top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

جولة في العقل العربي


نحن وأمريكا والديموقراطية..*

مشاري الذايدي**

04/04/2004

ضاق الهامش، وتضاعف الضغط، وتحدد المطلوب... أمريكا تقدم فكرتها لإصلاح «الشرق الأوسط الكبير» إلى مجموعة الدول الصناعية الثماني، والغاية: الديموقراطية أولا والديموقراطية آخرا.

فقد أفصحت الولايات المتحدة عن رؤيتها لمستقبل هذا الجزء من العالم ومقترحها لإصلاحه ووصله بالزمن الحديث، الذي هو بالضرورة زمن ثقافة الليبرالية وحقوق الإنسان...

الورقة أو مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي طرحته الولايات المتحدة على مجموعة الدول الصناعية الثماني. وباشرت واشنطن نقاشاً مع هذه الدول لضمها إلى «الشراكة». ويفترض أن تبلور دول المجموعة موقفاً موحداً من هذا المشروع خلال قمة الـ 8 في الولايات المتحدة في حزيران (يونيو) المقبل، يقدم صورة بالغة السلبية عن وضع منطقة الشرق الأوسط الكبير، ويقصد بالكبير الدول العربية مضافا إليها باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل.

يرتكز التصور الأمريكي السلبي لهذه المنطقة على تقريري الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و2003 والذي قام بإعداده مجموعة من الباحثين والمختصين العرب بتكليف من الأمم المتحدة.

صورتنا، وفق هذين التقريرين، محزنة ورثّة، هي صورتنا ونحن نتعرض للرياح العاتية وليس معنا شيء سوى سلّة من أوهام، وأسمال من كلام... تطيّره العواصف كريش الحمام.. كريش الحمام.. كما يقول الراحل نزار قباني!

واللافت في الورقة الأمريكية هو الاهتمام البالغ بمسألة التعليم ومسألة وضع المرأة، والوزن المعرفي للأمة العربية، إن على مستوى الترجمة أو على صعيد إنتاج الكتب أو وضع الإعلام العربي الضعيف. تقول الورقة الأمريكية «إن الإحصائيات التي تصف الوضع الحالي في «الشرق الأوسط الكبير» مروعة»! ويبدو بالفعل أنها مروعة. خذوا لديكم بضعة أرقام:

مجموع إجمالي الدخل المحلي لبلدان الجامعة العربية الـ22 هو اقل من نظيره في إسبانيا.

حوالي 40 في المائة من العرب البالغين، 65 مليون شخص، أميون، وتشكل النساء ثلثي هذا العدد.

سيدخل أكثر من 50 مليوناً من الشباب سوق العمل بحلول 2010، وسيدخلها 100 مليون بحلول 2020. إذا استمرت المعدلات الحالية للبطالة، سيبلغ معدل البطالة في المنطقة 25 مليوناً بحلول 2010.

يعيش ثلث المنطقة على اقل من دولارين في اليوم. لا تشغل النساء سوى 5.3 في المائة فقط من المقاعد البرلمانية في البلدان العربية، بالمقارنة، على سبيل المثال، مع 4.8 في المائة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.51 في المائة من الشباب العرب يرغبون في ترك بلدانهم والهجرة إلى أوروبا.

ليس هذا وحسب، بل ان البلدان العربية مجتمعة لا تنتج من الكتب سوى 1.1 في المائة من الإجمالي العالمي (حيث تشكل الكتب الدينية أكثر من 15 في المائة منها). ويبلغ عدد الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية) (التي لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص) خمسة أضعاف ما يترجم إلى اللغة العربية!

إنها أرقام فاضحة، لا تحتمل المعاذير، ولا التعويل على أسباب خارجية هنا وهناك، هذا ما نحن عليه، هذه هي الحقيقة التي يجب قولها، أو يجب مواجهتها بالأصح، فهي لا تنتظر منا إذنا حتى تقال.

لكن، ما شأن الغرب بنا، ولماذا تبادر مجموعة الدول الصناعية، بقيادة أمريكا لنشر الديموقراطية ودفع عجلة التنمية ومساعدة المرأة على الانعتاق من وضعيتها البائسة، وترقية التعليم ومكافحة الأمية ورفع مستوى حريات التعبير... الخ؟ لماذا يحرصون على ذلك؟ وماذا نعني لهم أصلا ؟

ربما قال البعض إنها مؤامرة جديدة على الأمة الإسلامية لسلخها عن هويتها وتدمير مقدراتها (ما هي هذه المقدرات بعد الأرقام الآنفة؟!) وربما قال آخرون إنها هجمة إمبريالية أخرى لتركيع الأمة العربية العظيمة.

غير أن هناك ما يمكن قوله غير هذا وذاك، إننا بوضعنا الحالي الذي يجعلنا شعوبا محرومة من ثمار المعرفة الإنسانية الحديثة، تقف في موقع المتفرج لهذه الذرى العالية التي وصلت إليها الإنسانية، نصبح خطرا على من نعتقد انه قد حرمنا من ذلك، ويتزايد الإحباط والحنق من هذا الفوات الهائل، يكفي أن تراقب مشاعر الحسرة والألم التي تصيب الزائر العربي للمجتمعات الغربية الديموقراطية، مقارنة ببلاد الزعيم الأوحد التي غادرها! هذه الوضعية الحرمانية هي التي تثير في المحروم مشاعر الحقد والرغبة بتدمير ما لدى الحارم؟! كما تجعله مهيأ لتلقف كل آيدولوجيا عابرة في الطريق تغذي لديه مشاعر التقدير الذاتي المبالغ فيه، والاحتقار العكسي للآخر، عدو الذات؟!

ولذلك فإن الغرب حينما يدعم الديموقراطية ويفكر في وضع هذا الجزء من العالم، فليس ذلك من قبيل التبشير أو الاهتداء بروح الأم تيريزا، قدر أنها مصلحة غربية جوهرية تكمن في إنقاذ الشرق الأوسط المتعثر.

ذكرت الورقة الأمريكية أكثر المجالات تضررا في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير وهي «الحرية، المعرفة، وتمكين النساء»، ثم ذكرت أن ترك الأمور كما هي من دون تعديلها ومساعدة الشعوب المتضررة سيسهم «في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الـ8».

وهنا عقدة الحبل كما يقال، إنها رغبة في إشراك المحرومين من الكعكة، في جزء منها على الأقل، حتى لا ينقضوا على المستأثرين بها كلها.

غير أن الأمر الأساسي الذي ربما أغفله الأمريكان، هو إمكانات نجاح المشروع الديموقراطي في منطقة وثقافة لم تحسم بعد موقفها من الفكرة الديموقراطية، وما زال كثير من مفكريها يبذلون محاولات مضنية لتجذير الديموقراطية وتبيئتها في التربة المحلية، ولم يكتب بعد النجاح الفعلي لهذه المحاولات.

صحيح أن هناك مقاومة عربية رسمية من قبل الأنظمة الحاكمة منذ الخمسينات بفعل الموجة اليسارية و«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، ولكن هناك أيضا التعثر أو الإعضال المزمن في زرع الديموقراطية في نسيج الثقافة الإسلامية.

ُطرحت فكرة الشورى كبديل «أصيل» عن الديموقراطية، ولكن اتضح أنها تختلف اختلافا فلسفيا ومفارقا للديموقراطية فرُفضت من الإسلاميين الأصلاء والليبراليين الخلصاء، أما الاخيرون فبحجة أن الشورى ابعد ما تكون عن فكرة العقد الاجتماعي والمشاركة الشعبية الواسعة، فهي ليست إلا تدبير «أهل الحل والعقد» وهم طبقة ضيقة من كبار القوم والملأ، ثم إن المبدأ الأساسي في الفقه السياسي الإسلامي يكمن في الطاعة، وعليه فالشورى، في حقيقتها، وممارستها التاريخية، ليست إلا إجراء فرعيا يستظل بمظلة أعلى منه هي مظلة الشريعة الإسلامية، ثم إنها لا تملك صفة إلزامية ولا تأثيرا حقيقيا، حسبما هو مذهب كثير من الفقهاء.

أما الإسلاميون الأصلاء، فيرون أن الغرب يملك أفكاره الخاصة به، وهي أفكار ضالة انحرفت به عن سواء السبيل، أما نحن فلدينا الحق، كل الحق، تاما كاملا، ولسنا بحاجة لهذه الديموقراطية التي تشرك البشر مع خالق البشر في التشريع، ودائما ما يحلو لهم التشنيع بهذا المثال على دعاة الديموقراطية: ماذا لو صوت الشعب بإباحة الزنى، هل نوافق؟

في تقديري أن الاتجاه نحو الحداثة بشتى مظاهرها، أمر لا مناص منه، وفي تقديري أيضا أننا لن نعدم اجتهادا فقهيا يؤصل لهذه الحداثة، وإذا اتضح أن مصلحة الأمة تكمن في التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي فلا يجوز، ولن يجوز، أن يقف احد في وجهه. يقول الفقيه الإصلاحي الكبير محمد بن الحسن الحجوي (ت1956): «لا ينبغي للعلماء أن يكونوا حجر عثرة في سبيل تقدم الإسلام فهذا مما أخر المسلمين إلى الدرك الذي هم فيه الآن».

الحجوي، ابن جامع القرويين وصاحب التآليف الواسعة في الفقه والحديث والتصوف والإصلاح، والذي اتهم بالوهابية من قبل خصومه في المغرب، هو دليل عملي على الإمكان الفقهي في استقبال الحداثة بارتياح، فهو الذي يقرر في كتابه المهم «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» انه لو أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب اطلع على شرعة القيصر الروماني جوستينيان لما تقاعس عن الأخذ بها وتنظيم الشورى الإسلامية على هيئة البرلمان وفكرته، عطفا على سيرة عمر التشريعية.

نعم، هناك عوامل اقتصادية تنتج عنها تبدلات اجتماعية وسياسية قد تعزز من فرص نجاح الديموقراطية وقد تعطلها، ولكن أردنا القول إنه إذا شعر العرب والمسلمون أن التحول الديموقراطي أصبح طوق نجاة وحيداً من الفناء، فلن يحول بينهم وبين التشبث بالحياة فقيه عتيد ولا مناضل سرمدي للغرب.

غير أن السؤال الأهم، بأيهما نبدأ: بالديموقراطية الفوقية أم بتأسيس بنتيها العميقة؟ من الأولى بالحماية والأجدر بالتعب: الديموقراطية أم ثقافتها...؟!


نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

** mshari@asharqalawsat.com


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع