top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

جولة في العقل العربي


هل هو شرق أوسط كبير (مفرغ من الإسلام)؟  *

زين العابدين الركابي

04/04/2004

على أي أساس علمي ـ مركب من نتائج بحوث: اجتماعية وثقافية ونفسية وتاريخية وحضارية ـ على أي أساس: هذه خصائصه وصفته: بني (وهم) أو مشروع (الشرق الأوسط الكبير)؟

من (عاهات) التخلف في ما سمي (العالم الثالث): أن مشروعاته تقوم على الارتجال والتلفيق، والدوي الدعائي، وطغيان تأثير اللحظة الآنية على التفكير، والهروب من فشل ما بتعويمه في مشروعات جديدة: مصيرها الفشل ايضاً.. ويمكن تأليف كتاب كامل يحصي عاهات من هذا النوع، أصابت العالم الثالث وأبقته في سجون التخلف.

فهل استعارت الإدارة الأمريكية: أسوأ ما في العالم الثالث في هذا المجال، وهي تصوغ مشروعها العجيب وتطلقه؟

كان المقدر: ألا تفعل ذلك من حيث أنها تملك ما لا يملكه العالم الثالث.. تملك مراكز متعددة ومتنوعة متخصصة في الدراسات السياسية والحضارية والاستراتيجية.

وليس ينبغي أن يعجل امرؤ عربي (يؤلّه) أمريكا، أو يرفعها إلى مرتبة (العصمة) فيقول: ان الإدارة الأمريكية (لا تخطئ) في مثل هذه الأمور، فهي الأعلم والاحكم.. ذلك: أن الإدارة الأمريكية بشر من البشر: يعتريها الخطأ الذي يعتري بني ادم أجمعين، وهي لا تتمتع بأي استثناء: كوني أو تشريعي من أي نوع. وساقط ـ جملة وتفصيلاً ـ هو كلام الجنرال الأمريكي (وليام بويكين) الذي زعم أن «الله هو الذي اختار هذه الإدارة»!!

هل هناك من يريد أدلة وقرائن على الأخطاء والورطات؟

هذه ( نثارات) من ذلك:

1 ـ في الأسبوع الماضي، أعلنت رئاسة أركان الجيوش الأمريكية: أنها لم تُستشر في(حل الجيش العراقي)، وان الحاكم (المدني)!! للعراق هو الذي أمر بهذا الحل والتفكيك.. وثمة إجماع أو اتفاق على أن هذا القرار: خطيئة كاملة، أو كارثة تامة: ترتب عليها معظم ما يجري في العراق من فوضى، وقتل ودم ورعب ودمار.

وهذه الخطيئة هي ـ على فداحتها ـ فرع أو اثر من آثار الخطيئة الأكبر: خطيئة فقدان الرؤية السياسية والاستراتيجية لظروف العراق المعقدة، ولمسارات حاضره ومستقبله بعد الحرب، وكما قال (بول جونسون).. هناك دائماً عصر اسود ينتظرك وراء الباب، إن أنت اسأت اللعب بالأوراق التي بين يديك، أو إذا اقترفت من الأخطاء عددا كافياً.

2 ـ من قبل، كانت حرب فيتنام: خطيئة سياسية واستراتيجية وحضارية، وهي خطيئة، كان سببها (فقدان الرؤية الصحيحة الشاملة).. ولنستمع إلى صاحب الاختصاص الاستراتيجي والتطبيقي في ملف حرب فيتنام وهو (روبرت مكنمارا) فقد ألف كتاباً بعنوان (مأساة فيتنام ودرسها): رد فيه خطيئة حرب فيتنام إلى أسبابها، ومن أهم هذه الأسباب: الجهل وفقدان الرؤية.. يقول: «من أسباب المأساة:

أ ـ الاقتناع الوهمي بان أمريكا مطلعة على الأمر كله، لا يفوتها جليل ولا دقيق في الشأن الفيتنامي.

ب ـ ضيق الأفق والخوف المبالغ فيه من الروس والصينيين. ج ـ الخطأ المروع في تحليل المعلومات.

د ـ الاعتقاد الخاطئ بأن الغاية الأسمى للفيتناميين هي النموذج الأمريكي للديمقراطية.

هـ ـ الجهل المطبق بـ(الروح) أو العقيدة القومية التي تحرك الشعب الفيتنامي.

و ـ فقدان التقويم المبكر للتجربة بعد أن بدأت.

في ضوء هذا نقول: ان توهم أو تخيل: أن الشعوب العربية والإسلامية ستستقبل مشروع (الشرق الأوسط الكبير): بالمحبة والشغف، والاستعداد للثقة به، ولتطبيقه والارتواء منه: ارتواء من أضناه الظمأ فعثر بغتة على الماء العذب.. ان هذا التوهم مبني على خطايا وجهالات: فكرية ونفسية وسياسية واستراتيجية وحضارية منها: الوهم بأن من صاغوا المشروع: مطلعون على كل شيء في الوطن العربي والعالم الإسلامي.. والخطأ المروع في تحليل المعلومات.. والاعتقاد الخاطئ بأن النموذج الأمريكي للديمقراطية هو الغاية الأسمى للعرب والمسلمين.. والجهل المطبق بـ(الروح) أو العقيدة الإسلامية التي تحرك العرب والمسلمين.. وفقدان التقويم المبكر والعليم والأمين للتجربة الأمريكية في العراق، وللسياسية الأمريكية في المنطقة بوجه عام».

ومما لا ريب فيه: أن مشروع (الشرق الأوسط الكبير): مشبع بالخطايا السابقة ـ ونظائرها ـ أي انه أضاف إليها ما هو مثلها وأسوأ منها:

1 ـ أضاف إليها: خطيئة قياس العالم العربي الإسلامي على الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية (سابقا).. ومؤدى هذا القياس الغبي: أن الغرب الذي استطاع أن يسقط ويحبط ويدمر (الآيديولوجية) التي كان يقوم عليها الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية يستطيع: أن يسقط ويدمر (الآيديولوجية) التي يقوم عليها العالم العربي الإسلامي.. وبغض النظر عن سوء التفكير والتعبير، فان الآيديولوجية التي يقصدونها ـ ها هنا ـ هي (الإسلام): بعقيدته ومبادئه وقيمه وفلسفته العامة في الحياة وللحياة.

ويبدو أن هذا الاتجاه (الشرير) يعتمد على فكرة، أو على تصور مبكر.. فبعيد سقوط الاتحاد السوفيتي، قال كل من جورج شولتز ـ وزير خارجية أمريكا الأسبق ـ وشمعون بيريز الزعيم الصهيوني المعروف، قالا كلاما يكاد يكون متطابقاً في المضمون والتعبير، قالا: «ان الشرق الأوسط يحتاج لكي يتغير إلى زلزال يشبه الزلزال الذي ضرب الاتحاد السوفيتي». فهل الزلزال المتوقع ـ أو المخطط له ـ هو: الحرب على العراق التي أدت إلى سقوط النظام العراقي، والى المقارنة المقصودة بين انهيار الآيديولوجية الشيوعية، والآيديولوجية (الإسلامية)؟ يمكن أن يكون هناك (مجانين) يفكرون هذا التفكير المجنون، بيد أن المقارنة(مجنونة) بحكم أنها تعبير عن تفكير مجنون أو موغل في الغباوة والحماقة.

اولاً: أن النظام العراقي لا يمثل العالم العربي والإسلامي، لا في آيديولوجيته، ولا في سياساته، فسقوط هذا النظام ليس قاعدة ميكانيكية تؤدي ـ بالضرورة الآلية ـ إلى سقوط كل شيء في العالم العربي الإسلامي.

ثانياً: ان الإسلام ليس مثل الآيديولوجية الشيوعية: فهو دين خالد مستعص على الهدم والفناء.. نقول هذا بحكم الاعتقاد اليقيني بوعد الله الذي لا يخطئ ولا يتخلف ابداً:

أ ـ «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

ب ـ «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا».

ج ـ «إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد».. لا نقول: إن الإسلام دين خالد عصيّ على الهدم والإفناء بمقتضى هذا الاعتقاد اليقيني بوعد الله فحسب، ولكنا نقول ذلك بمقتضى حقيقة (الواقع التاريخي).. فقد نُعي الإسلام غير مرة، ولكنه بقي واستمر واطردت مسيرته، وتضاعفت اعداد المنتسبين إليه: نعي الإسلام حين حصل اجتياح التتار. ونعي حين شنت الحروب الموصوفة ـ خطأ ـ بـ(الحروب الصليبية).. ونعي حين سقطت الأندلس..ونعي حين اجتاح الاستعمار الغربي: العالم الإسلامي ـ باستثناء حالات قليلة ـ وثمة واقعة إضافية ذات دلالة ميئسة للذين يقارنون بين الآيديولوجية الشيوعية والإسلام.. هذه الواقعة الإضافية هي: أن الاتحاد السوفيتي نفسه الذي كان يتبنى الإلحاد الرسمي المنظم: قد خطط ـ بالقوانين والأمن والثقافة والتعليم والإعلام ـ: خطط لكبت الإسلام كبتاً مطلقاً دائماً، فهل استطاع أن يجتث الإسلام أو يلغيه؟ .. لا.. لا.. لا.. وهذا العجز تصديق واقعي لقول الله تعالى: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون».

2 ـ ومن الخطايا المضافة: (التدليس الجغرافي). فالشرق الأوسط الكبير المطروح اليوم ينتظم العالم الإسلامي كله تقريباً من حيث:

أ ـ الجغرافيا الطبيعية.

ب ـ والجغرافيا البشرية.

فمفهومهم للشرق الأوسط الكبير: يمتد من المغرب إلى اندونيسيا وهذا يشمل الوطن العربي كله ـ مشرقه ومغربه ـ ويشمل إيران، وتركيا، وباكستان، وبنغلاديش، واندونيسيا.. وفي هذه الرقعة الجغرافية الهائلة: يوجد مليار مسلم تقريباً.. وينبغي ـ هنا ـ رصد ملاحظتين: الأولى هي: إن هذه نفسها هي منطقة(الاستعمار الغربي القديم).. والملاحظة الثانية: أن (كونداليزا رايس)، مستشارة الأمن القومي الأمريكي قالت ـ منذ شهور ـ: «إن من أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية: العمل على تحرير العالم الإسلامي» أي العالم الإسلامي الذي سمي الآن بـ(الشرق الأوسط الكبير) المراد تغييره وإصلاحه على الطريقة الأمريكية.

تحرير العالم الإسلامي مم؟.. من الفقر حتى يصبح منتجا لا سوقا لبضائع الآخرين؟!.. أم من قيود (البحث العلمي) حتى يرسي القاعدة الأساسية للنهضة العظمى، فيصير بذلك قوياً ومنافساً؟!.. أم أن المراد هو: تحريره من (الإسلام)؟ ـ ليس من الدبلوماسية: التصريح بذلك، لكن الربط بين المواقف قد يكون بديلاً عن التصريح.

لقد قال الحاكم الأمريكي للعراق (بول بريمر) ـ في الأسبوع الماضي ـ «سأستخدم حق النقض (الفيتو)، إذا نص مشروع الدستور العراقي على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع».. وفي هذا التصريح: تَمثُل بداية الشرق الأوسط الكبير ونهايته أو غايته.. فمن بدايات هذا المشروع المبكرة، ومن غاياته (تفريغ) هذا الشرق الأوسط الكبير من (الإسلام) .. والا فما شأن بريمر باختيارات الشعب العراقي؟... لقد سقطت ـ بالتمام ـ دعوى شن الحرب للجم أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، فليس هناك أسلحة دمار شامل ـ أصلا ـ: يتعين لجمها أو تدميرها.. وبسقوط هذه الدعوى: تبقى دعوى إقامة الديمقراطية في العراق، لكن هذه الدعوى تترنح: تمهيداً للسقوط.. وتصريح بريمر أقوى دليل على ذلك.. فأي ديمقراطية هذه التي تبطل وتنقض بالفيتو؟.. وأي ديمقراطية هذه التي تصادر (خيار) الشعب العراقي، و(حريته) في التشريع الذي يبتغي ويريد.

أهذه هي الحرية؟.. أهذا هو الاستقلال والسيادة؟

أم أن الفكر السياسي قد تطور بسرعة الضوء، وانبثقت منه ـ بسرعة الضوء ايضاً ـ ديمقراطية جديدة اسمها أو تعريفها هو (الديمقراطية بالقهر والغصب والدكتاتورية ومصادرة الخيارات الحرة للشعوب)؟


نقلا عن جريدة الشرق الأوسط


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع