 |
|
محاضير
محمد.. عارض العدوان أكثر من
الزعماء العرب |
تحاول
هذه الدراسة أن تحدد أبعاد الدور
الآسيوي تجاه الأزمة التي نتجت عن
تصميم الولايات المتحدة وبريطانيا منذ
مارس 2002 على شن عدوان عسكري على العراق
بدعوى امتلاك أسلحة دمار شامل، وتفسير
مصادر هذا الدور. وسيشمل التحليل في
تلك الدراسة آسيا بالمعنى الواسع،
الذي يضم روسيا بالإضافة إلى
أستراليا، رغم كون الأخيرة قارة
بذاتها؛ وذلك لارتباطها الجغرافي
والسياسي بآسيا.
ويمكن
القول إن الدور الآسيوي في أزمة
العدوان الأنجلو أمريكي كان وما يزال
دورا هامشيا من ناحية، وغير مباشر من
ناحية أخرى، كما أن هذا الدور اتسم
بدرجة عالية من الانقسام بين الدول
الآسيوية نحو تحديد طبيعته.
-
فهذا الدور كان هامشيا؛ لأنه لم يؤثر
وليس من المحتمل أن يؤثر بقوة على
تطورات الأزمة، رغم وجود إحدى الدول
دائمة العضوية في مجلس الأمن في القارة
الآسيوية، وهي الصين؛ فقد اتبعت تلك
الدولة سياسية "التجاهل الحميد"
للأزمة؛ أي الابتعاد عن الأزمة،
والتعبير عن الحد الأدنى من السياسات
الذي لا يكاد يغضب أيا من الأطراف،
واستثمار الأزمة لتحقيق مكاسب في شرق
آسيا.
-
كذلك كان هذا الدور غير مباشر، وذلك من
ناحية الأثر غير المباشر الذي أنتجته
الأزمة النووية الأمريكية الكورية
الشمالية على تطورات الأزمة العراقية.
-
وأخيرا، فقد انقسمت الدول الآسيوية ما
بين دول معارضة بشدة للعدوان الأنجلو
أمريكي مثل ماليزيا، ودول أخرى مؤيدة
بشدة لهذا العدوان مثل اليابان
وأستراليا، وما بين هذين النقيضين
تراوحت سياسيات الدول الآسيوية.
بيد
أننا قبل أن نخوض في التحليل فإننا نود
أن نشير إلى بعض الملاحظات المنهجية.
الملاحظات
المنهجية
الملاحظة
الأولى التي ينبغي الإشارة إليها
متعلقة بالمصطلحات؛ فقد استخدمت
الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون
مصطلحات مثل "الحرب"، و"العمل
العسكري"، و"الضربة" للإشارة
إلى خطط الولايات المتحدة وبريطانيا
لغزو العراق، وهذه المصطلحات التي شاع
استخدامها في الأدبيات العربية هي
مصطلحات تشير إلى علاقة يتحرك فيها كل
طرف ضد الطرف الآخر على ساحة أرض
المعركة بشكل متوازٍ، أو أنها تشير إلى
سلوك دون تحديد مضمونه ودوافعه، ولكن
ما نشهده على أرض الواقع غير ذلك؛ فنحن
إزاء دولة (الولايات المتحدة) تحرك
قواتها بحشدها لمحاصرة دولة أخرى (هي
العراق)، وتعلن عزمها على غزو أراضي
تلك الدولة، دون أن تقوم الأخيرة
بالمثل، بل إنما تقوم بتدمير أسلحتها
تحت الرقابة الدولية، وتعلن عدم
رغبتها في تلك المواجهة.
هذه
العلاقة تتم خارج إطار القانون الدولي
وقرارات مجلس الأمن، ومن ثم فإن الوصف
الصحيح لما تقدم الولايات المتحدة
وبريطانيا هو "العدوان"، تماما
كما وصف العالم الغزو الثلاثي لمصر 1956
بالصفة ذاتها. إن أهمية تلك الملاحظة
تنبع من أن استخدام مصطلح معين يؤثر في
كيفية التفكير في الموضوع الذي يتعلق
به، لقد نجحت الولايات المتحدة في فرض
مصطلحاتها على الساحة الدولية. ولكن من
المهم في الكتابة العلمية استعمال
المصطلح الذي يعبر عن خصائص الظاهرة
محل البحث.
أما
الملاحظة الثانية فهي أن أزمة العدوان
الأنجلو أمريكي قد وفرت إطار
الاختبار، وذلك في بعض المقولات
النظرية في أدب العلاقات الدولية التي
شاع استعمالها في حقبة ما بعد الحرب
الباردة. ولعل أهم تلك المقولات هو ما
يتعلق بالعلاقة بين الديمقراطية
والسلام العالمي؛ حيث شاع القول: إن
النظم الديمقراطية تتجه إلى اتباع
سياسات أكثر سلامية من النظم
التسلطية، بحكم تأثير العملية السياسة
الداخلية في النظم الديمقراطية. هذا
بالإضافة إلى أثر الرأي العام على
السياسة الخارجية للنظم الديمقراطية؛
حيث شاع القول -في إطار مفهوم
الليبرالية الجديدة- بأن الحكومات
الديمقراطية تأخذ في حسبانها أثر
الرأي العام وتوجهاته فيما يتعلق
بالسياسة الخارجية(1).
لقد
أوضحت أزمة العدوان الأنجلو أمريكي أن
صدقية هاتين المقولتين محل شك. ففي تلك
الأزمة نحن إزاء دولة "ديمقراطية"
تتحرش دون سبب واضح بدولة "تسلطية"،
كما أن العملية الديمقراطية الأمريكية
قد سارعت من اتجاه الإدارة الأمريكية
نحو العدوان، ذلك أن الإدارة خلقت مناخ
الحرب، وحولت القضية إلى قضية تهديد
للأمن القومي الأمريكي، ومن ثم أصبحت
معارضة هذا الاتجاه تبدو كما لو أنها
عمل غير وطني، قد تؤدي بمن يفعلونه إلى
خسارة ناخبيهم.
ويفسر
ذلك ضعف المعارضة المعلنة للحزب
الديمقراطي للعدوان، رغم وجود تلك
المعارضة. ويرتبط بذلك قضية أثر الرأي
العام على السياسة الخارجية؛ فقد
أوضحت استطلاعات الرأي العام في
اليابان أن 84% من اليابانيين يعارضون
العدوان مقابل 11% منهم (2) رغم ذلك؛ فقد
أيدت اليابان مشروع العدوان الأمريكي.
وتكررت الظاهرة ذاتها في أستراليا،
وأسبانيا، وبريطانيا. ولعل ذلك يشير
إلى أن موازين القوى، ورؤى النخب
الحاكمة هي التي تحدد السياسة
الخارجية وليس الرأي العام، حتى في
الدول الديمقراطية.
الدول
الآسيوية المعارضة للعدوان الأمريكي
البريطاني
ماليزيا:
لعل
أهم الدول الآسيوية التي عارضت
العدوان الأمريكي هي ماليزيا. وقد تم
ذلك على مستوى الحكومة والرأي العام
معا. فقد عارضت ماليزيا أي عدوان مسلح
على العراق، وفسرت إصرار الولايات
المتحدة عليه بأنه انعكاس "لغطرسة
القوة العظمى" كما قال عبد الله أحمد
بدوي، نائب رئيس الوزراء (3)، وقد رفضت
ماليزيا العدوان المسلح "حتى لو
أعطت الأمم المتحدة تفويضا بذلك" (4)،
كما قال محاضير محمد رئيس الوزراء.
فالأمم المتحدة ليست مطلقة السلطة في
التفويض باستخدام القوة المسلحة؛
لأنها محكومة في هذا الأمر بميثاقها.
والأهم
من ذلك أن ماليزيا وضعت الأزمة برمتها
في سياق الحملة التي تقودها العناصر
المحافظة في الولايات المتحدة ضد
العالم الإسلامي، حيث أشار عبد الله
بدوي إلى أن "حربا ضد العراق سينظر
إليها المسلمون في العالم بوصفها حربا
ضد الإسلام"(5)، وأشار سيد حامد البر،
وزير خارجية ماليزيا، إلى أن "هناك
مخاوف من تزايد المشاعر في العالم
الإسلامي والعربي بأن العراق مستهدف
لأنه عربي ومسلم"(6). بل ذهب محاضير
محمد لأول مرة إلى التعبير عن تفهمه
للأعمال التي يقوم بها "المتطرفون
الدينيون" بأنها رد فعل للمعايير
المزدوجة التي تتبع في العراق وفلسطين
(7). وطالب سيد حامد البر بتطبيق معايير
نزع أسلحة الدمار الشامل على إسرائيل،
كما أدان عبد الله بدوي الولايات
المتحدة لتقديمها وثيقة مزورة إلى
الأمم المتحدة ضد البرنامج النووي
العراقي، ووصف ذلك بالـ"العمل
المقلق والمخزي"(8).
استثمرت
ماليزيا فرصة انعقاد مؤتمر قمة حركة
عدم الانحياز في كوالالمبور لحشد
تأييد الحركة للمطالبة بوقف العدوان
المحتمل، والمطالبة بأن تكون الأمم
المتحدة هي الإطار الوحيد لحل المشكلة.
وذهب محاضير محمد إلى رغبة الدول
العربية الخليجية والدول الإسلامية
الأخرى المصدرة للنفط إلى "النظر في
استعمال آبارها البترولية لوقف
العدوان الأمريكي المحتمل". وفي
تقديرنا فإن محاضير محمد لم يكن ينظر
إلى هذا الاقتراح على أنه قابل
للتنفيذ؛ فقد قصر محاضير عملية
استعمال الأدوات الاقتصادية على آبار
البترول، ولم يضعها في إطار استعمال
الأدوات الأخرى كافة كسحب الأرصدة، أو
المقاطعة الاقتصادية. كما أنه اختار
مجالا لا يلقي على ماليزيا بأي مسئولية
بحكم أنها دولة غير مصدرة للنفط؛ مما
دعا الدول المشاركة إلى عدم أخذ
الاقتراح بشكل جدي.
لم
تكن معارضة الدول الآسيوية الأخرى
بنفس قوة المعارضة الماليزية؛ فقد
عارضت الهند وباكستان وإندونيسيا
العدوان الأمريكي، ولكن دون أن تذهب
إلى الحد الذي ذهبت إليه ماليزيا. كما
عارضت الصين الشعبية -بوصفها عضوة
دائمة في مجلس الأمن-، ولكنها لم تهدد
مرة واحدة باستخدام حق النقض ضد مشروع
القرار الثلاثي في مجلس الأمن الذي
يجيز استعمال القوة المسلحة.
الهند:
أكد
رئيس وزراء الهند "فاجبايي" أنه
يجب حل الأزمة عن طريق الأمم المتحدة؛
لأن الحرب "خيار سيئ"، وأكد أن
انفراد الولايات المتحدة بالأزمة يضعف
الأمم المتحدة، وأن قرارا بهذا الشأن
ينبغي أن يُتخذ من مجلس الأمن(9). والحق
أن هذا الموقف الهندي يبدو غير متسق مع
مجمل التوجه العام للسياسة الخارجية
الهندية في ظل حكومة حزب بهارتيا
جاناتا، وهي توجهات تميل إلى بناء
تفاهم إستراتيجي مع الولايات المتحدة
وإسرائيل.
ويمكن
أن نفهم هذا الموقف في ضوء عاملين:
أولهما استياء الهند من عدم دعم
الولايات المتحدة لحملتها العسكرية ضد
باكستان التي بدأتها في يناير 2002،
ودعوتها الولايات المتحدة إلى التصرف
فورا لتصفية قواعد المقاتلين
الكشميريين. أما العامل الثاني فهو
رغبة الهند في إحراج باكستان لاتخاذ
موقف مناهض للعدوان الأمريكي
البريطاني، وبالتالي إضعاف احتمالات
التقارب الأمريكي الباكستاني، خاصة
بعد ازدياد تلك الاحتمالات بعد القبض
على بعض عناصر تنظيم القاعدة في
باكستان، ويمكن فهم أهمية العامل
الأخير في ضوء أن باكستان عضو غير دائم
في مجلس الأمن، ومن حقه التصويت على
مشروع القرار الثلاثي الذي يجيز
استعمال القوة العسكرية.
باكستان:
على
أي حال لم يكن بمقدور أي حكومة
باكستانية إلا معارضة مشروع العدوان
الأمريكي، والامتناع عن التصويت على
المشروع الثلاثي كما صرح به ظفر الله
الجمالي رئيس وزراء باكستان(9)؛ ذلك أن
علاقات باكستان بالعالم العربي، فضلا
عن قوة تيارات المعارضة الإسلامية في
الداخل التي تمثل المركز الثالث في
البرلمان الباكستاني حاليا لا تدع
مجالا إلا لعدم الموافقة على المشروع
الأمريكي. بيد أن باكستان وضعت
معارضتها في سياق سعيها إلى استمرار
العلاقات الإستراتيجية مع الولايات
المتحدة؛ وهو ما دعا الولايات المتحدة
إلى رفع العقوبات عن باكستان التي كانت
قد فُرضت بعد التفجيرات النووية عام 1998،
ولم يكن واضحا ما إذا كان رفع العقوبات
بسبب مساهمة باكستانية في القبض على
عناصر تنظيم القاعدة وتسليمهم مباشرة
إلى الولايات المتحدة، رغم أنه تم
إلقاء القبض عليهم في الأراضي
الباكستانية، أو بسبب موقفها المحدود
من أزمة العدوان الأمريكي.
إندونيسيا:
كذلك
عارضت إندونيسيا استخدام القوة
العسكرية من أجل تغيير نظام الحكم في
العراق، وأكدت على لسان وزير خارجيتها
حسن ويرايورا -الذي كان سفيرا لبلاده
في مصر- أن "محاولة الولايات المتحدة
في هذه الصدد تؤدي إلى خلل في نظم
القانون الدولي" (10).
ويعتبر
الموقفان الصيني والروسي هما الأكثر
أهمية من بين مواقف الدول الآسيوية
المعارضة؛ ذلك أن الصين وروسيا عضوان
دائمان في مجلس الأمن.
الصين:
أما
الصين فحرصت على الالتزام بسياسة الحد
الأدنى من المعارضة، وسياسة "الإهمال
الحميد" للأزمة؛ فقد دعت الصين -على
لسان وزير خارجيتها في جلسة مجلس الأمن
في 14 فبراير 2003- إلى إعطاء المفتشين
مهلة من الزمن، وعدم استعمال القوة
العسكرية، وأن يكون مجلس الأمن إطارا
لحل المشكلة. ولكن الصين لم تذهب إلى
تلك المعارضة إلا بعد أن بدا لها أن
فرنسا وألمانيا تعارضان المشروع
الأنجلو أمريكي. كما أن الصين لم تهدد
باستعمال حق النقض ضد المشروع. كما
أنها حرصت على التأكيد بعدم وجود تحالف
صيني مع روسيا وفرنسا(11). وكانت الصين
أول دولة في العالم توقف رحلات طيرانها
إلى الكويت تحسبا لحرب محتملة، وأول
دولة تقلص عدد أفراد بعثتها
الدبلوماسية في العراق، وأعلنت خططا
لإجلاء رعاياها من العراق (12).
إن
هذا الموقف الصيني إنما يعكس السياسة
الصينية التقليدية التي تقوم على
الحرص على عدم الدخول في مواجهة مع
الولايات المتحدة لحماية نموها
الاقتصادي الذي يرتبط بالسوق
الأمريكية، وعدم رغبتها أيضا في
الانخراط في قضايا "الشرق الأوسط"
إلا بالقدر الذي يحفظ هذه المنطقة
كمصدر للنفط (70% من الواردات النفطية
الصينية تأتي من "الشرق الأوسط")،
وسوق للصادرات الصناعية الصينية. هذا
كله رغم حرص الصين على التعبير عن
معارضتها للقطبية الأحادية، ورؤيتها
لضرورة إنشاء نظام عالمي متعدد
الأقطاب.
روسيا:
وأما
روسيا فلم يكن لها موقف واضح من الأزمة
حتى تبلور المعارضة الفرنسية
الألمانية للمشروع الأنجلو أمريكي. مع
تبلور تلك المعارضة مالت روسيا إلى
ترجيح الكفة الأوروبية المعارضة، بل
وهددت صراحة -بعد أن فعلت فرنسا ذلك-
باستخدام حق النقض ضد أي مشروع يجيز
استعمال القوة العسكرية ضد العراق. ففي
مؤتمر ميونيخ السنوي لسياسات الأمن
الدولي تحدث إيجور إيفانوف -وزير
خارجية روسيا- مشيرا إلى أن الإرهاب
الذي يوجه إلى روسيا لا يجد من الغرب
إلا التجاهل، وربما التفهم في بعض
الأحيان، في حين تقوم الدنيا ولا تقعد
إذا كان الإرهاب موجها إلى دولة غربية،
وخاصة الولايات المتحدة. وتجاهل
إيفانوف المسألة العراقية رغم أنها
كانت الموضوع الرئيسي للمؤتمر. وقد كان
إيفانوف يرسل إشارة إلى الولايات
المتحدة أنها إذا لم تتعاون مع روسيا
في موضوع "الإرهاب" فإن الأخيرة
لن تتعاون معها في المسألة العراقية.
وبعد
هذا المؤتمر شرعت روسيا في دعم
الموقفين الفرنسي والألماني،
والتهديد باستخدام حق النقض. كذلك مالت
روسيا إلى المعارضة الفرنسية
الألمانية لانفراد الولايات المتحدة
بوضع قواعد النظام العالمي في القرن
الحادي والعشرين بمفردها، وانفرادها
بالملف العراقي، خاصة في ضوء المصالح
الروسية في العراق، وأهمها وجود ديون
عراقية لصالح روسيا تبلغ 10 مليارات
دولار.
الدول
الآسيوية المؤيدة للعدوان الأمريكي
اليابان:
دعمت
اليابان السياسة الأمريكية منذ
البداية، ونذكر أنه عندما قامت
الولايات المتحدة وبريطانيا
بالاعتداء الصاروخي على العراق في
ديسمبر عام 1998 -وقبيل حلول شهر رمضان
مباشرة- أصدرت اليابان بيانا أيدت فيه
العدوان الأنجلو أمريكي. وقد استفسرت
عن هذا الموقف من أحد كبار المسئولين
اليابانيين آنذاك، فأشار إلى أن
اليابان تفعل ذلك "حتى تساندنا
الولايات المتحدة في حالة طلبنا قصفا
مماثلا لكوريا الشمالية". فالدعم
الياباني للولايات المتحدة مرتبط
بالتحالف الأمريكي الياباني في إطار
اتفاقية سنة 1960 من ناحية، وفي إطار
اعتبار اليابان أن كوريا الشمالية
مصدر التهديد الأساسي لأمنها؛ مما
يتطلب منها -في تقديرها- دعم الولايات
المتحدة في عدوانها على الآخرين.
وقد
انتقد كويزومي -رئيس وزراء اليابان-
المظاهرات الدولية المعادية للعدوان
على أساس أنها تبعث برسالة خاطئة إلى
الرئيس العراقي. وأكدت المتحدثة باسم
وزارة الخارجية اليابانية أن المشكلة
هي أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل،
ويجب على الرأي العام الدولي أن يتوحد
إزاء تلك القضية(14). كذلك دعم كويزومي
مشروع القرار الثلاثي في مجلس الأمن
الذي يجيز استعمال القوة العسكرية ضد
العراق(15). وأشار كويزومي إلى أن
اليابان لن تتحمل تكاليف الحرب أو
تشارك في تحمل تكاليفها، ولكنها قد
تسهم في مساعدة اللاجئين العراقيين،
وفي إعادة بناء العراق، ودعم الدول
المجاورة والمتضررة؛ وهو ما يعد
موافقة على العدوان الأمريكي
البريطاني. هذا كله رغم أن استطلاعات
الرأي العام أشارت إلى أن 84% من
اليابانيين يعارضون هذا العدوان، كما
ذهب بعض دعاة السلام اليابانيين إلى
العراق ليكونوا دروعا بشرية في حالة
وقوع العدوان.
أستراليا:
أما
الدعم الأسترالي فقد فاق الدعم
اليابان وتخطاه وسبقه، وقد بدأ ذلك في
10 يونيو سنة 2002، حين التقى هوارد رئيس
وزراء أستراليا بجورج بوش، وأكد دعمه
للسياسة الأمريكية، مشيرا إلى أن
سياسة العراق على صعيد أسلحة الدمار
الشامل "مهينة لكثير من الدول، بما
فيها أستراليا". وتلا ذلك استخدام
هوارد لنفس المصطلحات والمبررات
الأمريكية (وجود أسلحة دمار شامل لدى
العراق، والعلاقة بين العراق وتنظيم
القاعدة).
وكانت
أستراليا الدولة الوحيدة في القارة
التي أرسلت قوات بحرية مسلحة إلى منطقة
الخليج العربي للمشاركة في دعم
العدوان المحتمل. ورغم معارضة 66% من
الرأي العام الأسترالي لسياسة هوارد
فإنه لم يتراجع عن دعمه للمشروع
الأنجلو أمريكي، واعتبر أن هذا الدعم
"قضية أمن قومي".
والواقع
أن هذا الدعم الأسترالي الشامل
للمشروع الأنجلو أمريكي إنما يشكل
امتدادا للسياسة الأسترالية
التقليدية القائمة على التحالف مع
الولايات المتحدة منذ عقد حلف "الإنزوس"
عام 1951 بمشاركة نيوزيلندا، وسعي
أستراليا في حقبة ما بعد الحرب الباردة
إلى الاضطلاع بدور القوة العظمى في
منطقة جنوب شرقي آسيا، وهو ما تمثل في
دورها في استقلال "تيمور الشرقية"،
وإعلان جون هوارد عن أن أستراليا ستقوم
بضرب قواعد الإرهاب في جنوب شرق آسيا
دون استئذان من دول المنطقة، وهو الأمر
الذي أدى بدول المنطقة إلى الاحتجاج
على هذا المشروع الأسترالي.
كذلك
فالخليج العربي هو بالنسبة لأستراليا
منطقة رخوة يمكن تحقيق مكاسب فيها دون
مخاطر حقيقية.
وقد
اتبع هوارد تلك السياسة رغم معارضة
ثلثي الرأي العام الأسترالي لها، وعقب
هوارد على ذلك قائلا: إنه غير مقتنع بأن
الحشود المناهضة للحرب دليل على أن
موقفه لا يتوافق مع رأي الشعب.
الأزمة
الكورية والأزمة العراقية.. هل ثمة
علاقة؟
تزامن
مع الأزمة العراقية أزمة أخرى اندلعت
في شرق آسيا في منتصف أكتوبر 2002، حين
أعلنت الولايات المتحدة أن كوريا
الشمالية قد اعترفت لها بأن لديها
برنامجا نوويا سريا! وبناءً عليه قامت
الولايات المتحدة في 14 نوفمبر بتجميد
الاتفاق الموقع عليه بين الدولتين عام
1994 بخصوص تجميد البرنامج النووي
لكوريا الشمالية مقابل مدّ الولايات
المتحدة لكوريا الشمالية بإمدادات
نفطية، وبناء مفاعلين نوويين يعملان
بالماء الخفيف. ورغم أن كوريا الشمالية
قد نفت أنها قد صرحت للولايات المتحدة
بذلك، ونفت أن لديها برنامجا نوويا؛
فإن الولايات المتحدة جمدت من جانب
واحد اتفاقية 1994؛ مما دعا كوريا
الشمالية إلى التصعيد الذي أدى إلى
الانسحاب من معاهدة "حظر الانتشار
النووي"، والتصعيد العسكري في شبه
الجزيرة الكورية واستئناف برنامجها
النووي.
في
البداية أعلنت الولايات المتحدة -على
لسان وزير دفاعها رامسفيلد- أنها لا
تكترث بالتصعيد الكوري الشمالي؛ لأنها
تستطيع خوض حربين في آن واحد. ولكن
الولايات المتحدة سرعان ما غيرت تلك
اللهجة بالسعي إلى تهدئة الموقف مع
كوريا الشمالية، والدعوة إلى حل
المشكلة في إطار محادثات متعددة
الأطراف.
وقد
أثار الموقف الأمريكي تجاه القضية
الكورية انتقادات للولايات المتحدة
بأنها تتبع سياسة مزدوجة المعايير،
حيث تطلب الحل السياسي مع دولة انسحبت
من معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما
تطلب الحل العسكري مع دولة هي جزء من
هذه المعاهدة، وتخضع للتفتيش الدولي!!
بل وترفض (أمريكا) الحل السياسي بكل
الطرق. بيد أن الولايات المتحدة بررت
السياسة المزدوجة بأن الحل السياسي لم
يستنفد مع كوريا الشمالية بعد، وأن
العراق قد اعتدى على أحد جيرانه (الكويت)،
وأن كوريا في أزمة اقتصادية لا تمكنها
من الاعتداء على جيرانها، وهي كلها
اعتراضات لا تنهض على قدمين في تقديرنا.
والواضح
أن الولايات المتحدة نجحت -على الأقل
حتى الآن- في تجميد الجبهة الكورية
الشمالية وتسخين الجبهة العراقية،
ولكن كوريا الشمالية بادرت بالتصعيد
العسكري، وإجراء اختبار صاروخي،
واعتراض طائرات التجسس الأمريكية؛ مما
أدى إلى قيام الولايات المتحدة بحشد
عسكري في المحيط الهادي، وإن كان هناك
مجال لكي تستثمر كوريا الشمالية
انشغال الولايات المتحدة بالملف
العراقي لتحقيق مكاسب عسكرية في شبه
الجزيرة الكورية.
خاتمة
تميز
الدور الآسيوي في أزمة العدوان
الأنجلو أمريكي بالهامشية كما قدمنا،
وتمثل ذلك في محدودية دور الصين التي
بدت غائبة عن الملف بأكمله؛ مما يدعو
إلى أهمية الحوار العربي الفعال مع
الصين للنظر في مجمل سياساتها تجاه
القضايا العربية، ويدعو إلى دعم مشروع
جامعة الدول العربية ببناء "منتدى
صيني عربي للتعاون". وهو المشروع
الذي جمدته الصين الشعبية. كذلك يدعو
إلى النظر في مجمل العلاقات العربية
اليابانية، والعربية الأسترالية. ويجب
أن نعترف بأن مثل هذه الدعوة ربما لا
تكون ذات جدوى في ضوء مشاركة عدد من
الدول العربية في تقديم تسهيلات
للقوات الأمريكية البريطانية.
فالمعضلة تكمن في الوطن العربي ذاته
وليس في اليابان وأستراليا.
كذلك
فقد اتضح إبان تلك الأزمة هامشية الدور
الذي كان يمكن أن يقوم به مؤتمر "إجراءات
التفاعل وبناء الثقة في آسيا" (سيكا)
الذي تم إعلانه في يونيو 2002 مكونا من 16
دولة آسيوية من يبنها مصر وفلسطين.
ورغم أن هذا المؤتمر نشأ كمؤتمر آسيوي
شامل للأمن والتعاون فإنه لم يضطلع
بدور يذكر في التعامل مع الأزمة؛ مما
يدعو إلى التساؤل عن جدية هذه المنظمة
التي تقودها جمهورية كازاخستان.
الهوامش:
1-
راجع في عرض تلك المقولات: محمد السيد
سليم، تحليل السياسة الخارجية، (القاهرة:
دار النهضة المصرية 1998).
2-
صحيفة الرأي العام (الكويت)، 4 مارس 2003.
3-
صحيفة الأهرام (القاهرة)، 17 فبراير 2003.
4-
صحيفة الأهرام، (القاهرة)، 18 فبراير 2003.
5-
صحيفة الوطن، (الكويت)، 7 مارس 2003.
6-
صحيفة الأهرام، (القاهرة)، 27 فبراير 2003.
7-
صحيفة الأهرام، (القاهرة) 25 فبراير 2003.
8-
صحيفة السياسة، (الكويت) 10 مارس 2003.
يمكن
أيضا الإشارة إلى أن محاضير محمد أكد
أنه لا يوجد دليل واضح عل امتلاك
العراق لأسلحة دمار شامل (17/2)، وذلك
بخلاف عدد من قادة الدول العربية الذين
أكدوا أنه يوجد لدى العراق أسلحة
بيولوجية وكيميائية!
9-
صحيفة الوطن، (الكويت) 19 فبراير 2003.
9-
صحيفة الوطن، (الكويت) 11 مارس 2003.
10-
الوطن، (الكويت) 10 مارس 2003.
11-
صحيفة الوطن (الكويت) 19 فبراير 2003.
12-
صحيفة الأهرام (القاهرة) 17 فبراير 2003.
لم
يرض هذا الموقف الصيني المحدود
الولايات المتحدة؛ فقد كتب توماس
فريدمان مقالاً بعنوان "شريط بكين
اللاحق" (الشرق الأوسط 17 فبراير 2003)
يطلب فيه من وزير خارجية الصين أن يذهب
إلى بغداد، ويضرب المنضدة بقبضتي
يديه، مطالبًا قادتها بالبدء في
الانصياع للأمم المتحدة كي تتحاشى
الحرب.
وأضاف:
"أستطيع أن أفهم أنكم لا تريدوننا أن
نكون مندفعين، ولكن لماذا أنتم
سلبيون؟"، وحذر فريدمان الصين بأنه
في حالة وقوع هجمات أخرى على الولايات
المتحدة فإن الصين ستفقد فائض تجارتها
مع الولايات المتحدة الذي يبلغ 100
بليون دولار، وستنخفض الصادرات
الصينية إذ لن تصدر الصين إلا الشرائط
اللاصقة.
13-
رسالة عبد العظيم حماد في صحيفة
الأهرام، (القاهرة)، 12 فبراير 2003 عن
المؤتمر.
14-
صحيفة الأهرام، (القاهرة)، 18 فبراير 2003.
15-
صحيفة السياسة، (الكويت)، 3 مارس 2003.
16-
صحيفة السياسة، (الكويت)، 3 مارس 2003.
17-
صحيفة الوطن، (الكويت)، 17 فبراير 2003.
18-
راجع: طه المجدوب "ازدواجية
المعايير الأمريكية بين العراق وكوريا
الشمالية"، صحيفة الأهرام، (القاهرة)
16 فبراير 2003. و"أبعاد التناقض
الأمريكي في التعامل مع الأزمتين
الكورية والعراقية"، صحيفة الأهرام
(القاهرة) 23 فبراير 2003.
اقرأ
أيضًا: