|
هل
تفعل الولايات المتحدة, إذ تبتدع ذلك
"الشرق الأوسط الكبير", غير ما
فعلته كل امبراطورية انتصرت وتسعى إلى
إحكام سلطانها؟ فالإمبراطوريات
المنتصرة شأن تـلك الأميركــية, مهما
بلغت من "الفضائيّة" وتخففت من كل
جاذبية "ترابية", لا يمكنها أن
تسجل ولادتها قطبا مهيمنا وبلوغها تلك
المنزلة, إلا على الأرض وبواسطة الفعل
فيها وفي مصائر كياناتها, وإلا
بالإقدام, تحديدا وتخصيصا, على تلك
المبادرة التي تبدو ضربا من طقس تأسيسي,
لا مندوحة منه ولا فكاك: صنع الخرائط أو
إعادة رسمها, واجتراح الكيانات أو
إلغاؤها, وإدراج أهلها في مسارات وفي
تواريخ, أو في وجهات تاريخية أخرى.
لم
تشذ إمبراطورية عن ذلك, سواء انفردت أو
اقتسمت مع سواها, وذلك منذ سحيق
الأزمنة (منذ الإسكندر المقدوني ربما)
وحتى أزمنتنا المتأخرة. حتى سايكس بيكو
في أعقاب "الحرب الكونية الكبرى",
ويالطا في أعقاب الحرب العالمية
الثانية, على سبيل المثال لا الحصر.
أبناء مناطق الاضطراب الكياني, شأن
أوروبا الوسطى والبلقان, حيث لا تتطابق
الأقوام والأوطان, فتفيض هذه عن تلك أو
تنكفئ دونها وفق ما تمليه تصاريف
التاريخ وصراعاته, ربما خبروا ذلك أكثر
من سواهم, حيث كانت سيرة الواحد منهم,
تتسع لانتماءات متعاقبة, ولجنسيات
متتالية ينضوي فيها ولرايات وطنية
متوالية ينضوي تحتها. إذ التاريخ لا
"يتقدم" مستقلا, بل تمليه
الإمبراطوريات. وقد يكون من سمات
الإمبراطورية ومن تعريفاتها المحتملة
أنها "صاحبة السيادة على التاريخ".
مثل
ذلك النازع إلى إعادة رسم الخرائط,
فعلا إمبرطوريا خالصا وتأسيسيا, هو ما
قد يكون الدافع "الخفي" والأقوى
للحرب الأميركية الأخيرة في العراق,
تلك التي لا يأتي المرء بجديد إن قال
إنه لا يجد لها, في ما عدا ذلك, من مبرر.
لا أسلحة الدمار الشامل, التي لم تكن
أكثر من شبهة استندت إلى معلومات كاذبة
وملفقة, ولا التواطؤ مع إرهاب "القاعدة",
تلك التي لم تطأ أقدامها أرض العراق
إلا بعد احتلاله (!), ولا عدوانية نظام
صدام, تلك التي وإن كانت لديه غريزية
إلا أنها "دُجنت" منذ حرب الخليج
الثانية وما أعقبها من حظر مديد, ولا
حتى تهديده لإسرائيل, ذلك الذي بات
أثرا بعد عين للأسباب إياها, إن
افترضنا أنه كان في يوم من الأيام
ماثلاً. أما تخليص العراقيين من جلادهم,
فنُجلّ الولايات المتحدة عن مثل ذلك
"الإيثار" ونربأ بها عنه. يبقى,
إذاً, ذلك النازع الإمبراطوري تفسيرا
لما حدث, اندفاعا جارفا, لا يعبأ
بالعالم وبتوازناته وبهيئاته
وبالقوانين والأعراف السارية فيه, وقد
حدس العالم ذاك بصفته الإمبراطورية
تلك, فتصدى له ولم يفلح.
لقد
انتدبت الولايات المتحدة الشرق الأوسط,
بعد أن وسّعت مجاله ليمتد من موريتانيا
إلى باكستان, ووصفته بـ"الكبير",
مجالا امتيازيا لتدخلها الإمبراطوري.
ما الجامع بين موريتانيا وباكستان وما
بينهما؟ الإرهاب؟ تلك ليست مَواطنه
الحصرية, وإن كانت له فيها بعض أصلب
المواقع. الإسلام؟ ما بقي منه خارج ذلك
الحيز قد يكون, عدديا, أكثر مما تضمّنه.
السلاح النووي؟ في ما عدا باكستان, وقد
باتت قوة نووية "رسمية", وإسرائيل,
تلك القوة النووية "المستترة", لا
يمثل ذلك "الشرق الأوسط الكبير"
أبرز بؤر استشرائه. الإضطراب المستديم
والاستقرار المتعذر؟ ربما كان ذلك هو
الملمح الفارق والأهم, ولكن هل هو ملمح
جامع؟ وهل يصلح مبررا لافتعال "فضاء
استراتيجي" موحد مثل ذاك, حتى وإن
كان تعثّر الكيانات الوطنية في ذلك
المجال وعجزها عن بلوغ مرحلة
الاستكمال الناجز هو ما يزين التدخل في
شؤونها؟
لعل
هذا ما قد يفسر تلك المفارقة الظاهرية,
والتي مفادها أن البلدان التي كانت في
عداد إمبراطورية السوفيات, والتي ربما
كانت مرشحة أكثر من سواها, لدى نهاية
الحرب الباردة, لولوج مرحلة من
الاضطراب والفوضى, هي التي كان
انتقالها أسلس وأهين, ربما لأن كيانيات
وطنية كانت قد تشكلت في كنف الاستبداد
السوفياتي وفي غفلة منه, في حين أن
الفوضى استشرت في ما كان من ساحات
الحرب الباردة هامشيا, وإن بمقدار:
البلقان, الذي كان خاضعا لامبرطورية
"فرعية" هي تلك التي أسسها تيتو في
يوغوسلافيا السابقة, وذلك "الشرق
الأوسط الكبير" حسب التعريف
الأميركي.
يبقى
على أية حال أن الفضاءات الإمبراطورية
اعتباطية دوما, وهي لا تقوم اعتبارا
لتجانس ما من طبيعة سكانية أو ثقافية
أو سواهما, بل على قاعدة الإخضاع إلى
قطب إمبراطوري مشترك. إذ ما الذي كان
يجمع, غير ذلك, بين ليبيا وبلغاريا
مثلاً في العهد العثماني, أو لنقلْ بين
الجزائر ومدغشقر والهند الصينية زمن
الاستعمار الفرنسي؟
"الشرق
الأوسط الكبير" هو, إذاً, بالنسبة
إلى الولايات المتحدة, المفهوم المعبر
عن نزوعها الإمبراطوري إلى الفعل
المباشر في شؤون العالم (لها عدا عن ذلك
وسائل أخرى كثيرة للفعل غير المباشر),
حيث تتجاوز مجرد التأثير, مهما كان
قويا, إلى صياغة الكيانات ونظمها
وإعادة رسم الخرائط, وحيث تتخطى
الاضطلاع بدور "القيادة", إلى
تولي مسؤولية الحكم المباشر.
لكن
الأميركان, وإن كانوا طوبويين على
الصعيد الأخلاقي, كما هو معلوم منذ
أيام أليكسيس دو توكفيل على الأقل,
فإنهم براغماتيون على الصعيد العملي,
يجنحون إلى التجريب. فهم إذا كانوا قد
سوّغوا حربهم على العراق بمسوّغات
أسلحة الدمار الشامل, وهي ما ظهر
بطلانه, فتبين تهافت هذه المسوّغات
كذبا وتلفيقا, أو سوّغوها كوقائع, حيث
لم يُعثر على شيء من الأسلحة تلك, وهم
إذا ما كانوا قد برروا حربهم تلك
بالإرهاب, وهو ما أخفقوا في البرهنة
عليه حتى الآن... إلا أنهم ما لبثوا أن
تنبّهوا إلى أن هيمنة إمبراطورية كتلك
التي يسعون إليها, لا يمكنها أن تقوم
على مبررات من ذلك القبيل, وقائعية,
موضعية وعينية, معرضة بصفتها تلك إلى
الدحض والتسفيه, قد تصادف أحيانا وقد
لا تصادف, وتجلب على القائل لها, في كل
الحالات, تهمة السينيكية والفظاظة, بل
يجب شرعنتها بوسائل أكثر إطلاقية
وأكثر "نبلاً", ونسبتها إلى نوايا
تلك سماتها, وغير قابلة "للتخطيء"
تبعا لذلك.
أي
بعبارة أخرى, أن هذا النزوع
الإمبراطوري المستجد, لا بد أن يستند
إلى طرح إيديولوجي. ويبدو أن الولايات
المتحدة قد وجدت ضالتها تلك في "نشر
الديموقراطية".
فـ"شر
الديموقراطية" في "الشرق الأوسط
الكبير", ذلك الذي طرحته الولايات
المتحدة وركزت عليه في الآونة الأخيرة,
وتستعد لتقديم مبادرة بشأنه في حزيران
(يونيو) المقبل, لدى انعقاد قمة بلدان
مجموعة الثماني وقمة حلف شمالي
الأطلسي, على ما نشرت الصحف الأميركية
في الآونة الأخيرة وجاءت تأكيدات
بشأنه على لسان وزير الخارجية
الأميركية كولن باول, هو ما قد يمثل
إيديولوجية الإمبراطورية الأميركية
في طورها المستجد هذا, تلك التي ستُوظف
على ما نحو ما توُظف الإيديولوجيات
عادة, تسويغا لسيطرة, وخطابا يتستر على
غاياته بسخائه المبدئي أو القيمي.
هل
نكون خاطئين؟ ربما. لكنها ريبة مشروعة,
لأن الإمبراطوريات, على ما دلت التجارب,
إمبراطوريات أولا, ثم ما شئت بعد ذلك...
بعد ذلك بكثير. ولا يوجد ما يدفع إلى
الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستشذ,
وستكون, على الصعيد الخارجي,
ديموقراطية أكثر منها إمبراطورية.
|