top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

جولة في العقل العربي


في ما خص مشروع "الشرق الأوسط الكبير" *

منير شفيق 

04/04/2004

هل يمكن وصفه بالتطور المدهش حين تقرر واشنطن ان تتقدم الى قمة الدول الـ8 في حزيران (يونيو) 2004, بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يشمل البلاد العربية وباكستان وأفغانستان وايران وتركيا و... اسرائيل (انظر نص المشروع والهامش, "الحياة" 13/2/2004) لأن هذا يعني تسليماً بتعدد القطبية, ودعوة الى الشراكة بين الاقطاب بدلاً من النظام الأحادي القطبية والانفراد الأميركي. وقد نسيت واشنطن انها بالامس القريب جداً طرحت مشروع "الشراكة الأميركية ـ الشرق أوسطية" وراحت تخرّب على مشروع "الشراكة الاوروبية - الشرق أوسطية (او العربية)".

يصعب الاستنتاج ان واشنطن تخلت عن "استراتيجية الأمن القومي الأميركي" المعلنة في 20 ايلول (سبتمبر) 2002, والسياسات الأميركية التي مهدت لها, وكانت سبباً لسقوط كلمة "شراكة" عملياً من قاموس علاقات أميركا بالدول الاخرى. ولهذا فكل تفسير للطرح الجديد عليه ان يلحظ الفشل الذي منيت به ادارة بوش في العراق ومشاركتها الفشل لشارون في فلسطين, ثم عدم سقوط "احجار الدومينو" العربية تباعاً بعد احتلال بغداد. فضلاً عن بقاء الازمة, ولو بدرجة اقل مما وصلته قبل العدوان على العراق, مع فرنسا وروسيا والمانيا والصين, الى جانب عزلة حقيقية عن الرأي العام الغربي. وقد جاءت سنة الانتخابات الرئاسية الأميركية لتفرض على ادارة بوش الظهور بمظهر ينفي ما وجهه المنافسون في تلك الانتخابات من نقد لسياساتها التي قادت الى تأزيم علاقاتها بشركائها في الحلف الأطلسي, مع اشارات الى فشلها هنا وهناك.

فمشروع "الشرق الأوسط الكبير" ليس جاداً, لأن جديته تتطلب عملية جراحية رئيسية في الاستراتيجية التي تبنتها ادارة بوش منذ جاءت, لا سيما بعد 11 ايلول 2001. وهذا لم يحصل بعد, ولكن كان لا بد من خطوة الى الخلف بسبب الفشل والعزلة. فضلاً عن الاولوية التي تقتضيها اغراض اعادة انتخاب بوش. وهذه الاولوية تتحكم الآن في السياسات الأميركية, وربما الى حد اخضاعها لها ووضعها في خدمتها. الأمر الذي يقتضي هدنة في فلسطين وتهدئة في العراق بما يعطي الانطباع انها خرجت من المأزق, او في الطريق الى ذلك. وينطبق الامر نفسه على العلاقات الدولية وهو, كما يبدو, ما كان وراء مشروع "الشرق الأوسط الكبير" وطرحه على مجموعة الـ8 لإشراكها مع الولايات المتحدة. ولكن الى اي مدى سيعيش توجه احياء الشراكة الأميركية - الأطلسية, او الأميركية مع بقية دول مجموعة الـ8؟ باختصار, بعد الانتخابات "تعود حليمة الى عادتها القديمة": الانفراد, او محاولة أكل الكعكة كاملة, او قسمها الاعظم, تاركة بعض الفتات للدول التي تقبل بالفتات كما هي روحية "استراتيجية الامن القومي" (20 ايلول 2002) وكما عبرت عن ذلك السياسات التي طبقتها ادارة بوش.

الامر الآخر الذي يحتاج الى التوقف عنده في موضوع المشروع الجديد هو تعبيره عن سياسة ارتجالية مرتكبة (احياناً متناقضة) تفتقر الى التخطيط والممارسة المواظبة لمرحلة طويلة او متوسطة. فمنذ مجيء ادارة بوش لا يلحظ المرء تواصلاً لاستراتيجية مصممة تخطو خطوة بعد خطوة لتحقيق الهدف, كما كانت الحال في مراحل سابقة. والدليل السريع ما اتسمت به السياسات الأميركية في العراق, او التعاطي ومشروع التسوية, او في علاقاتها العربية والدولية.

ويتكشف هذا الارتباك من خلال المقابلة التي اجرتها قناة "الحرة" مع بوش في 14/2/2004. فقد راح يتملّق عدداً من القادة العرب ويهدئ التأزيم السابق, بما يعني ان الديموقراطية واصلاح التعليم يريدهما جزئياً مع بقاء الانظمة القائمة, وليس كما فُهم استبدالها بأنظمة ديموقراطية. كما يتكشف من خلال المشروع الجديد في جعل آليته ضمن مجموعة الـ8. وكل ذلك لأجل الانتخابات وبعدها قول آخر.

بيد ان من المهم التمعن في الفقرة الأولى من نص المشروع, ففيها جماع اتجاهه العام: "يمثل الشرق الأوسط الكبير تحدياً, وفرصة فريدة (يقصد وليمة وغنيمة) للمجتمع الدولي (يحصره بمجموعة الـ8" اسرائيل). وساهمت النواقص الثلاثة التي حددها الكتّاب العرب لتقريري الامم المتحدة حول التنمية البشرية للعامين 2002 و2003 - الحرية, المعرفة, تمكين النساء - في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل اعضاء مجموعة الـ8. وطالما تزايد عدد الافراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة سنشهد زيادة في التطرف والارهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة".

الملحوظة السريعة الأولى ان السياسة الأميركية لا تحمّل الوضع العربي ونواقصه الثلاثة في حال الاستمرار مسؤولية زيادة التطرف والارهاب فحسب, وانما ايضاً الجريمة الدولية. اي المافيات الدولية على اختلافها, وأضف الهجرة غير المشروعة الممتدة من المكسيك الى فيتنام مروراً بأصقاع الارض, حتى كادت تقول ان نواقص العرب الثلاثة هي المسؤولة عن كل شر في هذا العالم. فكل العوامل الاخرى, وبعضها اكثر اهمية, دُحرت الى الخلف مما ادى الى تبرئة تهديدات المشروع الصهيوني وزرعه في المنطقة, والسيطرة الاستعمارية والهيمنة الامبريالية والتدخلات الخارجية في الاقتصاد والتعليم والسيطرة على الثروات, وفي استخدام القوة, من ان تكون ذات مسؤولية اكثر ان لم يكن في الاقل بمستوى مسؤولية نقص المعرفة وعدم تمكين المرأة ونقص الحرية.

هذا الحصر الثلاثي للنواقص وجعلها رقم 1, مشكلةً وحلاً, واعتبارها "اقانيم ثلاثة", هو الذي سمح لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" اعتمادها. ومن ثم التدخل من خلالها في الشأن العربي من العدوان العسكري والاحتلال مروراً بإبتزاز الانظمة لمصلحة المشروع الصهيوني, وانتهاء بالتعميم على "الشرق الأوسط الكبير" واعتباره فرصة فريدة للالتهام واقتسام الحصص. ولكن مع التشديد الأميركي - الصهيوني على ان هذا الحصر للنواقص ورفعها الى تلك المرتبة هو "من صنع كتاب وخبراء عرب". لكي يستنتج: "أنتم قلتم" ونحن "أبرياء من دم هذا الصديق" حين ننحر بعضه ونطبق عليه كله.

وقد يسارَع الى القول: ما ذنب هؤلاء الكتّاب والخبراء العرب اذا حدث توارد خواطر او تقاطع بين تقريرهم والموقف الرسمي الأميركي, وما مسؤوليتهم إن استغلتهم ادارة بوش كما فعلت في استغلالها لهجمات 11 ايلول ومن كانوا وراءها. وقد قدموا لها "افضل هدية". صحيح أنه يجب عدم التشكيك او اقامة علاقة مباشرة. لكن الخطأ الذي ترتكبه يستغله عدوك. وقديماً قيل اذا أطراك عدوك فابحث عن الخلل, او العيب, الذي فيك. فكيف اذا كانت كل موضوعتك مرجعية له.


* نقلا عن جريدة الحياة 2004/02/22


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع