها
وأرسلها إلى أركنسو لتعيش مع جدتها،
انطلقت الطفلة في رحلات عدة بعد ذلك،
معظمها إلى المجهول. بعد عامين عادت
إلى أمها في كاليفورنيا، وبعد عدة
أعوام أخرى طارت لمصر، حيث عاشت مع
زوجها جنوب الأفريقي المناضل، وعملت
مايا في مصر كمحررة في جريدة
الأوبزرفر الجريدة الإنجليزية
الوحيدة في هذا الوقت. وبعد 3 أعوام
انفصلت عن زوجها وسافرت إلى غانا مع
ابنها.
وبعد
لقائها مع مالكوم أثناء عودته من رحلة
الحج التي غيرت حياته قررت العودة إلى
الولايات المتحدة لتشارك في حركة
الحقوق المدنية، وتعمل معه ومع
مارتين لوثر كينج.
ومثلما
كانت رحلاتها واسعة ومتعددة كان
عملها كبيرا وضخما: إنها ممثلة،
وراقصة، وشاعرة، ونشطة سياسيًّا،
وصانعة أفلام، ومحررة، وكاتبة،
وأستاذة، وابنة، وأخت، وأم، وصديقة ـ
مايا
تجعلك تذكر فيلم روبوتو بنيني "الحياة
حلوة"، وقصة باولو كويلو "السيميائي"
اللذين يملآنك بالأمل وحب الحياة.
عندما
كانت تصطدم بالمشاكل كانت تخترع
حلولا أو ببساطة تطلب مساعدة الآخرين
وعندما كانت المخاطر تحوطها كانت
تتقبل التحدي، وكانت الحياة تساعدها
ويقف الخالق بجانبها.
كيف
بدأت القصة
تبدأ
ذكرياتها من بعيد.. "عن طفلة زنجية
كبيرة الحجم ذات شعر أسود مجعد،
وأقدام مفلطحة، وأسنان فلجاء" تعيش
في سهوب أركنسو الولاية الأمريكية
التي قدمت لنا بيل كلينتون.
كانت
الطفلة تقسم أيامها ما بين حانوت
الأسرة المسمى جونسون للمبيعات
العامة والكنيسة الميثودية للزنوج،
كان عالمها منقسمًا بوضوح بين الأسود
والأبيض.
كان
هذا زمن الفصل العنصري، وكان الأبيض
والبيض بالنسبة لهذه الطفلة كبيرة
الحجم الزنجية مجرد خيال كبير، ويبدو
أن زيارة والدها لها واصطحابها
وأخيها لكاليفورنيا، كانت الحدث الذي
هز هذا العالم الخرافي، التقت في
كاليفورنيا بأمها ورأت عالما جديدًا
وربما عصرًا جديدًا يمشي فيه الزنوج
جنبًا إلى جنب مع البيض، وهزَّ هذا
العالم أفكار الطفلة، وأخذت مارجريت
الصغيرة تمضي وقتها بين المكتبات
لتغوص في الكتب والعالم الروائي الذي
تصنعه، وبعد حادثة مروعة عندما بلغت
الثامنة من عمرها بدأت مارجريت
الصغيرة (مايا فيما بعد) تعتقد أنها
تؤذي الناس بكلامها فسكتت عن الكلام
لمدة 6 أعوام ثم عادت لجدتها في
أركنسو، حيث بدأت في إعادة اكتشاف
اللغة من خلال الشعر عبر صديقة
لجدتها؛ ومن ثم أخذت ترى الجمال حيث
كانت تعتقد أن القبح يعشش فقط.
وهكذا
تكلمت مرة أخرى.. وأخذ هذا الصوت صوت
الجمال والحب والحرية والأمل يعلو في
صدرها وصار الصوت الذي تكتب عبره.
عندما
عادت من أفريقيا عاشت في نيويورك، حيث
التقت مع العديد من مشاهير الشخصيات
الأمريكية، مثل مالكوم إكس (مالك
الشباس) ومارتين لوثر كينج وجيمس
بالدوين وغيرهم.
وانضمت
لحركة الحقوق المدنية التي غيرت وجه
المجتمع الأمريكي تمامًا في
الستينيات، ونظمت المظاهرات أمام
مبنى الأمم المتحدة مع غيرها من
المثقفين والفنانين والنشطاء وصارت
عضوة في مجمع كتاب هارلم، حيث بدأت
أولى خطواتها عبر مهنة الكتابة.
في
هذا الوسط التقت زوجها فوسيمنري
مياكي جنوب الأأفريقي عضو حزب
المؤتمر المناضل من أجل إنهاء الفصل
العنصري، وانتقلا معًا إلى القاهرة،
وهناك تعلمت العربية، وعرفت الكثير
عن قضايا المنطقة، وصارت من
المتحمسين للحق العربي، وفي غانا
التي انتقلت إليها بعد طلاقها أيدت
نكروما بشدة، وتعلمت عدة لغات
أفريقية أخرى.
هناك
عرض عليها مالكوم إكس مشاركته في
تكوين جمعية للأمريكيين من أصل
أفريقي، وقبلت العرض، وعندما وصلت
إلى الولايات المتحدة اغتيل مالك
الشباسي المناضل المسلم الأسود
وتبخرت أحلامها، ولكنها لم تسقط،
سافرت إلى هاواي، حيث عملت كمغنية
بلوز أي أغاني الزنوج الأمريكيين،
وصارت تراسل مجلات لوس أنجلوس ثم عادت
إلى نيويورك وأخذت تقدم برنامجًا
أسمته "الزنوج يغنون البلوز"،
حيث أخذت تعرض الثقافة الأفريقية
الأمريكية وتأثيرها على الثقافة
الغربية بشكل عام.
ومن
خلالها كمقدمة للبرنامج أخذت تشرح
جمال الكلمات في الأغاني الأفريقية
الأمريكية في أحد البرامج، كان
الموسيقي الأمريكي "ب.ب. كينج"
يلعب موسيقى البلوز، وفرقة كورال
كنيسة تغني أغاني روحية، وكان هناك
رقص أفريقي، وعرض للوحات، وتماثيل
أفريقية مع توضيح لأصل بعض الأعمال
الفنية المعاصرة، أخذت مايا توضح كيف
أن ثقافات الفاو والأشانتي والداجون
والممثلة في أقنعتهم قد أثرت في أعمال
بيكاسو وكلي ومودلياني وغيرهم، كان
عملها هذا ممتعًا ومثيرًا.
ثم
تلقت مكالمة تليفونية كان على الخط
روبرت لوميس من دار نشر لاندوم قال
لها: ما رأيك لو تكتبين لنا قصة حياتك؟
قالت شكرًا لا، كانت في الأربعين فقط
ثم ضحكا، لكنه أخذ يلح ويكلمها لتغير
رأيها، لكنها كانت واثقة أنها لا
تستطيع الكتابة ربما يمكنها أن تكتب
ديوان شعر، ألح لوميس مرة أخرى وقال
لها: تلك آخر مرة أرجوك فيها، فكرت
وقالت: "حسنا لم لا أحاول سأبدأ
غدًا".
وكانت
هذه بداية المجلدات الست، صدر المجلد
الأخير عام 2001 ليكمل الدائرة ويبدأ من
نقطة البداية.
تقول
مايا: "إني أكتب لفحص صفات الروح
الإنسانية التي تجعلها تسمو رغم
الصعاب والعقبات.
تسمو
من كونها طفلة وحيدة في مطار على يدها
علامة لتصير شاعرة عظيمة يطلب منها
بيل كلينتون الرئيس المعاد انتخابه
عام 1996 أن تكتب قصيدة تسلُّمه منصبه
في احتفال كبير لتكون ثاني شاعرة
أمريكية في التاريخ تفعل هذا وتلقي
على الحضور قصيدة" في نبض الصباح on
the pulse of the morning
تسمو
من متاعب الألم والمصاعب تسمو من
كونها ضحية تسمو لتقرر مصيرها، وتقرر
أنها ليست ضحية بأي شكل من الأشكال.
"تسمو
لتبدع وتستمر في الإبداع".
انظر:
|