المتغير الأوربي والموقف الفرنسي من الحرب على العراق 

د. عمرو الشوبكي**

أمريكيون يشكرون فرنسا لدورها في منع صديقتها الولايات المتحدة من الحرب

مثّل إصرار فرنسا النهائي على استخدام حق الفيتو في مواجهة الحرب الأمريكية على العراق ما يشبه الانقلاب على ساحة العلاقات الفرنسية- الأمريكية، دون أن يعني في الحقيقة أنها وصلت إلى درجة القطيعة أو أن معادلة العلاقات الأوربية الأمريكية قد تحولت على "الطريقة العربية" إلى معادلة صفرية.

ولعل دلالة هذا الموقف الفرنسي الأخير تكمن في أنه مثّل تحولا كبيرا في مواقف فرنسا على الساحة الدولية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة على يد الجنرال ديجول عام 1958، التي اعتمدت أساسًا على إستراتيجية احتجاجية في مواجهة كثير من السياسات الأمريكية، دون القدرة على خلق بديل عملي لها.

"الاستقلال الفرنسي"

رغم تمايز النموذج الفرنسي واختلافه الواضح على المستويين الثقافي والسياسي عن نظيره الأمريكي، حيث بدا في كثير من الأحيان أكثر تحررا وانفتاحا على دول الجنوب من نظيره الأمريكي، فإنه في كل الأحوال لم يصل إلى بناء مشروع بديل يخرج به من داخل "المظلة الرأسمالية"، أو ينجح في بناء "تكتل خاص" مختلف عن التكتلين الكبيرين في ذلك الوقت: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الدور الأمريكي المهيمن على العالم، استمر الدور الفرنسي في داخل الإطار السابق نفسه، حيث ظل متحفظا ومعارضا لكثير من السياسات الأمريكية، ولكنه أيضا ظل عاجزا عن خلق تصورات بديلة قابلة للتنفيذ عمليا للسياسات الأمريكية .

وفي الحقيقة من الصعب مقارنة النموذج الأمريكي بنظيره الفرنسي ليس فقط من زاوية فروقات القوة الموجودة بين الجانبين، ولكن أيضا بسبب قدرة الأول على طرح "سياسات عالمية" تثير الجدل وأحيانا الحنق، أما الدور الفرنسي على الساحة الدولية فعادة ما تحرك في إطار القبول أو التحفظ على تلك السياسات التي أعدها آخرون، وعلى خلفية التفاعل مع بيئة دولية شكلها فاعلون غيره. فقد حرصت فرنسا منذ عهد الجنرال ديجول على "استقلالية" قراراها السياسي عن الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذت بالفعل مواقف مخالفة للسياسات الأمريكية، وخاصة في "الشرق الأوسط "، حيث كانت هي الدولة الغربية الوحيدة التي حظرت بيع الأسلحة إلى إسرائيل بعد 1967.

وقد أقدمت فرنسا ديجول أيضا على الانسحاب من الجناح العسكري من حلف الأطلنطي عام 1966، (عادت إليه عام 1995)، حيث سعت إلى إكمال استقلاها العسكري والنووي عن الولايات المتحدة .

وقد ظلت فرنسا- منذ تأسيس الجمهورية الخامسة وحتى اندلاع الحرب الأخيرة على العراق- في محاولات دائمة لتأسيس خطاب استقلالي في سياستها الخارجية .

وقد استمر هذا التوجه حتى بعد رحيل ديجول ووصول الاشتراكيين إلى الحكم، وبداية حقبة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران (1981: 1995)، حيث لعب الإرث الديجولي الاستقلالي دورا محوريا في صياغة كثير من توجهات السياسة الفرنسية سواء تحت حكم اليسار أو اليمين.

وقد ظلت فرنسا حريصة على أن تتميز في سياساتها الخارجية عن الولايات المتحدة الأمريكية، حتى لو جاء هذا التميز في بعض الأحيان شكليا. فقد طرحت في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران مبادرة اللحظات الأخيرة قبل حرب الخليج الثانية، دون أن تمتلك أي فرصة واقعية لإيقاف الهجوم الأمريكي على العراق عام 1991، ولكنها بدت في النهاية- ولو شكليا- في صورة البلد الحريص والراغب في الحفاظ على السلم الدولي ووقف نزيف الدماء.

وقد ظلت المواقف الفرنسية من الصراع العربي- الإسرائيلي أفضل بكثير من نظيرتها الأمريكية، ولكنها لم تؤد طوال العقد الماضي أي دور انقلابي جديد على ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي، أو صياغة رؤية بديلة للسياسات الأمريكية في مكافحة ما تسميه بالإرهاب تكون قادرة على الفعل والتأثير الدوليين.

ففرنسا ظلت قادرة فقط على أن تحد أحيانا من "شطط" المشاريع الأمريكية، وقادرة على أن تعقلن بعض التوجهات الأمريكية تجاه بعض دول "الشرق الأوسط" دون العراق، ولكنها ظلت عاجزة عن خلق مشاريع بديلة أو "محاور للخير" مثلا في مواجهه محور الشر الأمريكي.
ولعل "الانتصار" الذي حققته الإدارة الأمريكية في أفغانستان قد جعل الإدارة الأمريكية تتوحش في استخدام القوة ضد خصومها السياسيين وضد من أسمتهم بمحور الشر في العالم، ولعل ضعف القدرات العسكرية الفرنسية- مقارنه بنظيرتها الأمريكية- قد جعلها منذ البداية لا تشعر بنشوة الانتصار والزهو الأمريكي الذي جاء بعد "انكسار" 11 سبتمبر، كما جعلها أيضا تبدي قدرة أكبر على نقد "الرؤية الأمريكية الأحادية" لمكافحة ما تسمية بالإرهاب، وبزرع "ديمقراطية" بقوة السلاح وفوق بحور من الدماء .

وهنا في الحقيقة يختلف "السياق المنتصر" الذي خرجت منه الرؤى الأمريكية بعد أفغانستان عن "السياق المراقب" الذي خرجت منه الرؤية الفرنسية. فالأول لديه ميل واضح نحو فرض إستراتيجيته الكونية على العالم مدعومًا بقوة عسكرية وتكنولوجية هائلة، وثقافة سياسية برجماتية تميل إلى رصد النجاحات والخسائر على ضوء الآني والملموس، أما الثاني فقد كان أميل إلى دعم السياسات الأمريكية لمواجهه خطر عالمي يهدد الجميع وهو "الإرهاب"، ولكن هذا الدعم- وخاصة في جانبه العسكري- لم يمثل في الحقيقة رقمًا ملموسًا أو حاسمًا في نجاح الحملة العسكرية الأمريكية.

وقد ساعد هذا الغياب الفرنسي والأوربي المؤثر على مسار الحرب الأمريكية في أفغانستان في إعطائه قدرة أكبر في نقد سياسات ما بعد الحرب على طالبان، وتحديدا في رفض حربها على العراق.

ويمكن القول إن الفرنسيين قد أبدوا حرصا أكبر في فهم التداعيات السياسية والتعقيدات المستقبلية لأي عمل أمريكي في "الشرق الأوسط" في ظل عدم حل المشكلة الفلسطينية، خاصة أن العدوان على العراق بدا وكأنه استمرار للسياسات الأمريكية التي اختزلت أولا مشكلات العالم في الإرهاب، ثم اختزلتها مرة أخرى في القضاء على دول محور الشر دون أن تعترف- ولو مرة واحدة بمحور الشر الإسرائيلي الصهيوني- الذي يرتكب يوميا جرائم مفزعة بحق الشعب الفلسطيني، ويتجاهل أيضا بشكل مطلق قرارات مجلس الأمن التي تنص على انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد ساعد في تبلور هذا الموقف الفرنسي الرافض للحرب على العراق أنها وضعت بعين الاعتبار الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية لمشاعر شعوب لا تقع فقط في الضفة الأخرى من المتوسط، إنما أيضا يعيش منها الكثير على أرضها.

ولعل حساسية الوضع الداخلي في فرنسا التي يعيش على أرضها ما يقرب من 4 ملايين عربي في فرنسا، منهم ما يقرب النصف من حملة الجنسية الفرنسية، وأبدى كثير منهم رفضهم للحرب على العراق، قد جعل الحسابات الفرنسية شديدة التعقيد وجعل رفضها لأي حرب مع العراق راجعا في جانب منه أيضا لتوازنات الداخل. 

المتغير الأوربي

جاء الموقف الفرنسي الأخير في مجلس الأمن والرافض لاستخدام القوة ضد العراق ليضع للمرة الأولى فرنسا في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، قررت فيها- ولأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية- استخدام الفيتو في مواجهة مشروع أمريكي.

وإذا كان هناك دوافع كثيرة وقفت وراء الموقف الفرنسي الرافض لحرب مع العراق، فإن انتقال الاحتجاج الفرنسي من الاحتجاج السلبي على السياسات الأمريكية في المنطقة إلى الاحتجاج الإيجابي مثل تحولا جديدا يتجاوز الأسباب التي سبق ذكرها عن "الاستقلال الفرنسي".

وقد تمثل هذا الاحتجاج الإيجابي في نجاح فرنسا المتحالفة مع القوة الأكبر في أوربا؛ ألمانيا، في وضع الحرب الأمريكية على العراق خارج إطار الشرعية الدولية، وفي تحمل ضغوط هائلة مارسها كل من الإدارة والإعلام الأمريكيين في ظل حملة ابتزاز هائلة لم تشهدها العلاقات الأمريكية- الفرنسية من قبل .

وفي الحقيقة فإن المتغير الرئيسي الذي ساهم في "صمود" فرنسا في وجه الضغوط الأمريكية يتمثل في التطور الذي حدث في بنية التجربة الأوروبية، فرغم أن هناك خمس دول داخل الاتحاد الأوربي رفضت الانصياع للموقف الفرنسي- منها بريطانيا المتحالفة تقليديا مع الولايات المتحدة- فإن وجود ملامح بناء أوربي تقوده القاطرة الفرنسية الألمانية مثّل السند الرئيس لهذا التوجه الجديد.

ورغم أنه من المبكر الآن الحديث عن قطب أوربي جديد لديه سياسة خارجية ودفاعية موحدة، فإن من المؤكد أن التطور الهائل بالمعنى الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي الذي شهدته تجربة الاتحاد الأوروبي سيعطي مؤشرات حقيقية على أننا سنشهد في المستقبل القريب تبلور كيان جديد قادر على أن يلعب دورا سياسيا مستقلا على الساحة الدولية.

ولعل من تابع تطور تجربة الوحدة الأوروبية التي بدأت حين وقعت ست دول أوربية وهي: فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج معاهدة لإنشاء السوق الأوروبية المشتركة في 25 مارس عام 1957 يجد أن أكثر المتفائلين لم يتوقع أن تتحول هذه المجموعة إلى اتحاد، بل إن اتفاقية ماستريخت عام 1992 التي وضعت الأسس الحقيقية لتطوير تجربة المجموعة الأوروبية وصياغة ما سمي بعد ذلك بالاتحاد الأوروبي والعملة الاقتصادية الموحدة وحرية الانتقال وتنسيق السياسات الدفاعية والخارجية... إلخ لم يكن يتوقع الكثيرون نجاحها .

وعليه فإن من المهم النظر إلى التجربة الأوربية باعتبارها عملية تطورية، وأن صعوبة الحديث عن قطب أوروبي في الفترة الحالية لن يعني غيابه في المستقبل القريب، خاصة أن القطار الأوروبي نجح أن يستمر إلى وجهته رغم أن بعض "ركابه" تمسكوا بالبقاء في محطات متأخرة كما حدث مع بريطانيا التي لم تنضم إلى اتفاقية شنغين للحركة داخل الحدود الأوروبية ولا إلى نظام العملة الأوربية الموحدة، ودون أن يؤدي ذلك إلى "فصلها" من الاتحاد ولا إلى "استقالتها" منه.

وفي الحقيقة فإن تلك "النظرة اللحظية" لأوضاع الاتحاد الأوربي التي تراه من خلال مرحلة بعينها، وتسقط تاريخ تطوره، ولا تستشرف مستقبلة، تتناسى قدرة هذه البقعة من العالم على خلق مشروعها الخاص الذي سيكون بالتأكيد خارج المشروع الأمريكي الحالي المفروض بقوة الآلة العسكرية، والذي سيحتاج لدعم من شعوب المنطقة العربية التي بدأت ترفض الإملاءات المهينة للإدارة الأمريكية، وسياسات حكوماتها المحلية على السواء.

وفي كل الأحوال ستظل مسألة "مشروع" القطب الأوربي مؤجله بعض الشيء، وسيظل من المؤكد أنه في حالة اكتماله فإنه لن يكون قطبا بالمعنى الذي ساد إبان الحرب الباردة، ولن يكون محاربا للقطب الأمريكي بقدر ما أنه سيكون منافسا، له وحاملا لمعادلة غير صفرية في أي صراع مع الولايات المتحدة، وقادرًا في الوقت نفسه- إذا أراد- أن يحمل رسالة إنسانية إلى العالم لا يحمل فيها المدافعين عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خراب الحرب والقتل والدمار، خاصة أن الولايات المتحدة أصبحت بعد 11 سبتمبر عاجزة على تقديم مشاريع متكاملة لنهضة المنطقة ديمقراطيا واقتصاديا، ولم يعد في جعبتها الآن إلا مشاريع الانتقام وبث الكراهية والعنف بين الشعوب، وهنا يمكن لمشروع فرنسي- أوربي للمنطقة أن يجد منفذا له، ويمكن له أن يساعد العالم العربي على بناء نظم سياسية أكثر عدالة وديمقراطية لا تصنع خارج الحدود، ولا تمثل وصفات "سابقة التجهيز" على الجميع طاعتها وإلا وضع في خانة الإرهاب.


** مدرس العلوم السياسية- جامعة القاهرة .

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع