|
محتوى
مشروع الشرق الأوسط الكبير هو
الديموقراطية والاقتصاد الحر وتعليم
الفتيات ومحاربة الفقر. أي ان هذا
المحتوى لا يتضمن ابداعاً. ولكـن إذا
لم تـأخـذ أمـرك بنـفـسك فغيرك سيأخذه.
والسياسة لا تقبل الفراغ.
نحن
كعرب لنا مؤسسة ومنظومة عمل هي جامعة
الدول العربية التي أنشئت على أسس
مشتركة وعلى خلفية محن كبيرة أهمها
الاستعمار ونكبة فلسطين. كان التأسيس
امتحاناً للأمة لا يزال متواصلاً. ولّد
كياناً اسمه الأمة العربية وتنظمها
"جامعة الدول العربية". إلا أن
الجامعة تكونت حول كيان لغوي ثقافي
حضاري جغرافي لا مشابه له في العالم,
وهذا إيجابي جداً. ولكن في الوقت نفسه
ومنذ العام 1990 وانهيار الكتلة الشرقية
وبدء النظام العالمي الجديد, وجدنا
أنفسنا وجهاً لوجه مع المرحلة الأخيرة
للتحدي الإسرائيلي في المنطقة وهو
تحدي البقاء. لقد كان للتحدي
الإسرائيلي مراحل عدة: الوجود, التوسع,
ثم الآن قضية البقاء. والسؤال الذي
يطرح نفسه على الصقور في الإدارتين
الاميركية والإسرائيلية هو: كيف تبقى
إسرائيل في المنطقة؟ أما المعضلة فهي
أن البقاء الإسرائيلي يتضارب ومبدأ
الصهيونية, لأن الصهيونية في أهم
تجلياتها هي عدم الاندماج, بينما
إسرائيل بعدم اندماجها في المنطقة لا
يمكن لها البقاء. إن إسرائيل لا يمكن أن
تندمج في منطقة كلها عربية, إسماً
وثقافة ونظاماً ومنظومة. كيف تندمج
إسرائيل؟ يتطلب الأمرُ بناءَ شيء جديد
مائع متوسع يمكن لإسرائيل أن تجد فيه
مكاناً.
بدأت
قضية إسرائيل حقيقة عندما فقدت القدرة
على القضاء على الشعب الفلسطيني بعد أن
كان الموضوع منتهياً على فرضية
صهيونية هي "أرض بلا شعب لشعب بلا
أرض". الشعب الفلسطيني هو الذي تمكن
من البقاء ومن هنا بدأت مشكلة إسرائيل
الحقيقية. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي
وحرب الخليج الثانية التي وُجدت من أجل
ألا يجتمع العرب منذ ذلك اليوم وينتهي
وجودهم في منظومة عمل مشترك (الجامعة
العربية). وفي خضم ذلك كان مؤتمر مدريد
للسلام بوجود عربي محدود. ومن عام 1991
إلى عام 1996 لم يكن هناك اجتماع عربي, ما
خلا بعض المجالس الوزارية وقمم ثنائية
أو ثلاثية محدودة جداً. ومرت الجامعة
في ظروف صعبة قادها للحق بكفاءة
الدكتور أحمد عصمت عبدالمجيد الذي كان
مطلوباً منه ألا يفرّط أو يُفرط, وهو ما
فعله. لم يكن للجسم العربي ان يتحمل
أياً من التفريط والافراط, وإلا لما
بقي حتى الآن. وأول فرصة للعمل العربي
كانت من طريق مشكلة إسرائيلية داخلية,
عندما تم اغتيال رابين ولم يكن هذا
مبرمجاً عربياً. وجاء بعده بنيامين
نتانياهو فعقد العرب قمة القاهرة 1996
وعادت المنظومة للعمل بوتيرة أسرع.
القاهرة قامت بدور وكذلك بغداد التي
تخلت عن الحضور وسهلت عقد قمة 1996.
وأيضاً الكويت البلد العربي الذي لم
يفرِّط بعروبته قط. كان يحمل الكثير من
الغضب وهذا حقه, ولكنه بقي متشبثاً
بعروبته وحضر القمة. لم يكن مطلوباً أن
تكون هناك منظومة عمل عربي مشترك في
النظام العالمي الجديد, بل العودة الى
النظام الجغرافي, شرق أوسط وشمال
أفريقيا, والعودة إلى تقسيم أوروبي
للعالم العربي: دول متوسطية, أفريقية,
وغرب آسيا.
الجامعة
العربية هي الشوكة الكبرى بالنسبة الى
إسرائيل, طالما استمرت, بقيت إسرائيل
على حالها ولا تجيب على كل المبادرات
السلمية, وستبقى "بنتوستان" (دويلات
صغيرة في جنوب أفريقيا في زمن الفصل
العنصري), في المنطقة. إسرائيل تريد جعل
الشعب الفلسطيني "بنتوستانات" في
غزة والضفة الغربية بيـنما هي التي
ستبقى "بنتوستان" في المنطقة
العربية, ولن ينتهي الموضوع
الإسرائيلي.
والطريقة
السياسية المعروفة هي انه عندما يكون
لديك مشكلة صغيرة تريد حلها, توسع حلقة
الحلول لتجعل المشكلة عائمة. وعليه,
أنا لا أرفض مشروع الشرق الأوسط الكبير,
ولا يمكن أن أعارض خطوطه الرئيسية. فهل
نعارض حقوق الإنسان أو تعليم الفتيات
أو التجارة الحرة؟ كل الدول العربية
تعلم الفتيات وتتوق الى الإصلاح
والتحرر الاقتصادي. ولكن للأسف لم يطلب
منا إبداء الرأي في هذا المشروع, بل
المطلوب هو رأي أوروبا. ولا أندهش من
عدم عرض المشروع على الجامعة العربية,
ولكن المفروض عندما يُقترح على الدول
العربية فرادى أن ترفضه وتطلب عرضه على
الجامعة. وهذا هو الأفضل لأن كل بنود
المشروع وخطوطه مدروسة في الجامعة
ولدينا فيها الوثائق والدراسات
والقرارات, وعلى الولايات المتحدة
الأميركية أن تشكل فريقاً يأتي الى
الجامعة ويناقش معنا هذا المشروع.
مثل
هذه المشاريع تميع وغالبيتها قائمة في
الخطة العربية بل سارية, ربما المشروع
يعطي سقفاً أعلى, والدول العربية ستكون
في حاجة إلى تمويل مشاريع لديها لا
تختلف عن أفكار المشروع الاميركي.
نحن
نعترف بنواقص في العمل العربي بحسب
تقرير التنمية البشرية العربية الذي
أعدته منظمة الأمم المتحدة, ولكن هذا
أيضاً يحمل نقداً للأمم المتحدة
ووكالاتها ومنظماتها. وهي من
مسؤوليتها أن ترفع من شأن دول العالم
بما فيها الدول العربية. أما مشروع
الشرق الأوسط الكبير فهو إنتقاص من دور
الأمم المتحدة أيضاً. ولذلك لا أستغرب
بـعـد سنـوات أن تقدم الصين أو اليابان
مشروعهما الخاص للشرق الأوسط الكبير.
إن تكليف الدول السبع الكبرى بمثل هذه
المهمات والمشاريع هو على حساب الأمم
المتحدة وهو شكل من أشكال تهميش دور
المنظمة الدولية. ولننتظر ما ستكون
عليه الانتخابات الأميركية والوضع في
الولايات المتحدة بعد كانون الثاني (يناير)
2005. وربما لتأثير رئيس الولايات
المتحدة عليّ شخصياً وعلى أولادي في
حياتي اليومية, يجب أن يكون لنا حق
انتخابه.
|