top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

جولة في العقل العربي


"الرئيس" جون كيري: كلينتون مبعوث السلام والإصلاح*

غسان الإمام

04/04/2004

تضع استفتاءات الناخبين الاميركيين بوش الابن في المرتبة الثالثة بعد جون كيري وجون ادواردز. فلو أجريت الانتخابات الآن لفاز كل من المرشحين الديمقراطيين على الرئيس الجمهوري الذي لم يستخدم، بعد، مدافعه الدعائية الثقيلة ضد خصميه اللدودين.

احتمال إخفاق بوش خبر سعيد للنظام العربي وللعرب الذين تضرروا بانتخابه وسوف يتضررون بالتجديد له. لكن «الاستفتاءات مثل العطر، من المستحسن شمه، من الخطر ابتلاعه»، كما ينصحنا «شريكنا» شمعون بيريز المستقيل من عرفات. فما زال أمام بوش تسعة شهور لاستعادة وزنه في ميزان انتخابي زئبقي.

وهكذا، قبل شم عطر كيري فمن المستحسن أن يدقق العرب جيدا فيما اذا كان قادرا على تبديد رائحة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» المسيلة للدموع في أكثر من عاصمة عربية.

السناتور كيري صوَّت مع الحرب ضد صدام، لكنه يعترض الآن بشدة على أسلوب إدارتها، وعلى غياب مخطط أميركي واضح لعراق ما بعد صدام. وقد وبخ كيري بوش على الاندفاع المتهور لغزو بلد تبين انه لا يعرف شيئا عنه، متجاهلا حلفاء أميركا في أوروبا، ومستغنيا عن شرعية الأمم المتحدة، ومتذرعا بأسلحة صدام الاستراتيجية التي لم يعثر على أثر لها الى الآن.

كيري يتكلم عن تجربة وخبرة. فقد حارب في فيتنام بشجاعة وجرح هناك ثلاث مرات. وعاد ليقود في السبعينات حربا شعواء ضد الحرب. ثم دخل الكونغرس في الثمانينات ليصبح أحد خبرائه في السياسة الخارجية.

الرجل، إذن، ابن المؤسسة والطبقة الحاكمة. فهو كبوش سليل أسرة واسعة الثراء، لكنه على يساره فهو وسطي معتدل من ولاية ماتشوسيتس الليبرالية. ويذكّر اسمه باسم ابنها الراحل جون كنيدي، والأسرتان تتشابهان في السياسة والثراء والنفوذ.

غير أن كيري أقرب للديمقراطيين الليبراليين الجدد الذين قادهم في أول التسعينات مرشح شبه مجهول اسمه بيل كلينتون، وأسكنهم معه البيت الأبيض متغلبا على بوش الأب العائد من حرب الكويت متوجا بأكاليل الغار.

كل ذلك لا يعني أن كيري المحارب القديم سيكون «القس» الديمقراطي جيمي كارتر الذي هزمه اخفاقه في مواجهة الأصولية الخمينية. أود هنا أن أذكّر العرب المتفائلين باحتمال سقوط الجمهوريين ان الديمقراطيين كانوا من غلاة الحروب: الحرب العالمية الثانية التي ألقوا فيها القنبلة الذرية على اليابان. حرب كوريا. حرب خليج الخنازير. حرب فيتنام. مباركة حرب اسرائيل ضد العرب (1967). ثم جاء الريغانيون والبوشيون، وهم ديمقراطيون سابقون، ليعلنوا في الثمانينات الحرب على «امبراطورية الشر» السوفييتية من أوروبا الشرقية الى افغانستان.

الواقع ان الجمهوريين استأنفوا الحروب التي بدأها الديمقراطيون والعكس صحيح. وأميركا كدولة كبرى لا تغير عموما سياساتها الخارجية بتغير رؤسائها، انما تدخل تعديلات طفيفة عليها. من هنا، يمكن القول سلفاً ان «الرئيس» جون كيري لن يكون في استطاعته الانسحاب من العراق أو حتى من مشروع «الشرق الأوسط الكبير» أو الاستقالة من الحرب العالمية التي يشنها بوش على «الارهاب الديني» الذي هو، في التحليل الأميركي الاخير، مواجهة مع الأصولية الانتحارية او المتطرفة في العالمين العربي والاسلامي.

التعديل سيكون في الشكل وليس في المضمون. مجرد اجراء عملية «ماكياج» لاسقاط غطرسة بوش واسلوب الفرض والإملاء، والعودة الى الالتزام بالشرعية الدولية عبر التعاون مع الامم المتحدة، ثم اجراء مصالحة حقيقية مع أوروبا (القديمة) ومشاركتها في رسم مخطط الاصلاح المنتظر في الشرق الأوسط.

كيري في سياسته الخارجية لن يكون بعيدا عن سياسة كلينتون: تكلم بنصيحة ناعمة واحمل جزرة كبيرة. ويأتي اثنان من مستشاري كلينتون في رتبة أقرب المستشارين لكيري، وهما ريتشارد هولبروك وساندي (صموئيل) بيرغر. وكلاهما يهوديان علمانيان. كان هولبروك منهمكا في البلقان ثم مندوبا لكلينتون لدى الأمم المتحدة، وهو يحلم بتحقيق طموحه في أن يصبح وزيرا للخارجية، فيما كان بيرغر أقرب منه الى الشرق الأوسط، بحكم ترؤسه فترة مجلس الأمن القومي في البيت الابيض.

واذا كان من تفاؤل حذر يحمله الى العرب احتمال ترئيس كيري، فهو ترجيح اختيار كلينتون نفسه مبعوثا شخصيا له الى الشرق الأوسط، لاستئناف وساطته بين الفلسطينيين والاسرائيليين التي كاد ينجح فيها في أواخر أيام رئاسته، ثم للمضي قدما في المشروع الاصلاحي في المنطقة. ولا ننسى أن لكلينتون رؤى واضحة عبر عنها خلال ندوات خليجية متعددة، ويتمتع بمصداقية في المنطقة.

ينصح كلينتون العرب، في ندوة جدة التي عقدت اخيرا، بتبني الليبرالية الاقتصادية والسياسية معا، وتعديل مناهج التربية والتعليم بإدراج العلوم السياسية والاجتماعية والتقنية الالكترونية، من دون التخلي عن العلوم الدينية، ثم تحرير المرأة والإعلام، والانفتاح على الافكار الجديدة، وعدم الغلو والتطرف في التمسك بالنقل عن القديم وحده.

لا شك أن هناك غضبا عربيا عارما على ادارة بوش، لا توازيه سوى خيبة الأمل في انحيازها الى سياسات شارون الضيقة. ويمارس «الزعل» العربي من بوش قادة وأنظمة لم يكونوا بحاجة الى سيارات المرسيدس و«بونات» صدام كإغراء لمد اللسان لأميركا.

ليس غريبا أن يقود الرئيس المصري مبارك بنفسه حملة «الزعل» من بوش. ما تقوله العواصم العربية همسا أصبح مبارك يقوله علنا: لا لفرض الاصلاح بالقوة، فهناك «دول سيادية» ومجتمعات لها ثقافاتها، ولا ضرورة «للاكراه» طالما ان الانظمة العربية بدأت تجرِّع مجتمعاتها الاصلاح «جرعة.. جرعة».

و«زعل» مبارك له ذرائعه. فمصر نصحت بوش باكرا بعدم التورط في حرب في العراق، وتقدم خدمات جلى لمشروع السلام الأميركي من خلال المسعى لاقناع الفلسطينيين بتشكيل قيادة سياسية مشتركة تتحمل مسؤولية النضال الوطني، من دون اللجوء الى الانتحار في الاسواق الاسرائيلية. ومبارك الذي ضبط «الإرهاب الأصولي» في الأسواق المصرية، يواجه اليوم حملة اميركية تحت شعار حماية حقوق الانسان وتهوية النظام المصري وعدم توريثه الى نجله جمال.

من هنا سعيُ مبارك لبلورة «زعل عربي مشترك» ضد مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تتحدث عنه ادارة بوش. وبدا المسعى واضحا في جولته الخليجية الأخيرة. وسوف يصل المسعى الذروة في قمة تونس الدولة المضيفة التي تلقت أيضا «نصائح» أميركية مماثلة بخصوص الديمقراطية. ومبارك في ما يمكن ان نسميه «زعله» من الادارة الاميركية يعوِّل بشكل أساسي على الثقل السعودي والزعل السوري.

أحسب ان «الزعل» المصري ـ العربي راجع أساسا الى غموض المشروع الاميركي. هل هو مجرد «إصلاح» للنظام العربي أم هو مشروع تغيير سياسي؟ التشاور الاميركي مع العواصم العربية لا يتسم الآن بالجدية، فيما التوجه الاميركي نحو أوروبا أكثر جدية والحاحا. وهذا يعني بلورة مشروع أميركي ـ أوروبي «لفرضه» جاهزا على العرب، وغير قابل للتعديل.

مع ذلك، فلعل حبي لمصر وتقديري لمبارك ايضا، يسمحان لي بالهمس بأن تأخر مسيرة الاصلاح المصرية هو سبب الالحاح الاميركي عليه. كان مبارك سباقا منذ أول الثمانينات للقيام بمبادرات إصلاحية سبقت الأنظمة العربية كلها في الانفتاح السياسي والاقتصادي ومكافحة تجاوزات أسرة السادات، ثم في مكافحة الارهاب، فيما تبدو القاهرة الآن مترددة أو متأخرة حتى عن الدول الخليجية التي قطعت مسافات جريئة في مناقشة التطوير والاصلاح.

لا أنصح بالرهان على جون كيري. فهو ما زال «مشروع» رئيس، فيما بيض العرب كله بعد الذي حدث لصدام، في سلة الرئيس بوش. ولا بد للزعل من الانتظار قليلا، الى أن ينجلي اليقين عند صياح الديك فجر يوم انتخابي في نوفمبر المقبل.


نقلا عن جريدة الشرق الأوسط


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع