|
يظهر
في واشنطن اجماع بأن الشرق الأوسط
الكبير يمثل تحدياً استراتيجياً
رئيسياً لعصرنا الحاضر، وأن على الغرب
أن يعيد التفكير جذرياً في الطريقة
التي يتعامل بها مع هذه المنطقة.
في
الماضي كانت واشنطن تفترض عدم ضرورة
الاهتمام بالأوضاع الداخلية لبلدان
الشرق الاوسط ما دامت تستوعب مصالحنا
في سياساتها الخارجية. فاذا بلغت
الأمور درجة كبيرة من السوء، فان
واشنطن قد تقدم على التدخل وفقا للنسخة
المعاصرة للعبة الشعبية (اضرب الجرذ).
لكن هذه اللعبة ليست لعبة جيدة تماما،
بل تمثل أسوأ سياسة خارجية.
لقد
اوضحت لنا هجمات 11 سبتمبر 2001 حجم الثمن
الذي ندفعه مقابل تجاهل المشاكل التي
تعيشها المنطقة. والسؤال الآن هو: ما هي
أفضل الطرق لتغيير الشرق الوسط بحيث لا
يعود يفرز أشخاصاً يريدون ايقاع اكبر
عدد من القتلى بين صفوفنا، وتتزايد
قدرتهم على القيام بذلك؟.
وللتأكيد،
فان التقليديين الموجودين داخل
الحكومة وفي مجال السياسة الخارجية،
لا يزالون يجادلون بأن مثل هذه الأهداف
تقع بعيدا خارج حظيرتنا، وأن الغرب لا
يمكنه «حل» مشاكل المنطقة، وعليه
بدلاً من ذلك، أن يحسن الوضع القائم
ليكون أفضل، بهدف الحد من حجم الخطر
علينا.
لكن
الفشل يلاحق هذا التوجه على نحو متسارع
ولأسباب وجيهة. اذ لا يمكن المراهنة
عليه. لهذا، يتزايد الحوار بين
استراتيجية المحافظين الجدد الداعية
الى دمقرطة اجبارية، وبين ما يمكن أن
يطلق عليه البديل الليبرالي الجديد،
الذي انبثق وسط الديمقراطيين الأمميين
والجمهوريين المعتدلين.
ويدرك
المحافظون الجدد والليبراليون الجدد،
ان الأوضاع القائمة في الشرق الأوسط
تنتج العداء لأميركا والارهاب والدول
الفاشلة والمارقة، وقد ابتعدت كثيراً
عن كونها أوضاعاً قابلة للعلاج. ويتفق
الاثنان حول اهمية تعزيز الغرب
للتحولات والديمقراطية في المنطقة،
لكنهما يختلفان اختلافاً كبيراً في
أفضل الطرق الكفيلة بتحقيق ذلك.
يعتقد
الليبراليون الجدد أن عملية الاكراه
على التحول الديموقراطي، سوف تفشل
حتما، وأن النجاح الحقيقي لن يأتي الا
من خلال جهد طويل الأمد فقط، للمساعدة
في دفع العرب نحو اصلاح مجتمعاتهم من
الداخل. وهذا يقود الى أربعة اختلافات
جوهرية:
1ـ
الاستباق واستخدام القوة
يعتقد
المحافظون الجدد أنه يجب على الولايات
المتحدة أن تتبع توجهاً يتسم بالضغط
الشديد لاجبار الأنظمة العربية على
التغيير، واستخدام القوة في حال تطلب
الامر ذلك. ويجادل المحافظون الجدد بأن
مشاكل المنطقة ضخمة للغاية، وأن الخطر
بحدوث 11 سبتمبر أخرى هو خطر حقيقي، وقد
يتم هذه المرة بأسلحة كيماوية أو
بيولوجية أو اشعاعية، وان الغاية تبرر
الوسيلة. فاذا لم تتغير أنظمة المنطقة
لزم استخدام القوة الأميركية لاحداث
التغيير المطلوب.
ان
غزو واعادة اعمار العراق ليسا
استثناء، وانما سابقة يمكن ان تدعو
الضرورة لتكرارها في مكان آخر. أما
الليبراليون، الذين نعد أنفسنا منهم،
فيعتقدون بالاستباق السياسي أولاً
وبألا يتم اللجوء الى الاستباق
العسكري الا كآخر وسيلة.
2ـ
بناء الدول
ان
المحافظين الجدد لا يحبون بناء الدول.
ولقد عارض الحزب الجمهوري ذلك على نحو
كبير لأكثر من عشر سنوات. وهكذا فبينما
يتحدث المحافظون الجدد عن تعزيز
الديمقراطية، فانهم يواجهون صعوبة في
التقدم على هذا الصعيد. ولا شيء يعبر عن
ذلك أكثر من حالات فوضى وعي الادارة
الناقص حينما تجبر على تعزيز
الديمقراطية على أرض الواقع، بطرق
تذهب عكس غرائزها الايديولوجية ـ كما
هو ماثل الآن في كل من أفغانستان
والعراق. ويرى الليبراليون الجدد بناء
الدولة كوسيلة استراتيجية. ان كسب
السلام يحظى بالاهمية نفسها التي تعطى
لكسب الحرب بل أصعب منه. ان العراق
بصورة خاصة، يستحق التزاما به، لأن
عراقاً مستقراً ومزدهراً وتعدديا،ً
يمكن أن يصبح في نهاية الأمر نموذجاً
للمنطقة، يؤكد امكانية ان يكون البلد «عربيا»
و«ديمقراطيا» ايضا.
3ـ
عملية السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني
العديد من المحافظين الجدد متشككون في
عملية السلام. فبينما يحتفون خطابياً
بالهدف من الديمقراطية الفلسطينية
كجزء أساسي في حل الدولتين، فانهم
يفضلون ألا يفعلوا شيئاً، مبررين ذلك
بضرورة تحويل الأتوقراطيين العرب
أولاً الى الديمقراطية. أما
الليبراليون الجدد فانهم يرحبون
بعملية السلام بوصفها أولوية لأمن
اسرائيل، ولفتح الباب من أجل تحول أوسع
في المنطقة. وطالما استمر النزاع
العربي ـ الاسرائيلي مخيما على
المنطقة، فان الذين يعارضون التغيير
في العالم العربي سيستخدمون حجة
التهديد الاسرائيلي لتحاشيه،
بالاضافة الى ان نجاح الوساطة بين
اسرائيل والعرب سيدعم مصداقية أميركا
كداعية للاصلاح الديمقراطي في المنطقة.
4ـ
الامبراطورية في مواجهة القيادة يتحدث
المحافظون الجدد عن الامبراطورية
والأولوية الأميركية كهدف مشروع. وهم
يتحاشون التحالفات التقليدية بوصفها
نوعاً من العبء، ويفضلون التحالفات
الخاصة أو المضي في الأمر وحدهم.
ويعتقدون أنهم قد يفعلون خيراً، وأن
القواعد والأعراف الدولية أعدت
للسيئين وليس لنا. أما الليبراليون
الجدد فيعتقدون في القيادة عبر
الاقناع، واقامة تحالفات دولية قوية.
ويحتاج التحول في الشرق الأوسط الى
عشرات السنين من السياسات المستدامة
والتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.
وذلك يتطلب اصلاح تحالفاتنا وليس الحط
من قدرها. نريد أن لا تبث أميركا فقط
الخوف في خصومنا وانما أن تنال الاعجاب
والدعم من أصدقائنا.
|