النظام العربي وجامعة الدول العربية في ظل الأزمة الأمريكية العراقية

أ.د. أحمد حسن الرشيدي**

27/03/2003

الوفد العراقي في القمة العربية الأخيرة

بداية يجب أن نعترف دون تردد أن العدوان الأمريكي ضد العراق عمل غير قانوني، ويتم خارج نطاق الشرعية الدولية. فلا قواعد القانون الدولي ولا ميثاق الأمم المتحدة يجيزان الاستخدام المنفرد للقوة المسلحة كوسيلة لإدارة الأزمات والصراعات الدولية، وذلك قبل استنفاد الوسائل السلمية بأشكالها المختلفة، وشريطة أن يأتي العمل العسكري -حال لزومه- كعمل دولي جماعي.

وأيًّا ما كان الأمر فإن هذا العدوان سيترك -بلا شك- آثاره العميقة على مستقبل النظام العربي وجامعة الدول العربية، على اعتبار أن الدولة المستهدفة من هذا العدوان (أي العراق) إنما هي دولة عربية رئيسية، ناهيك عن أن العدوان عليها لأسباب غير مقنعة، بل ومرفوضة، سيشكل سابقة جديدة وخطيرة، ليس على مستوى منظومة العلاقات الدولية على وجه العموم فحسب، إنما على مستوى العلاقات العربية  العربية على وجه الخصوص.

ومن المهم في هذا المقام ولبيان مدى تأثر كل من النظام العربي وجامعة الدول العربية بتداعيات هذا العدوان أن نلقي الضوء على أداء هذا النظام وركيزته المؤسسية (أي الجامعة العربية) تجاه هذا العدوان من جهة وانعكاسات هذا الأخير على النظام المذكور وعلى الجامعة العربية من جهة ثانية. ثم نعرض لتصورنا لما يجب أن تكون عليه خطة عملنا -كعرب- في مرحلة ما بعد الأزمة/ العدوان.

على أن التذكير بالإطار الحاكم لأداء النظام العربي، ممثلا في جامعة الدول العربية، إزاء ما قد تتعرض له إحدى الدول العربية من عدوان.. ربما يكون أمرا مهما كمدخل لتناول الموضوع.

صلاحيات الجامعة

1- ما حدود صلاحيات جامعة الدول العربية في التصدي للعدوان الذي يستهدف دولة عربية، ويهدد سيادتها واستقلالها؟

أشار ميثاق جامعة الدول العربية في المادة السادسة منه إلى ما يلي: "إذا وقع اعتداء من دولة (عربية كانت أو غير عربية) على دولة من أعضاء الجامعة، أو خُشي وقوعه؛ فللدولة المعتدى عليها، أو المهددة بالاعتداء أن تطلب دعوة المجلس (مجلس الجامعة) للانعقاد فورا...".

وواضح أن الميثاق قد قصر سلطة الجامعة في مجال التصدي للعدوان الذي يستهدف دولة عربية على الحالات التي يطلب منها (أي الجامعة) التدخل؛ فالجامعة لا تستطيع التدخل من تلقاء نفسها، وإنما لا بد أن يكون تدخلها بناءً على طلب من إحدى الجهات التي خولها نص المادة السادسة سالفة الذكر ذلك، وهو الأمر الذي يجعل سلطة الجامعة في هذا الخصوص ضعيفة للغاية مقارنة بسلطة الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن.

لكن الإطار الحاكم لدور الجامعة العربية في مجال التصدي للعدوان الذي يستهدف دولة عربية قد طرأ عليه تطور كبير بمقتضى أحكام معاهدة الدفاع العربي المشترك، التي تعتبر وثيقة مكملة للميثاق.

فتنص المادة الثانية من المعاهدة بوضوح على ما يلي: "تعتبر الدول (العربية) المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر أو على قوتها.. اعتداء عليها جميعا..."، كما تنص المادة الثالثة على ضرورة أن "تتشاور (الدول العربية) فيما بينها، بناءً على طلب إحداها، كلما هددت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف".

وأخيرا تنص المادة الرابعة من المعاهدة ذاتها، على أنه "رغبة في تنفيذ الالتزامات سالفة الذكر على أكمل وجه، تتعاون الدول المتعاقدة فيما بينها لدعم مقوماتها العسكرية وتعزيزها، وتشترك -بحسب مواردها وحاجاتها- في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة والجماعية لمقاومة أي اعتداء مسلح".

مشكلة الأداء

2- أداء النظام العربي وجامعة الدول العربية إزاء الأزمة وتداعياتها:

أ- على مستوى النظام العربي عموما:

نلاحظ هنا أن النظام العربي، وإن بدا موحدا إزاء مسألة رفض العدوان الأمريكي على العراق -وذلك على خلاف ما كان عليه الحال في أثناء أزمة/حرب الخليج الثانية 1990/1991 حيث حدث انقسام حاد في الصف العربي- فإن توحده في رفض العدوان لا يعدو كونه توحدا على المستوى الرسمي النظري. فالملاحظ أن هناك على الأقل خمس دول عربية تشارك في المجهود الحربي الأمريكي ضد العراق من خلال فتح أبوابها وأراضيها لتمركز القوات الأمريكية البريطانية، وهي: الكويت، وقطر والبحرين، والإمارات، والمملكة العربية السعودية.

والواقع أن هذا التطور غير مقبول، ويجب رفضه تماما من منطلق المصلحة العربية الجماعية العليا.

نقول ذلك لأن الأزمة/العدوان إنما تشكل أخطر أزمة يواجهها النظام العربي وجامعة الدول العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وربما تقف على قدم المساواة من حيث خطورتها مع أزمة/ حرب 1948 التي مهدت الطريق لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين العربية.

كما نلاحظ هنا أيضا فيما يتعلق بأداء النظام العربي إزاء الأزمة/ العدوان الأمريكي ضد العراق حقيقة أن مصر بوصفها الدولة العربية الأكثر تأثيرا في مجريات الأحداث على امتداد الساحة العربية لم تكن دبلوماسيتها عند المستوى المطلوب، وتصرفت إزاء الأزمة وكأنها دولة عادية.

ب- على مستوى جامعة الدول العربية:

على خلاف الحال في أزمة/ حرب الخليج الثانية في 1990/1991، حيث بادر مجلس الجامعة إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية في نفس يوم الغزو العراقي للكويت، كما اجتمع مؤتمر القمة العربي الطارئ لمناقشة الأزمة في 9 أغسطس 1990، هذا ناهيك عن اجتماع آخر لوزراء الخارجية في آخر شهر أغسطس 1990، على خلاف ذلك، جاء رد الجامعة العربية متأخرا إزاء تطورات أزمة العدوان الأمريكي ضد العراق منذ صيف عام 2002 على أقل تقدير. فالقمة العربية التي كان متوقعا أن تنعقد استثنائيا، لم تنعقد بهذا الوصف، وإنما عقدت كقمة عادية في الأول من مارس 2003.

ويلاحظ على هذه القمة العادية (العاجلة كما أطلق عليها) ما يلي:

- أنها لم تنعقد في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، وإنما انعقدت في مدينة شرم الشيخ، وتقديرنا أنه ربما كان من الأفضل كتعبير عن وقوف الجامعة إلى جانب الشعب العراقي أن تنعقد بمقر الجامعة بالقاهرة.

- أنه غاب عن هذه القمة رؤساء دول: العراق – السودان – موريتانيا - سلطنة عمان - المملكة العربية السعودية – الكويت - فلسطين.

- طرح على القمة بندان رئيسيان، هما: الأزمة العراقية الأمريكية، والأزمة العراقية الكويتية.

والواقع أنه على الرغم من حقيقة أن الأزمة العراقية الكويتية لم يتمكن النظام العربي على مدى الفترة الماضية ومنذ 1990/1991 من احتوائها؛ فإن طرحها على القمة لم يكن أمرا موفقا. فالقمة عقدت لكي تبحث موضوعا أساسيا بل وواحدا، وهو العدوان الأمريكي المحتمل ضد العراق. ومن جهة أخرى فإن الاستغراق في التذكير بأزمة/ حرب الخليج الثانية 1990/1991 وبمسئولية العراق عنها ليس مبررا في الوقت الحالي الذي تتعرض فيه دولة عربية مهمة لحرب مدمرة تهدد سيادتها واستقلالها.

لقد كان متوقعا أن يقف النظام العربي وجامعة الدول العربية جنبا إلى جنب مع العراق ضد العدوان الأمريكي، تماما كما وقفا (النظام العربي وجامعة الدول العربية) في عام 1990/1991 مع الكويت ضد الغزو العراقي.

وتقديرنا أن العرب قد أضاعوا فرصا كثيرة لدعم العراق ورفض العدوان الأمريكي. ولعل في مقدمة هذه الفرص: القدرة على الالتحام مع الرأي العام العربي الدولي، مستندين في ذلك إلى ما يلي:

- التأكيد على أولوية الحل السلمي للأزمة.

- التشديد على البعد الإنساني، وعلى المخاطر التي تحدث للشعب العراقي، جراء العدوان الأمريكي.

- التأكيد على أهمية الالتزام بوحدة المعايير الدولية، على اعتبار أن العراق بافتراض أنه يمتلك أسلحة دمار شامل ليس بالدولة الوحيدة في هذا الخصوص، سواء على مستوى دول العالم كافة، أو على مستوى دول المنطقة تحديدا.

- إبراز أن أي عدوان يستهدف العراق من جانب الولايات المتحدة وحلفائها من شأنه أن يفتح الباب أمام عناصر التطرف التي سترى في هذه الحالة أنها تباشر حقها في الدفاع عن سيادة بلادها واستقلالها، وهو أمر سيعود في النهاية بالضرر على المجتمع الدولي عموما.

الانعكاسات والآثار

3- انعكاسات الأزمة/ العدوان على النظام العربي وجامعة الدول العربية:

لا شك في أن العدوان الأمريكي ضد العراق، منذ بداية الإعداد له في صيف عام 2002 على أقل تقدير، له انعكاساته الخطيرة على منظومة العلاقات العربية العربية برمتها، ومنها:

أ- الكشف عن أوجه الخلل الجسيم في آليات ومؤسسات العمل العربي المشترك، وقدرتها على المحافظة على استقلال الدول العربية.

ب- الأزمة/ العدوان تمثل سابقة خطيرة وحدثا غير مسبوق، وربما تكون مقدمة لسلسلة من الأعمال المماثلة التي تستهدف دولا عربية أخرى كالسودان وسوريا وليبيا ومصر... ناهيك عن أنها ستمكن الولايات المتحدة من تنفيذ برامجها الرامية إلى إدخال تعديلات في منظومات القيم الثقافية والتعليمية والدينية في عموم الدول العربية.

ج- تعميق الانقسامات بين الدول والشعوب العربية. فالشعب العراقي -ومعه قطاعات واسعة من الشعوب العربية الأخرى- لن يغفر لبعض أشقائه من العرب الآخرين وقوفهم بقوة مع الولايات المتحدة في عدوانها المرتقب ضده، تماما كما لم يغفر الشعب الكويتي حتى الآن للعراق عدوانه على أرضه في عام 1990.

د- التأثير السلبي على القضية الفلسطينية، ويتجلى ذلك فيما نشاهده من إطلاق يد آلة الحرب العسكرية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

ما العمل؟

4- ما العمل؟

في نقاط محدودة وقاطعة نرى الآتي:

- بصرف النظر عن التوقعات بشأن مستقبل جامعة الدول العربية في مرحلة ما بعد العدوان، وعما إذا كانت ستبقى أم ستختفي؟ ستخرج قوية أم هزيلة؟ نقول: بصرف النظر عن ذلك؛ لأن المصارحة العربية العربية باتت مطلوبة الآن تماما:

- مطلوب من الدول العربية ذات الثقل في إطار منظومة العلاقات العربية العربية أن  تضطلع بمسئولياتها الحقيقية. إن دولة عربية كمصر مطالبة بأن تعيد النظر في سياساتها ودبلوماسيتها بما من شأنه أن يمكنها من القيام بدورها، على اعتبار أن العدوان على العراق لن تقتصر آثاره السلبية على العراق وحده، وإنما ستمتد إلى عموم الدول العربية، ونحن نرى أن مصر تأتي على رأس قائمة هذه الدول في التفكير الأمريكي.

- مطلوب من الدول العربية أن تكون جد حريصة على تنويع علاقاتها، وتعزز هذه العلاقات مع القوى الدولية الأخرى، وعدم الوثوق في الولايات المتحدة وسياساتها ووعودها.

اقرأ أيضًا:

**أستاذ القانون الدولي- جامعة القاهرة.

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع