|
منذ
إعلان صحيفة «واشنطن بوست» عن الشرق
الأوسط الكبير، ونشر ورقة مبدئية
وزعتها الإدارة الأمريكية على حلفائها
الغربيين تحوي أفكارا مقترحة عما أطلق
عليه الشرق الأوسط الكبير (GME)، انبرت
نفس الأقلام العربية بعينها في موجة
نقد سلبية ترفض وتندد حتى قبل أن تبدي
الأنظمة العربية رأيها في الموضوع.
بالطبع
الموضوع واسع ومتشعب ويصعب اختزاله في
مقالة لمشروع إذا تم سيشكل محورا
للعلاقات العربية ـ الغربية لسنوات
عديدة قادمة. الحدث يصنع في الغرب ومن
ثم سأقدم هنا رؤية صانعيه، اي وجهة
النظر الغربية، وخاصة الأمريكية، حول
المشروع.
تنطلق
وجهة النظر الغربية من معطيات محددة..
أولا:
ان العرب خلال نصف القرن الأخير رفضوا
موجات التحديث، فرفضوا التنمية
وشوهوها بالفساد والاستبداد، ورفضوا
موجة الديموقراطية التي اجتاحت العالم
من شرقه وغربه، بحجج مختلفة واهية،
ورفضوا العولمة بدون حتى معرفة
معناها، ولكن الخطر في حالة العولمة
أنهم لم يكتفوا بالعداء والرفض وإنما
ضربوها ضربة موجعة في 11 سبتمبر، وبدون
أي مبالغة نجح بعض العرب في إبطاء
مسيرة العولمة ومن ثم التقدم العالمي
المتسارع.
حالة
الرفض كانت تعود عليهم في شكل تخلف
مجتمعاتهم، ولكن حالة الصدام تشكل
خطرا على مسيرة التقدم الإنساني وعلى
الحضارة القائمة، ومن ثم إذا كانت
موجات التنمية والديموقراطية
والعولمة اختيارية فإن موجة الإصلاح
المقترحة لن تكون اختيارية وإنما هي
نوع من العلاج الوقائي لا مناص
للمجتمعات العربية من قبوله، والنقاش
يدور حول الآليات والطريقة التي يتم
بها دفع الإصلاح داخل هذه المجتمعات.
ثانيا:
بالمصطلحات الطبية يمكن تشخيص الحالة
العربية في وجود خلايا سرطانية هي«
الخلايا الإرهابية» وفيروس خطير وقاتل
وهو «فيروس التطرف الديني» وقد صرح
توني بلير بوضوح مؤخرا أثناء زيارته
للعراق بأن« فيروس التطرف الإسلامي
يهدد السلام والأمن الدوليين».
في
مسألة الخلايا السرطانية لا يوجد حل
آخر سوى استئصالها بالجراحة أو
بالعلاج الكيماوي المكثف، وهذا ما
أطلقت عليه إستراتيجية الأمن القومي
الأمريكي بـ«الحرب الوقائية». لا يوجد
خلاف كبير بين الأنظمة العربية والغرب
حول خطورة هذه الخلايا الإرهابية
لأنها تهدد وتقتل من مجتمعاتها أكثر
بكثير مما تقتله من المواطنين
والرعايا الغربيين. في حالة «فيروس
التطرف الديني» يرى الغرب أن العلاج
يكمن في مضادات الفيروسات أو ما يطلق
عليه«الإصلاح الشامل». الغرب يرى
بوضوح أن التطرف الديني يفرز ويتحول
حتما إلى خلايا إرهابية إذا لم يتم
التعامل معه بمضادات الفيروسات هذه. في
تصوري أن الغرب لا يأمل ولا يسعى
للقضاء على هذا الفيروس وإنما تنويمه،
أي إبطال نشاطه الزائد كما يحدث مثلا
في فيروس«التهاب الكبد الوبائي» الذي
يبقى نائما في الجسم عشرات السنوات
ويهدد الكبد بشكل قاتل إذا تحول إلى
فيروس نشط.
إذا
ترجمنا هذه المصطلحات الطبية إلى
أهداف سياسية نجدها تتمثل في ثلاثة
أهداف:
ـ
مكافحة الإرهاب عبر اجتثاث خلاياه
ومطاردة فلوله.
ـ
السيطرة على انتشار أسلحة الدمار
الشامل حتى لا تقع في أيدي دول مارقة أو
تنظيمات إرهابية، وقد اصبح هناك هلع
غربي من التزاوج بين الإرهاب وأسلحة
الدمار الشامل. وبصراحة شديدة، من وجهة
نظر غربية، تمثل كافةُ الدول
الإسلامية دول ليست محل ثقة تؤهلها
لامتلاك أسلحة دمار شامل، وتسعى دول
الغرب في السيطرة التامة ومنع امتلاك
هذه الدول لهذه الاسلحة، بل وتأمل في
تفكيك البرنامج النووي الباكستاني لما
يمثله من خطر على الأمن الإقليمي
والدولي في ظل غياب دولة ديموقراطية
يمكن أن تدير هذا البرنامج بكفاءة
وتأمن عدم انتشاره.
ـ
السعي لفرض اجندة الإصلاح السياسي
والاقتصادي على الدول التي تعاني من
التطرف الديني وهي دولة عربية
وإسلامية في الأساس.
ثالثا:
في نماذج فرض الإصلاح، إما أن يتم عبر
هزيمة كاسرة كما حدث في ألمانيا
واليابان أو عبر معاهدات وشراكة
ومفاوضات وضغوط كما حدث في هلسنكي 1975.
الغرب يفضل التعامل مع العالم العربي
وفقا للآلية الثانية، وهم لا يصنفون
الإطاحة بصدام كهزيمة كاسرة للعرب بل
مساعدة شعب على التحرر من نظام طاغية
مستبد، ولهذا تصرح واشنطن دائما بأنها
ستترك للشعب العراقي حرية كاملة في
إدارة شئونه ولن تتدخل إلا إذا أسفرت
هذه التجربة عن خلق نموذج إيراني آخر
أو نموذج طالباني آخر، وقتها سوف تتدخل
أمريكا لسحق هذه التجربة وفرض نموذج
غربي كما حدث في ألمانيا واليابان وهذا
ما يتردد في أمريكا عبر سيناريوهات
مراكز البحوث وصنع القرار، وهذا يضع
مسؤولية ويرمي بالكرة في ملعب الشعب
العراقي.
كل
الاحتمالات مطروحة في واشنطن، ومهما
كان الباحث جادا ومجتهدا، لا يستطيع
ملاحقة كم الأبحاث والدراسات والندوات
والمقالات والكتب التي تصدر عن العرب
والمسلمين. ولعل إشراك حلف الاطلسي في
مشروع الشرق الأوسط الكبير يعني طرح
أسوا الاحتمالات حول هذا الموضوع.
رابعا:
في مسألة الإصلاح من الخارج أو ينبع من
الداخل، لاحظ الباحثون الغربيون أن
الأنظمة ومثقفيها يطرحون هذا الجدل
لإعاقة الإصلاح لأنهم في الواقع
يحرمون القوى الحية في هذه المجتمعات
من فرصة القيام بالإصلاح من الداخل،
ومن ثم فهي محاولة للهروب من استحقاقات
الإصلاح. اتفاقية الشراكة المطروحة ما
هي إلا رفع يد السلطة عن قوى الإصلاح
الداخلي حتى تقوم بدورها المنوط به ومن
ثم لا يعدو المشروع سوى كونه مساندة
ومؤازرة قوى الإصلاح الداخلي كما حدث
في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي
السابق. والشيء الذي يدعو للأسى هو أن
الغالبية العظمى من المثقفين العرب لا
يريدون تكرار نموذج أوروبا الشرقية في
المجتمعات العربية وهذا يضع علامات
استفهام كثيرة على مواقفهم ويصنفهم
فعليا ضمن «أعداء الحريات» رغم ان
ادعاءاتهم عكس ذلك.
خامسا:
اعتمدت ورقة المشروع المبدئية في
تشخيص الحالة العربية على تقريري
التنمية الإنسانية العربية لعامي 2002 و
2003 اللذين انجزتهما مجموعة من
الباحثين العرب، وقد أدى ذلك إلى غضب
القائمين على التقرير، وقام كبير
الباحثين نادر فرجاني بنشر مقالة اتهم
فيها الإدارة الأمريكية بالخسة
والإفساد في الأرض والافتراء والجهل
الذي يخامره تعالٍ كريه وغرور يعمي
الألباب وتقويض مصالح الأمة العربية
واستجداء المصداقية وأن الشيطان لا
يصبح ملاكا بتدبيج وثيقة تدعي الرغبة
في فعل الخير، وهو غضب مفهومة دوافعه
لينفي علاقتهم بالمشروع الأمريكي وهذا
حقه، وإن كانت مفردات الغضب خرجت عن
سياق المصطلحات العلمية إلى أسلوب
الشتائم العربية.
المسألة
أن دور فريق البحث العربي لم يكن سوى
معمل التحاليل أو مركز الأشعة الذي يثق
به المريض، أما التشخيص والعلاج
وخطورة المريض على نفسه وعلى الآخرين
فهذا ما يحدده الطبيب المعالج وليس
معمل التحاليل.
وأخيرا:
الورقة التي وزعتها الولايات المتحدة
على أصدقائها هي ورقة مبدئية سيجري
كثير من التعديلات عليها، والغرض من
توزيعها في الأساس هو استطلاع رأي
شركائها في مجموعة الـ 8 لأن مشروعا مثل
هذا ينطوي على أعباء مالية جسيمة.
وتدور حاليا مباحثات أمريكية ـ
أوروبية مكثفة حول تفاصيل توزيع
الأعباء المالية الضخمة للمشروع
والتعديلات المطروحة على الورقة لكي
تمر بسهولة ونعومة بدون انفجار العنف
في وجه المشروع الغربي كله وكذلك آليات
إقناع الأنظمة العربية في التعامل
بإيجابية مع هذا المشروع الكبير،
وأخيرا ضمانات توزيع الفوائد الناجمة
عن الإصلاح على كل الشركاء، بمعنى أن
إصلاح اليابان مثلا تحملت أغلب أعبائه
أمريكا، والنتيجة كانت ربط الاقتصاد
والسياسة اليابانية بشكل أكبر بتحالف
استراتيجي مع الولايات المتحدة. ومن ثم
إذا مر مشروع الشرق الاوسط الكبير
بنجاح ينبغي أن تعود الفوائد على كافة
الأطراف المشاركة في الاعباء وليس
الولايات المتحدة فقط.
|