top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

جولة في العقل العربي


نحن وأميركا والمستقبل*

محمد الحداد **

04/04/2004

تمثل الولايات المتحدة العدو الاكبر في وعي قطاع كبير من الرأي العام العربي, وهذا وضع تشكل على مدى عقود الى أن انتهى الى الموقف السائد اليوم. لكن الأمر لم يكن دائماً على هذا النحو. ففي بداية القرن العشرين, عندما أعلن الرئيس الأميركي ويلسون نقاطه الاربع عشرة المشهورة, ومنها مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير, كانت الصورة التي انتشرت للولايات المتحدة في العالم العربي أقرب الى الايجابية, ثم تخلخلت بنشأة دولة اسرائيل سنة 1948. مع ذلك لم تتحول أميركا آنذاك العدو الاكبر, لأنها لم تكن الطرف الوحيد الذي اتخذ موقف المساندة ولا الطرف الأكثر تحمساً. وفي 1952 اوقفت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي الاعتداء الثلاثي على مصر. لكن التحول الأساسي انما وقع مع خيبة الزعيم عبد الناصر من الوعود الأميركية وتحوله الى موقف المراهنة على الكتلة الاشتراكية. وكان طبيعياً ان تدفع السياسات العربية على المدى القريب والبعيد ثمن الضعف الذي ما فتئ يعصف بهذه الكتلة ويضعف موقف المتحالفين معها.

لكن توجد ثلاثة عوامل غير منتظرة جعلت هذا الثمن يرتفع ارتفاعاً مشتطاً بعد الانهيار النهائي للاتحاد السوفياتي. أولا, كل الاطراف العالمية التي كانت متحالفة مع الكتلة الشيوعية أدارت الظهر لماضيها وروّجت انها كانت ضحيته. حتى روسيا نفسها اصبحت تلعن ماضيها مع انها كانت, ماضياً وحاضراً, اكبر مستفيد منه, الا الثقافة السياسية العربية التي فاتها ان تولي هذا التحول العالمي الاهمية التي يستحق وتفكر في تبعاته ونتائجه على المنطقة العربية. ثانياً, ان بعض السياسات العربية التي كانت قد اتخذت موقفاً مختلفاً في السابق لم تقدر على استثمار هذا الموقف في ظل المتغيرات الدولية الجديدة, لأسباب عديدة داخلية وخارجية. ثالثاً, وجدت الولايات المتحدة في شخص الرئيس المخلوع صدام حسين الفرصة المناسبة لإدخال المنطقة في اضطرابات لا تنتهي وجعل كل الأزمات تنتهي لصالحها وتفتح لها, بأبخس الاثمان, أبواب الحضور المكثف في قلب المنطقة, عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

اذا تأملنا هذه العناصر الثلاثة نجد انها تشترك في محور واحد, وهو التصور المبالغ فيه للدور العربي في السياسة الدولية. فالتفسير الرئيسي لعجز السياسات العربية والثقافة السياسية السائدة عن قراءة عميقة لنتائج عالم ما بعد سقوط حائط برلين الى تفجيرات ايلول (سبتمبر) انما يجد جذوره العميقة في ان الفكر العربي لا يعترف بأنه كان في الماضي ضحية نزاع بين الكتلتين ولم يكن لاعباً منفرداً بقراره, فظل يتصرف الى اليوم من منطق الفصل المغالي بين العالم والمنطقة العربية. واستمر سقف المطالبات العربية عالياً على الورق بينما اتجهت الأوضاع العربية الى مزيد التدهور والانحلال, واستفحلت المزايدة على الأهداف والمبادئ مع التنصل من التقييم الموضوعي للأوضاع والنتائج. بل قد تكون الثقافة السائدة في المنطقة العربية الوحيدة في العالم التي تقوم بالتقييم معتمدة الأهداف وليس النتائج. ويشترك في هذا الموقف الخطاب الرسمي والخطاب الشعبي على حد سواء. فالاعلام الموجه ما يفتأ يهيّج مشاعر الجماهير ليغطي عن المواقف الحقيقية للمسؤولين السياسيين, لكن المواطن العادي ايضاً يلعن أميركا ستين مرة في اليوم دون ان يشعر ان التفاني في العمل والالتزام بالواجبات والتكيف مع التقنيات الجديدة هي شروط التفوق في العالم الحديث.

ويوازي هذا التضخم للدور العربي في الثقافة السائدة استخفاف مبالغ فيه بهذا الدور لدى المخططين الأميركان. فمن خطة باول الى مشروع "الشرق الأوسط الكبير" مروراً ببرنامج الدعم الذي اطلقته تشيني الابنة, يدرك المراقب ان المسؤولين الأميركان قد عهدوا الى موظفين صغار واستراتيجيين مبتدئين مهمة التفكير في مستقبل المنطقة. والحقيقة المرة ان المخططين الأميركان اختاروا المنطقة لتكون حقل تجارب, في المجالات المدنية والعسكرية. ويسعى هؤلاء الى ان يثبتوا لأنفسهم وللآخرين ان لديهم وصفات سريعة من شأنها ان تغير الأمور نحو الأصلح. فلا حاجة للمشاورة والحوار وإضاعة الوقت في التعمق ورصد الخيارات والنتائج. ولعله جدير ان نتابع ما يحدث هذه الأيام في جزيرة هايتي لندرك قيمة الوصفات الأميركية في حل مشاكل الجزر الصغيرة, فضلا عن حل مشاكل منطقة معقدة مثل منطقة الشرق الاوسط. ويسعى هؤلاء ان يثبتوا لأنفسهم وللآخرين ان أميركا دولة بلغت الحد الاقصى من القوة, فيضخمون العدو (العراق ثالث جيش في العالم, صاحب الاسلحة النووية التي تستخدم في أقل من ساعة!) لتظهر انتصارات المؤسسة العسكرية الأميركية بالغة الاهمية. لكن هذه المؤسسة لم تخض منذ الحرب العالمية الثانية حربا مباشرة ضد عدو من نفس الوزن, بل هي تتحاشى اليوم المواجهة مع كوريا الشمالية, وقد أقر قادتها بامتلاكهم الاسلحة المحرمة, لأن تكاليف مواجهتها ستكون أعلى بكثير من مواجهة صربيا او العراق.

مع ذلك, يبدو لي ان الخطر الاكبر الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية ليس الاستخفاف بمصير المنطقة العربية, او الاستعمال المفرط للعنف فيها, او تأجيج الصراعات العرقية والقبلية والمذهبية, او استغلال قصر نظر السياسات الرسمية لاستعباد الشعوب, او احتكار ثروات المنطقة وخيراتها. يبدو لي الخطر الاكبر متمثلا في تنمية ذلك الشعور المتضخم في الثقافة السائدة بدور المنطقة في المعادلات الدولية. والمنطق الثاوي اليوم في هذه الثقافة هو التالي: أميركا هي القوة الاكبر في العالم, جعلت هدفها الأول محاربتنا, اذاً, نحن القوة الموازية التي ترهبها أميركا وتخشى وجودها. انها صورة جميلة تحول الوضع المتردي الى دراما بطولية, خصوصاً اذا كان مروّجوها هؤلاء هم الذين أنابوا عنهم في المقاومة أطفال فلسطين وبؤساء العراق واكتفوا بمتابعة المسلسل على القنوات الفضائية. لكن ماذا لو ان التركيز الأميركي على المنطقة لم يكن سببه انها التهديد الاستراتيجي الاكبر, بل سببه أنها الطرف الاضعف الذي يمكن الانتصار عليه بأقل التكاليف. فعدد الضحايا الأميركان محدود رغم كل ما يقال (واغلبهم من السود و"مواطني الدرجة الثانية"), وحظوظ ان يتعاطف الرأي العام الأميركي مع القضايا العربية ضعيفة فلا يخشى السياسيون شيئاً على مستقبلهم الانتخابي, والعدوان الاستراتيجيان الحقيقيان للولايات المتحدة, أي روسيا والصين, اختارا ان يطلقا اليد الأميركية في المنطقة لتتوفر لهما فرصة استعادة وسائل القوة وتدعيم التوجه نحو ليبرالية الدولة بعد اشتراكية الدولة, والمؤسسة العسكرية الأميركية ذات الدور الرهيب تقوم باختبار أسلحتها الجديدة على رؤوسنا وفي مناخاتنا, والمؤسسات الاقتصادية الأميركية تحقق الأرباح المغرية باستغلال الأوضاع الفوضوية. نحن لسنا العدو المهاب بل الضحية المستباحة.

ثم ماذا لو لم يكن السيناريو المقبل "الاستعمار الأميركي للمنطقة", كما يقال, بل ترك المنطقة تعيش عقداً او عقدين من الاضطراب المكثف ريثما تُستنفذ ثرواتها وتفوت فرصة الاصلاح الحقيقي ثم تُترك وشأنها الى الأبد بعد ان فقدت عناصر الاغراء؟

لا حل أمام هذا الخطر المهدد الا الاصلاح الجذري والمسارعة به اليوم قبل الغد: ديموقراطية حقيقية, احترام كامل لحقوق الانسان, منع الرشوة والمحسوبية والفساد الاقتصادي, المساواة التامة بين المواطنين, المساواة التامة بين الرجل والمرأة, تعميم التعليم والمعرفة, تحويل الأموال المرصودة للدعاية الى محفّزات للبحث العلمي والثقافة المبدعة. واذا ما فاتنا تحقيق هذا الاصلاح الجذري فلن يأتي البديل "بيد عمرو" كما يقولون, بل لا بديل الا ان نرى أنفسنا وقد تردت أوضاعنا أكثر بكثير وازدادت اتساعاً الهوة بيننا وبين العالم المحيط بنا.


* نقلا عن جريدة الحياة 2004/02/22 

** المؤلف الرئيسي لتقرير "التنمية الإنسانية العربية"


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع