المجتمع المدني العالمي ومناهضة الحرب

د. محمد السيد سعيد **

مقدمة:

المجتمع المدني..الربيع المنتظر

برز تعبير "المجتمع المدني العالمي"- مثله مثل تعبير "المجتمع المدني" ذاته- مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية. وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة.

ينهض هذا الربط لا بفضل الالتقاء حول مضمون معين، وإنما بسبب جملة المشروعات والأفكار التي أطلقها انحسار التهديدات المرافقة للقطبية الثنائية وسباق التسلح والحروب الباردة. وقد عكست هذه الخطط والمشروعات روحا تفاؤلية بمستقبل العالم، ومحاولة حث الخطى إلى طرق جديدة لعلاج مشكلاته وتطوير بنياته.

تمثلت الفكرة العامة فيما يلي:

ثمة بشرى بحقبة سلام ممتدة تحدث قطيعة نسبية مع النمط التاريخي للعلاقات الدولية كما تأسست في أوربا منذ القرن السابع عشر. وما يسمى بالخطاب المثالي في العلاقات الدولية صار لأول مرة ممكنا. ومن المنظور الغربي بدا ممكنا مثلا توسيع نطاق الرفاهية والسلام الذي عاشته أوربا منذ الحرب العالمية الثانية إلى أرجاء العالم.

وتنوعت المداخل التي طرحت لتحقيق هذا التصور:

فالبعض طرح خطاب العولمة الاقتصادية التي تعني مد نطاق السياسات والفعاليات التي قادت إلى الرخاء والسلام في الغرب أو الشمال إلى العالم كله، عبر طائفة من الاتفاقيات الدولية والتعديلات الهيكلية المحلية التي تطلق قوى السوق، وتدفع إلى تحسين الإنتاجية، والإفادة الأفضل من الموارد، وتشجع المزيد من التطور التكنولوجي، وتحسن من التنظيم الاجتماعي.

وطرح آخرون بالمقابل عولمة مضادة تقوم على إدراك وترجمة المسئولية المباشرة للعالم المتقدم عن اقتلاع الفقر، وذلك من خلال التوقف عن الاستغلال المالي للعالم الثالث، وتعويضه عن فترات الاستعمار والاستنزاف الزائد للثروات الطبيعية، وتصفية المديونية، والاعتراف بحاجة العالم الثالث لانتهاج طرقه الخاصة بالتطور والنمو والتقدم الاقتصادي الاجتماعي، ومنحه معاملة تمييزية تتحيز لإطلاق قواه المنتجة، وتعفيه من منافسة يستحيل عليه مقابلتها، وتوفر له الموارد اللازمة لانطلاقه الاقتصادي والاجتماعي.

وفي إطار التطلعات نفسها، طرح آخرون مشروع بناء وتطوير المجتمع المدني العالمي الذي توفر بالفعل عناصر حقيقية لنشأته ونموه.

وتفاوت بالطبع فهم كنه هذا المجتمع:

إذ نظر إليه البعض كجزء من تجليات مشروع العولمة، وباعتباره مستوى مواكبا للمستوى الاقتصادي للعولمة. ويمكن القول إن هذا الفهم ينطلق من التبشير الليبرالي بنظام سياسي جديد للبشرية. فالحركة الحرة لرءوس الأموال والتكنولوجيا، وأنماط التنظيم والإنتاج المشترك أو المصنع العالمي يخترق ويتعارض مع البنية القومية للتنظيم السياسي للعالم الموروث من القرن السابع عشر (بالنسبة لأوربا الغربية). ويحتاج الاقتصاد المعولم إلى بنية سياسية تناسبه، ربما تجسدت يوما من الأيام في حكومة عالمية. وحيث إن التنظيم القومي للعالم نشأ على قاعدة عملية بناء الأمة، فالحكومة العالمية يمكن أن تنشأ على قاعدة اجتماعية وبشرية عابرة للحدود القومية وهي "المجتمع المدني العالمي".

2- فهم البعض الآخر مفهوم المجتمع المدني العالمي كجزء من عملية أخرى، وهي النضال المشترك من أجل العدالة الدولية والسلام العالمي. ويقوم المجتمع المدني بدور القاطرة لعملية التحويل الديمقراطي في الداخل عبر النضال الضروري لاستلهام ووضع إستراتيجيات ورؤى جديدة للتنمية والتطور. كما يقوم بدور الجسم الحي الذي يخوض النضال من أجل نشأة بيئة سياسية واقتصادية دولية مواكبة أو مناسبة للتنمية البشرية ذات الوجه الإنساني في العالم الثالث.

ثمة أشياء وعناصر مشتركة بين كل تلك الرؤى. فجميعها تصورت المجتمع المدني العالمي على ضوء البشارة المتمثلة في أفق ممتد للسلام العالمي في عصر ما بعد الحرب الباردة.

وعلى النقيض، فإن المنطق كان يدفع للاعتقاد بأن انهيار المناخ التفاؤلي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة- بسبب هجمات 11 سبتمبر- سوف يقود من جديد إلى موجة صعود أخرى للفكر الإستراتيجي التقليدي المرتبط بالقوة والقدرات العسكرية في العلاقات الدولية، وإلى إعادة الهيمنة إلى خطاب الأمن القومي على العقول وعلى الإستراتيجيات القومية. وقد وقع هذا الانهيار بالفعل بسبب رد الفعل الأمريكي لأحداث 11 سبتمبر. فقد تأسست إستراتيجية اليمين الأمريكي الحاكم على فكرة الحروب المفتوحة التي بررت باسم السلام العالمي أو الأمريكي.

ولكن ما وقع في يوم 15 فبراير خفض حدة تلك التوقعات المتشائمة. فقد تجلى المجتمع المدني العالمي، بأعظم معانيه ودلالاته، في المسيرات الحاشدة والمتزامنة في نحو 6000 مدينة، وأكثر من 70 دولة في العالم، لمناهضة الحرب الأمريكية المزمعة ضد العراق. وقد فرض هذا اليوم نفسه حتى على أكثر المتشككين في مفهوم المجتمع المدني العالمي، باعتباره يوما فريدا في تاريخ العالم، وظاهرة لا يضاهيها شيء في تاريخ البشرية أو واقعها الحديث.

وسوف يسعى كثيرون لفهم ما حدث في هذا اليوم واستكشاف طبيعته ودلالاته طويلة المدى.

وتمثل تلك الورقة إحدى المحاولات لفهم ما حدث يوم 15 فبراير عام 2003 من خلال البحث في مفهوم "المجتمع المدني العالمي".

 وسوف نبحث أولا في المصطلح بالارتباط مع مسيرات العالم في ذلك اليوم.

 ونحاول فهم كيف صار هذا التدفق البشرى الهائل المناهض للحرب ممكنا من خلال تتبع نضوج بعض العناصر التي تمخضت عن التحولات التي شهدها العالم في العقود الماضية.

 ثم نبحث في نظريات مختلفة لتفسير نشوء هذا التدفق المذهل للفعاليات المدنية عبر الفضاء الجغرافي العالمي.

 وسوف نركز في هذا الإطار على دلالات ولادة وتبلور مجتمع مدني عالمي في حقل العلاقات الدولية، ونمط الحضارة الحديثة.

 وأخيرا نستكشف احتمالات التبلور الكامنة في هذا الظاهرة، انطلاقا من العناصر الهيكلية التي نضجت، وتلك التي غابت في أحداث 15 فبراير، ومواقف مختلف التشكيلات الأيديولوجية والسياسية من الظاهرة.

أولا:عالم الفعالية المدنية أو الفعالية المدنية العالمية

إلى أي حد تعكس أحداث 15 فبراير عام 2003 ما نسميه بالمجتمع المدني العالمي؟ ولماذا تحتاج تلك الأحداث لفهمها من خلال مصطلح آخر غير ما درجنا على تسميته بالرأي العام العالمي؟

الواقع أن المسيرات الحاشدة وشبه المتزامنة في عشرات من دول العالم لمعارضة غطرسة القوة والمشروعات العدوانية للدول الكبرى قد لا تكون جديدة تماما. فقد وقعت أحداث مشابهة في مدن كثيرة في العالم ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وكان من اللافت أن بعضا من أكبر هذه المظاهرات والمسيرات قد وقع في لندن وباريس والعواصم الكبرى للدول الأوربية الاستعمارية السابقة. كما أن الحركات الطلابية والشبابية في أوربا وأمريكا ضد الحرب الفيتنامية خلال عقد الستينيات أحدثت دويا مذهلا، وأثرا باقيا على أسلوب الحياة والثقافة والسياسة في العالم الغربي كله.

ولا شك أن تعبير أو مصطلح "الرأي العام العالمي" يصلح لفهم وتصوير جانب مما وقع في يوم 15 فبراير الماضي، ولكنه -أي هذا المصطلح- لا يبدو كافيا للإلمام بعناصر كثيرة من الظاهرة التي تجلت بعنفوانها المفاجئ في هذا اليوم.

لربما نبدأ بالجوانب الشكلية:

فالمسيرات والمظاهرات- خاصة تلك المناهضة للحروب الاستعمارية- هي تجل تقليدي للرأي العام العالمي. ولكن ما حدث في يوم 15 فبراير يتجاوز هذا التجلي، ليس فقط من حيث الاتساع الجغرافي والكم، وإنما أيضا من حيث طبيعة القوى المشاركة والتكوين القومي ودلالاته. فأكثرية القوى المشاركة في المظاهرات والمسيرات العالمية المناهضة للحرب الأمريكية ضد العراق هي طلائع لنشاطية مدنية منظمة لها حضور عالمي. فكأن تلك القوى لم تتدفق إلى شوارع المدن في جميع أنحاء العالم فجأة للاحتجاج على حدث منفرد أو أكثر، وإنما هي قوى مدربة ذات نشاطية سابقة بمناسبة أحداث سابقة وعديدة. وانطلقت تلك الجماهير لا للتعبير عن غضب، وإنما للتعبير عن رؤية وممارسة لكفاحية ممتدة لتطبيق وجهة النظر هذه.

ويرتبط بذلك أن أسلوب التحرك لم يكن يتسم بمجرد التزامن والتركيز على حدث خطير يهدد سلام العالم ومبادئ العدالة الدولية، وإنما أيضا بالارتباط الفعلي والحركي الذي توج عملية بالغة الاتساع والتعقيد لبناء الشبكات وتبادل الرأي في منابر ومناسبات شتى.

ويضمر هذا الوصف أيضا إشارة إلى الدور المذهل الذي تلعبه الأوعية الحوارية الأكثر حداثة، مثل شبكة الإنترنت، والمؤتمرات الكونية، والمظاهرات الحاشدة ذات التركيبة متعددة الجنسيات، التي تمت تجربتها في مناسبات شتى، وفي مختلف مدن العالم، وعلى مستويات مختلفة، بدءا من المظاهرات المناهضة للعولمة، وحتى المؤتمرات العالمية للأمم المتحدة، مثل مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان عام 1993، ومؤتمر القاهرة للسكان عام 1994، ومؤتمر نيروبي للمرأة، وغيرها.

ومن هذا المنظور مثلت أحداث 15 فبراير كتلة مشاعرية ورؤى متحدة على نحو غير مسبوق في التاريخ العالمي، لأنها حملت ميراث الفكر السياسي والمدني الذي تبلور عبر عقود.

ويلفت النظر أيضا في هذه الأحداث الطبيعة الخاصة لتركيبها القومي. فالأغلبية العددية للمشاركين في المسيرات والمظاهرات التي وقعت في هذا اليوم، والفعالية النوعية الأعلى لهذه الأنشطة تخص تلك التي وقعت في مدن أمريكا الشمالية وأوربا وأستراليا، أي في تلك الدول التي تمثل "الغرب الثقافي"، وهي نفسها المستفيدة من الوضع الممتاز للغرب، سواء في ميدان العلاقات السياسية الدولية، أو الرخاء والتقدم الاقتصادي. وبداهة فإنها هي أيضا الدول الوريثة للاستعمار الغربي الحديث. ومعنى ذلك أن هذا التحرك العالمي لم يعكس مصلحة قومية أو اجتماعية مباشرة وإنما رؤية أخلاقية تناضل ضد الامتياز الذي تتمتع به تلك البلاد، بما في ذلك امتياز شن الحرب على الآخرين والضعفاء مثلما هو الحال مع العراق. وقد حدث ذلك من قبل في المظاهرات التي وقعت في أوربا الغربية بما فيها بريطانيا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثي على مصر أو الحرب الفرنسية ضد حركة التحرر الوطني الجزائرية.

ويلفت النظر أيضا أن السوابق التاريخية للنضال ضد الاستعمار والحروب الاستعمارية الغربية من داخل الدول الاستعمارية لم تكن بالضرورة ممثلة للرأي العام- بالمعنى الإحصائي للرأي العام- في بلادها، وإنما طلائع صغيرة من قوى التقدم في البلاد الغربية الكبرى. فقد ظل الفرنسيون يؤيدون الحرب الاستعمارية التي تشنها بلادهم في الجزائر بأغلبية واضحة حتى أقنعهم ديجول بغير ذلك. كما ظل الأمريكيون يؤيدون بنسب عالية الحرب الفيتنامية بالرغم من تدفق النضال ضدها في الجامعات والشوارع. بينما مثلت التدفقات البشرية العملاقة يوم 15 فبراير مشاعر الأغلبيات الساحقة من سكان المجتمعات المتقدمة على الأقل فيما يتصل بالعدوان الأمريكي المرتقب ضد العراق. ولنلاحظ أن تلك المظاهرات قد تحركت لمنع وقوع تلك الحرب أو "المشاركة في صنع القرار العالمي المرتبط بالحرب والسلام" وليس للاحتجاج على حرب وقعت بالفعل.

وباختصار، فظاهرة 15 فبراير ليست مجرد تجسيد للمعنى التقليدي للرأي العام العالمي وإنما هي تجسيد لقيم مدنية وسياسية أو مصالح عالمية أو فوق قومية وعابرة للحدود بين القوميات. وقد نشأت تلك الظاهرة -من حيث المضمون- على أرضية الشعور والإيمان بقيم مشتركة للبشرية، وتم زرع هذا الشعور وهذا الإيمان بفضل نشاطية مدنية عالية، وهو ما يميزها عن الرأي العام العالمي التقليدي الذي توزع بين الأوعية السياسية والحزبية التقدمية واليسارية القديمة مثلما حدث مثلا في عام 1956. فالنشاطية العالمية الحديثة تنبع من أوعية مدنية واتصالية مستجدة إلى حد كبير.

ما هو إذن المجتمع المدني العالمي؟

إننا نعرف المصطلح كفضاء أو حقل للنشاطية أو الكفاحية المنطلقة من الإيمان بقيم عالمية، وبوحدة المصير البشري، على الأقل بالنسبة لموضوعات أو قضايا حاسمة مثل السلام والعدالة والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان.

ويمكن النظر إليه أيضا باعتبار هذا النسيج من الروابط الكفاحية التي تنشأ على قاعدة الإيمان بالمساواة والمسئولية المشتركة والحاجة إلى علاقات عالمية لا تقوم على التسلط أو القوة والامتياز.

وقد نركز على تعريف يتمحور حول الفاعلين في المجتمع المدني العالمي، وهم هؤلاء الذين يمدون نشاطهم في الدفاع عن قيم مدنية إلى الساحة العالمية، ويشملون الجمعيات والروابط والنقابات والهيئات المهنية والمجالس النيابية والمنتديات الفكرية والشبكات الاتصالية والهيئات الدينية، بغض النظر عما إذا كانت صلاحياتها قومية ذات امتداد عالمي أو عالمية بالأصل، هذا فضلا عن الجمهور العام المؤمن بهذه القيم والمرتبط بتلك التجمعات.

وقد ولد مفهوم "المجتمع المدني العالمي" إما من رحم النشاطية والثقافة المدنية القومية، ثم أخذ يمد هذه النشاطية على مستوى عالمي، أو كمستوى نضالي عالمي يشتق طاقته وعناصره البشرية من مختلف القوميات، وينظم عمله عبر روابط واتحادات عالمية أو متعددة الجنسيات، أو عبر تقنيات الحركة الاجتماعية.

ثانيا: نضوج الحالة المدنية العالمية

تبلورت ثلاثة عناصر أساسية لتجعل ولادة المجتمع المدني العالمي ممكنة وهي:

* الثقافة المدنية العالمية.

* الأطر والأوعية التنظيمية الجديدة والنسق الاتصالي المناسب.

* هوامش الاقتصاد والتمويل الضرورية لتفعيل مختلف صور النشاط الذي يميز ممارسة الروابط والهيئات والاتحادات والشبكات المدنية العالمية لنشاطاتها عبر الحدود.

وقد نمت هذه العناصر جزئيا بصورة عفوية، وجزئيا بصورة مقصودة. وإن كان هذا النمو غير متوازن حتى الآن فيما بين مناطق العالم، وفيما بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، وكذلك فيما بين المراحل المختلفة للتطور لمختلف داخل نفس الدول والأقاليم.

أ - الثقافة المدنية العالمية:

فالثقافة المدنية العالمية بدأت تتبلور منذ الحرب العالمية الثانية بفضل نخبة مدولة تكونت في طيف واسع من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية. ولعبت المنظمات المتخصصة للأمم المتحدة الدور الريادي في إرساء الإحداثيات الكبرى للثقافة المدنية الحديثة. ففي مجال الثقافة الرفيعة والعلاقات الثقافية الدولية لعبت منظمة اليونسكو دورا رائدا، وخاصة فيما يتعلق بالحقوق الثقافية للشعوب، وهو ما أخذ طريقة إلى الرواج العالمي عبر عدد من الإعلانات الدولية. وفى مجال مكافحة الجوع والمجاعات والأوبئة لعبت منظمات مثل الأغذية والزراعة والصحة العالمية أدوارا مهمة. وفى مجال التنمية والتجارة لعبت منظمات مثل الأمم المتحدة للتنمية الفنية والأونكتاد دورا مبدعا على الصعيد الفكري. وفى مجال حقوق الإنسان والبيئة والمرأة والأقليات نشأت منظومة كاملة داخل الأمم المتحدة بدءا من المجلس الاقتصادي والاجتماعي واللجنة العامة وصولا إلى اللجان التعاهدية، وهكذا.

ورغم الطابع البيروقراطي للأمم المتحدة، فقد التف حولها وحول منظماتها المتخصصة عدد هائل من المفكرين والنشطاء في مختلف المجالات، وخاصة من أوربا الغربية والعالم الثالث، الذين اجتهدوا- عبر موجات من التراكم والطفرات الفكرية- في وضع أهداف وتصورات ومعايير أداء وآليات عمل وجدت قبولا عالميا متزايدا.

غير أن دور الأمم المتحدة كان بالضرورة مقيدا بطابعها الحكومي. كما أن النخب الفكرية ذات الأفق العالمي- بغض النظر عن أصلها القومي- لم تكن ذات قدرات تواصلية كبيرة مع شعوبها ذاتها، وهو ما حرمها من بناء نفوذ واسع في بلادها، أو على المستوى العالمي. ولذلك تدفقت أفكارها عبر قنوات حكومية دولية أو محلية. وبسبب تلك القيود وأوجه النقص نشأت أو نشطت أعداد مدهشة من المنظمات غير الحكومية العالمية أو متعددة الجنسية، بدءا من منظمات العلماء واتحادات المهنيين، مرورا بجمعيات الدفاع مثل "منظمة العفو الدولية"، وصولا إلى المنابر الفكرية متعددة الجنسيات في محاولة للقيام بدور جماهيري، أو يخاطب جماهير العالم وحكوماته.

والواقع أن الجهد الأساسي الذي قامت به هذه المنظمات غير الحكومية لم يتعلق بإنشاء أهداف أو قيم مدنية، وإنما بترويجها بين أوساط شعبية مختلفة، والتعبئة المنظمة لها، وتحسين التشريع وإحكام آليات العمل.

وجاءت مرحلة ثالثة نمت فيها أدوار المثقفين والنشطاء من العالم الثالث على هامش المنظمات غير الحكومية الدولية في البداية، ثم عبر منظماتهم القومية أو الإقليمية الخاصة بهم.

وحملت تلك الموجة الأخيرة قدرا كبيرا من التجديد الفكري والقدرات التنظيمية، ربما بحكم أصولها ونشأتها في صفوف حركات وأحزاب اليسار التي كانت تتعرض لتفكك واسع في مختلف بلاد العالم الثالث، وهو ما أتاحها للنضال المدني.

كما أن أعدادا كبيرة من القيادات الجديدة العاملة في المنظمات الدولية غير الحكومية جاءت من صفوف المنفيين السياسيين، الذين كانت لديهم خبرات محبطة في العمل السياسي في بلاد مختلفة من العالم الثالث، مثل إثيوبيا والسودان وباكستان والهند والبلاد العربية في المشرق، وأعيد تثقيفهم بثقافة ديمقراطية في بلاد المنفى في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية.

كان ثمة جيل جديد من الأوربيين الذين لم يتربوا في- أو يعرفوا شيئا عن- تنظيمات المعارضة اليسارية التقليدية، ولم يتعرضوا للمخاوف نفسها والضغوط الإستراتيجية الدولية المرافقة للقطبية الثنائية والحرب الباردة. وصل هذا الجيل إلى المجال العام في أوربا وأمريكا في عقد التسعينيات، أو في بداية القرن الحادي والعشرين. هذا الجيل شعر بخطورة انحراف السياسة الأوربية والأمريكية إلى اليمين واحتكار الساسة المحترفين للساحة السياسية. هذا الجيل ورث جانبا من الثقافة المضادة التي تمخضت عنها الحركات الطلابية واليسارية الجديدة وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وتأثر هذا الجيل بمصادر فكرية غاية في التباين؛ بدءا من الكنيسة، حتى ما بعد الحداثة. هذا الجيل لم يظهر انشغالا بقضية الدولة، ورفض الاستقطاب الحاد المعروف في السياسة الأوربية بين اليمين واليسار، وكان يهفو إلى طريق ثالث بين اليمين واليسار التقليديين، ويتوق بالذات إلى نمط أو مفهوم جديد للسياسة وللديمقراطية يقوم أساسا على مطلب نشر السلطة وتقريبها لعموم الناس، والمشاركة الشعبية المباشرة. وشكلت الأجندة المدنية أفضل مدخل لهذا المفهوم لأنها أكثر استجابية لطبيعة المشكلات الجديدة في المجتمعات المتقدمة مثل مشكلات الهجرة والتعليم والمدن والجريمة. وكان من الطبيعي أن يمنح هذا الجيل عمقا جماهيريا غير مألوف للثقافة المدنية التي تراكمت وتطورت في الأوعية الدولية الحكومية وغير الحكومية.

أما في العالم الثالث فإن تحلل وانهيار السياسة التقليدية المرافقة لحركات التحرر الوطني، والسياسات التسلطية، والتصدعات الحزبية قاد قطاعات جماهيرية واسعة إما إلى النضال عبر حركات اجتماعية أو سياسات تحالفية أقل استغراقا في الأيديولوجيات الكبرى التقليدية، أو إلى النضال المدني الذي أهمل في النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم هنا هو أن الخبرة المباشرة بالشأن الاجتماعي مثل قضايا الفقر والجريمة وتحلل البنية الأساسية في المدن وقضايا المرأة والأسرة والأطفال والتعليم والصحة والبيئة وغيرها، قاد العقول الحية إلى البحث عن أطر بريئة من الاحتراف السياسي، ونحو العمل المباشر، وخاصة في الهياكل الجمعياتية، وهو ما منح بدوره زخما كبيرا للأجندة المدنية، وأظهر الحاجة إلى كفاحية مدنية.

ورغم أن السياسة- بمعناها الأيديولوجي التقليدي- غابت عن أفق الأجيال الشابة الراهنة في أوربا وأمريكا الشمالية إلى حد بعيد، فإن أهم وأكثر قطاعاتها تقدما كانت تتلمس وتبحث عن أسس لحضارة عالمية أو سياسات قومية جديدة، وهو ما قادها إلى الدفاع عن السلام العالمي، أو على الأقل إظهار التبرم والرفض لتلك السياسات والتوجهات التي تعود بالعالم إلى عصر الحروب والإنفاق العسكري الكبير المستقطع من موازنات التعليم وإحياء المدن والصحة وغير ذلك من القضايا الإنسانية والمدنية الكبرى والملحة. ومثلت السياسة الأمريكية نحو العراق المناسبة الأكثر تفجرا لتدفق هذا الرفض.

ب- الأطر والأوعية الاتصالية الجديدة:

لقد تزامل وصول تلك الأجيال والخبرات والتطلعات الجديدة في أوربا وأمريكا الشمالية إلى المجال العام مع أزمة طاحنة للفضاء السياسي التقليدي الذي احتلت فيه الأحزاب السياسية الحيز الأكبر طوال القرن العشرين. وفي الوقت نفسه أتاحت تكنولوجيا المواصلات والاتصال العصرية فرصة تطوير قنوات وأوعية أخرى لتحل جزئيا محل الأحزاب التقليدية في الفضاء العام. فالأطر الجمعياتية ومجالس المدن والمقاطعات والأحياء والشبكات الاتصالية المكونة في الفضاء الإلكتروني وروابط الأصدقاء متعددي الجنسيات والاتحادات المهنية والمؤتمرات والمعسكرات الشبابية والعالمية والمنتديات الثقافية والفكرية والحركات الاجتماعية -صارت أكثر أهمية، ليس فقط من الأحزاب السياسية، بل ومن النقابات والحركات العمالية التقليدية.

لقد صارت تلك الأوعية أكثر قدرة على استيعاب طاقات الأجيال الجديدة في أوربا وأمريكا الشمالية، وبدرجة أقل في العالم الثالث، لأسباب عديدة:

* فهي أنسب لأجيال أقل اهتماما بالأيديولوجيات وبالثقافة السياسية من آبائها، وأكثر تمتعا بالإنجازات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية.

* ثم إن تلك الأوعية أكثر قربا وتلامسا مع الواقع المعيش.

* وهي أيضا أكثر ديمقراطية وأقل هيراركية، ولا تستلزم انضباطا أو تدريبا حزبيا من النمط التقليدي للعمل في الفضاء العام.

* وهي فوق ذلك أكثر قابلية للإشباع النفسي بحكم سرعة إثمار العمل المدني المباشر.

* وهي أيضا أكثر انفتاحا على البهجة، واقل كآبة من الممارسات الحزبية التقليدية. فحتى المظهر المباشر للمسيرات والمظاهرات صار يندمج مع طقوس الغناء والموسيقى والتجمع والسوق، وربما الرقص واستعراض الفنون والمعارف وأنماط الاستهلاك الشعبي. وبهذه المعاني فقد صارت أقرب للأسلوب الأمريكي والأوربي في ممارسة الحياة العادية والاحتفالات الشعبية.

* ولا بد من الإشارة المركزة من جديد إلى أثر الفضاء الإليكتروني في التعارف وبناء الشبكات الثابتة والمتحركة والاتصال ونشر وترويج الشعارات والمواقف.

ج- العامل الاقتصادي:

أما العامل الثالث الذي أسرع بإنضاج المجتمع المدني العالمي فهو العامل الاقتصادي. ويشمل هذا العامل جوانب مختلفة. فالتطور العام في التكوين الاقتصادي الحديث صار يتحيز كثيرا لصالح الأنشطة الخدمية ذات الدخل المرتفع ووقت العمل الأقل. وتسمح ميادين كثيرة من الخدمات بالتمتع بالحياة وبوقت فراغ أطول مما كان متاحا في أي وقت سابق من التاريخ. بل إن أنشطة العمل نفسها صارت مصدرا للمتعة والتعارف الشخصي والاحتكاك الاجتماعي، واستعادة التكامل، والنظرة الكلية، بالمقارنة بتقسيم ورتابة العمل في الصناعة أو الزراعة التقليدية.

وقد مكن هذا التحول ملايين الناس من السفر والاحتكاك بثقافات أخرى، وكذلك بتخصيص وقت للفضاء العام دون الشعور بالملل، ودون حاجة لهذا المستوى من الحماسة التعصبية التي كانت تميز العمل السياسي في الماضي، وربما لا زالت تستلزمه في كثرة من بلاد العالم الثالث.

والواقع أن التطور نفسه في طبيعة العمل في المجتمعات المتقدمة، وفي طبيعة أنشطة العمل صار يتحيز للسلام بين الشعوب. فلدينا بطبيعة الحال حالة الهجرة الدولية (130 مليون مواطن في أوربا الغربية وحدها). وبينما تثير تلك القضية مشكلات لا حد لها، فهي تفرض أيضا قدرا من حتمية التعايش، بما في ذلك الزواج وتكوين الأسر متعددة الجنسيات أو الخلفيات الثقافية. ومن ناحية أخرى فإن التطور المذهل في أنشطة السياحة الدولية وما يسمى بقطاع الكرم (ويضم خدمة النقل بالطيران والقطارات السريعة والفنادق والمطاعم والمتاحف والصناعات الثقافية الأحدث) يقوم على فكرة السلام الممتد، ويتطلب قدرا عاليا من الاستقرار في البيئة الدولية، وينشر بذاته رواجا للثقافة المدنية.

أما الجانب الأخير والذي يهمنا هنا بوجه خاص فهو التوسع المدهش في الوقفيات المفوضة ذاتيا بالاتفاق على الأنشطة غير الربحية، التي تكاد تتحد مع الأجندة المدنية والثقافة المدنية. فإلى جانب الوقفيات الكبيرة ذات الأصول العائلية مثل روكفلر وفورد وفولبرايت... إلخ فكل النقابات والاتحادات الصناعية والمهنية الكبرى تخصص وقفيات للغرض نفسه. كما أن كثيرا من شركات الأعمال الكبيرة تقوم بالعمل نفسه. وهناك كثرة من الحركات الاجتماعية مثل حركة المرأة، والهياكل الأكاديمية، ووقفيات العلماء والإعلاميين الكبار والنجوم... إلخ. وأخيرا فإن كثيرا من الكنائس الغربية تقوم بتمويل كثير من الأنشطة الخيرية أو التنموية أو الاجتماعية في عشرات من دول العالم.

لقد قدمت تلك الوقفيات خدمة لا غنى عنها لتطور المجتمع المدني. فالمنح المقدمة للمنظمات والأنشطة المدنية- وخاصة في البلاد الأم وفي العالم الثالث- تعد حيوية لمزاولة الأنشطة المدنية غير الربحية، على الأقل في مراحل النشأة. ولم يكن من الممكن لكثير من المؤتمرات والتقارير والأنشطة ذات الصلة -بما في ذلك تلك التي تديرها الأمم المتحدة- أن تنشأ أصلا بدون الإنفاق على الطباعة والسفر والحاجات الأخرى للعمل المدني، عبر منح من مختلف الوقفيات. وبينما لا تخلو تلك الظاهرة من عيوب ومثالب، وخاصة إذا قارناها بالحركات الاجتماعية التي لا تكاد تحتاج إلى تمويل، فلم يكن من الممكن مجرد تصور قيام عشرات من المنظمات ومئات من المؤتمرات والتقارير الدولية واللقاءات المهنية والفكرية والحركات الدفاعية بدونها.

ثالثا: الرؤى النظرية

إذا كانت هذه هي بعض العوامل المباشرة وراء نشوء المجتمع المدني العالمي فكيف نفهمه في السياق العريض للعلاقات السياسية والاجتماعية على المستوى العالمي.

1- لقد تعلقت الأنظار لفترة طويلة بنظرية الاعتماد المتبادل كشرح مقبول لنشوء المجتمع المدني العالمي. وتنبثق نظرية الاعتماد المتبادل عن الباراديم (النموذج الأساسي) الوظيفي كبديل لشرح العلاقات الدولية في النظرية الكلاسيكية للعلاقات الدولية باعتبارها علاقات قوة. من هذا المنظور فالعالم يتطور تبعا لنبوءة المدرسة الوظيفية التي ترى أن الاقتصاد والروابط العالمية الجديدة تحتم تحرك النظام العالمي كنظام وظيفي في اتجاه بناء السلام بين الشعوب وتقليص أو إلغاء الحاجة إلى الحروب، حيث تتعلق مصالح الدول والشعوب بالتعاون والاعتماد المتبادل وتصير رفاهية كل شعب معتمدة على الشعوب الأخرى.

ولكن تلك النظرة المتفائلة للعلاقات الدولية لا تشرح أو تفسر مظاهر استعراض القوة والحروب الصغيرة والكبيرة مثل الحرب ضد العراق. ولذلك حاول الوظيفيون الجدد أن يعدلوا هذا الإطار النظري لإدخال علاقات القوة إلى صلب النظرية، فأكدوا أن الاعتماد المتبادل نفسه ليس رفاهية وسلاما بحتا، وإنما هو أيضا علاقة قوة، إذ تختلف درجة حساسية كل اقتصاد نحو الآخر أو نحو الاقتصاد العالمي. فالعملات مثلا ليست بالقوة ذاتها، وتتأثر عملات معينة- أكثر من عملات أخرى- بالهزات في الاقتصاد العالمي. والأهم هو أن تعرُّض أو انكشاف اقتصاد ما للهزات أو لسلوك اقتصاديات أخرى ليس على الدرجة نفسها. وتستطيع دول معينة إحداث ضرر أكبر بالآخرين نظرا لانكشافهم بدرجة أكبر أمامها. وبهذا المعنى فهناك تبعية متبادلة ومصالح متشابكة بين الجماعات والشعوب، ولكن هناك أيضا فجوات وعلاقات قوة.

ومن هذا المنظور أيضا فالعولمة ليست إلا تعبير خاص عن تمدد واتساع الاعتماد المتبادل وتطور العالم كنظام وظيفي جديد أو مختلف. والمجتمع المدني العالمي في هذا الشرح هو الجانب الاجتماعي من العولمة التي تتجلى بأشكال أخرى.

ويصطدم هذا الشرح مع أحد أهم صور النضال أو دوافع أو "مهام" المجتمع المدني العالمي، وهو مناهضة العولمة. فأقوى مظاهر تحرك المجتمع المدني العالمي قبل مظاهرات ومسيرات السلام الحالية تجسد في المظاهرات الصاخبة ضد العولمة الرأسمالية، بدءا من "سياتل" و"نجازاكي" و"روما" حتى "واشنطن" خلال عام 2002. وتبدو حركة مناهضة العولمة كنموذج مثالي للحركات الاجتماعية العالمية التي تأخذ بألباب الأجيال الشابة في العالم. وهي في الوقت نفسه مظهر مميز لكفاحية المجتمع المدني العالمي.

ولا شك أن هذا النضال ضد العولمة ثم ضد التهديد بالحرب يفضح حقيقة أن العلاقات الدولية الرسمية لا تزال تقوم على القوة وعلى عدم التكافؤ في القوة.

2- ويشرح الماركسيون الجدد واليسار الجديد بصورة عامة منطق النضال ضد العولمة باعتباره شكلا خاصا من النضال الطبقي ضد الرأسمالية المعولمة. وبهذا المعنى، فالمجتمع المدني العالمي هو نوع من التحالف الأممي ضد الرأسمالية المدولة في طورها الوحشي أو الليبرالي الجديد. ويؤكد هذا الشرح أن القوى المدنية الجديدة التي تناضل ضد العولمة الاقتصادية تتخذ المنظمات والرموز الكبرى للعولمة الاقتصادية هدفا كبيرا لنضالها. وتدرك تلك القوى أن تصفية استغلال أو إهمال العالم الثالث هو بنفس الوقت كفاح من أجل مصالحها في الحصول على تعليم وخدمات صحية ورفاهية أفضل. وأن النضال ضد الحرب هو أيضا كفاح من أجل تحررها من الاستغلال الأشد المصاحب لصعود ما يسمى بالليبرالية الجديدة.

ولكن هذا الشرح لا يفسر لماذا لم تشارك الطبقات العاملة بصورة جادة في النضال المدني العالمي، رغم أنها صاحبة مصلحة مؤكدة في هذا النضال. بل إن الطبقات العاملة والنقابات التقليدية فضلت النضال من المنظور القومي وتركت صيحة ماركس "يا عمال العالم اتحدوا" دون استجابة، بل فضلت اللجوء لمقاومة العولمة من خلال التشريعات القومية والأيديولوجيات الوطنية والسياسات الحكومية.

3- ومن ناحية أخرى يؤكد كثيرون أن النضال ضد العولمة في سياتل وروما ونجازاكي وغيرها من مواقع مؤتمرات مجموعة الدول السبع أو الثماني الصناعية الكبرى هو نفسه تعبير عن العولمة. فلم يكن من الممكن أن تقوم المسيرات والمظاهرات والحركات المطلبية بالنضال ضد العولمة إلا بفضل العولمة. ولكن هذا التفسير يخلط بدوره بين الشكل والمضمون. فلا شك أن النضال ضد العولمة يتحقق بفضل العوامل التي تجعل من الممكن تعبئة أشخاص ومنظمات وقوى مدنية من جميع أنحاء العالم. ولكن هناك فارق بين تلك العوامل من ناحية ومضمون النضال من ناحية أخرى. فالنضال ضد العولمة لا يمكن أن يكون مجرد جزء أو تعبير عن العولمة نفسها. ولذلك أطلق الكثيرون على هذا النضال "عولمة مضادة"، استلهاما لتعبير الثقافة المضادة التي ألهمت حركة الشباب والحقوق المدنية في عقد الستينيات.

4- ويشير البعض إلى السياق الذي انبثقت فيه عملية النضال ضد العولمة كثورة كونية ذات أبعاد متعددة وخاصة البعد المعرفي والتكنولوجي الاتصالي.

في هذا الإطار قد يمكننا فهم نشوء المجتمع المدني العالمي وتبلوره أو نضوجه النسبي، كأحد تجليات الثورة التكنولوجية الراهنة، بما صاحبها من فورة ثقافية على المستوى الكوني. ويبدو أن العامل المحرك من وجهة النظر هذه هو سقوط "النماذج الأساسية الكبرى"، وظهور حساسيات إنسانية جديدة من ناحية، وبروز أخلاق واهتمامات عالمية جديدة من ناحية ثانية.

وبوسعنا أن نرى في هذه النظرية صياغة مستحدثة لفكرة "القرية الكونية". وتعبر تلك الفكرة أساسا عن الضمير أو الوعي الليبرالي الذي بشر مبكرا بالنتائج الإيجابية للثورة الاتصالية من خلال يوتوبيا القرية الكونية. فالفكرة لا تقول بسقوط القوميات أو نهاية المرحلة القومية، ولكنها ترى وعيا جديدا يخرج من شرنقة الدولة القومية، ويهفو لأنماط من التواصل والانتماء عابر للحدود القومية، بل وللحدود المرسومة بين الثقافات. فكأن القرية الكونية تتجاوز المفهوم الاتصالي الذي يلغي المسافات ويعكس بروز مواطنية جديدة عالمية أو كونية.

وهذا الوعي بالمواطنية العالمية أو الشعور بالمسئولية المباشرة عن مصير العالم، وإدراك أن البشر صاروا يتعلقون بهذا المصير المشترك هو ما يميز المجتمع المدني العالمي باعتباره "مواطنية جماعية للعالم" أو للإنسانية.

5- وقد نجد تعبيرا خاصا عن تلك الظاهرة نفسها في نظرية أخرى تتفرع عن نبوءة ما بعد الحداثة. فثورة الوعي ضد "النماذج الأساسية" أو الباراديمز الكبرى قد تنتهي إلى اضمحلال أو على الأقل خفوت الدولة القومية كإطار للفعاليات والنشاطات الاجتماعية.. ومن هنا تبرز فكرة ما بعد الحداثية القائلة بما بعد الدولة القومية. وتعكس تلك الفكرة أيضا الثورة على النمط الكلاسيكي للسياسة أو ظهور منظور "ما بعد السياسة". فالسياسة التقليدية كما قلنا ركزت على "التدافع" والتنافس والتحزب، وخاصة في النسق الديمقراطي الغربي. بينما الممارسة التي تميز الأجيال الحالية تركز على الحاجة للتكافل والعمل المشترك والتحالفات الكبيرة العابرة للحدود بين الأيديولوجيات والأحزاب الأيديولوجية التقليدية. وقد رأينا نماذج فذة لهذه الظاهرة في المسيرات والمظاهرات التي انبثقت ضد التلويح بالحرب على العراق في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية حيث تزامل في المظاهرات نفسها قوى تأثرت بشدة بشعارات "الإسلام السياسي"، مع التروتسكيين، والفوضويين، وأنصار الراديكالية السوداء، وحركات المهاجرين، مع اليهود التقدميين، والأرثوذكس المعادين للصهيونية والمتأثرين بالفكر المسيحي الحديث... إلخ.

وكانت أزمة نمط السياسة التقليدية الذي ساد العالم الغربي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين قد بدأت تطفو على السطح، وذلك من خلال ظواهر وتعبيرات مثل "أزمة المحكومية"، وعدم الاكتراث الظاهر في النسب المنخفضة من التصويت في الانتخابات العامة في المجتمعات الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وأوربا الغربية. هذه الظواهر تكشف عن فهم شائع للسياسة التقليدية باعتبارها ممارسة يحتكرها الأقوياء ويستبعد منها الضعفاء. وبالمقابل تتجه الممارسة السياسية للأجيال الراهنة إلى التعاطي مع الشروط والظروف المباشرة للحياة، وهو ما يعطي أولوية للأجندة المدنية. ولكن تلك النظرية قد تشرح بروز أنماط من السياسة المحلية ولا تفسر بالضرورة نشوء وتطور المجتمع المدني العالمي.

وإضافة لتلك الشروحات النمطية فكل منها قد يضيف عناصر أو زوايا إضافية تحاول الإلمام بالظواهر المخالفة. فمثلا يستبشر عديد من الماركسيين المحدثين بتجليات المجتمع المدني باعتباره "أممية جديدة"، وهو ما ينقل التركيز من الطبقات العاملة التقليدية إلى النشطاء المدنيين، وخاصة في الحركات الحقوقية، وحركة المرأة، والبيئة. بينما لا يمانع الليبراليون التقدميون من تنشيط حركة مناهضة العولمة والحرب على اعتبار أنها تتجه لتصفية "الجوانب الإقطاعية" من الرأسمالية المعاصرة، وتفرض مسئولية اجتماعية عالمية على رأس المال المدول أو المعولم.

6- ويمكننا أن نشرح نشوء وتطور المجتمع المدني العالمي باعتباره "تمددا عالميا" لحركات اجتماعية أو سياسية غربية المنشأ أكثر منها "تحالفا" حقيقيا بين قطاعات وحركات اجتماعية متعددة الجنسيات. فالعناصر الأساسية اللازمة لنضوج المجتمع المدني العالمي تحققت في المجتمعات الغربية أو الصناعية المتقدمة أكثر مما تحققت في الأفق الكوني بذاته. ولكن هذا الشرح لا ينطلق من مفهوم المصلحة فحسب، بل من مفهوم الرؤية بصورة أكبر.

لقد ثارت نضالات تاريخية كبرى انطلاقا من "رؤى" أكثر كثيرا من دافع المصلحة وخاصة إذا فهمنا هذا المصطلح الأخير من زاوية الطبقات وأنماط الإنتاج. فحركة مناهضة التجارة في العبيد أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم يشارك فيها هؤلاء الذين تتأثر مصالحهم الطبقية، وإنما هؤلاء الذين جرحتهم وأهانتهم بشدة فكرة التجارة في البشر، وحركت لديهم حساسيات نضالية عالمية وإنسانية حقا. وحركة السلام لم تكن تعبيرا عن مصالح طبقية أو اقتصادية بل كانت تعبيرا عن رؤية مناهضة للحرب بذاتها ولما تسببه من آلام بشرية عميقة وواسعة النطاق. وحركة حقوق الإنسان لم تكن تعبيرا عن دوافع طبقية أو سياسية مباشرة، بل كانت انعكاسا لالتزام فكري أو رؤية إنسانية. وتقودنا دراسة شخصيات الأجيال المؤسسة بالذات لهذه الحركة الأخيرة إلى هذه النتيجة بكل وضوح. فهؤلاء الناس لم تكن لديهم أية دوافع مصلحية، إذ جاء أغلبهم من خلفيات مهنية مزدهرة، واشتمل نضالهم على تضحية بعائد مادي أو مكانة مهنية رفيعة كان يمكن لهم تحقيقها لو أنهم صرفوا جهدهم فيما يخصهم من مصالح.

ولكن المصلحة قد تكون ذات أهمية في تفسير انتقال حركات اجتماعية ومؤسسات دفاعية أو وقفية إلى العمل على مستوى العالم. ففي مرحلة معينة من نضال أو ممارسات حركة المرأة مثلا، اشتد الوعي بأن انتصار تلك القضية صار رهنا بإيقاظ النساء ونضالهن على المستوى العالمي. وفي السياق نفسه برزت نظرية قوية تقول إن انتصار قضية المرأة حتى في الغرب هو أمر يتطلب النضال ضد سياسات القوة العسكرية التي تعكس أو تؤيد أيديولوجيا تفوق الرجل. ومن هنا فإن النضال من أجل السلام والعدل وحق تقرير المصير للأمم والشعوب المضطهدة هو انتصار أيضا لقضية المرأة. وربما هذا هو ما يفسر الدور الكبير الذي لعبته حركات ومنظمات المرأة في الولايات المتحدة في الضغط لوقف "التطهير العرقي" في البوسنة والهرسك وفي كوسوفا.

رابعا: انعكاسات النشاطية المدنية العالمية على العلاقات الدولية

قد يكون بوسعنا التعمق قليلا في فهم دلالات ومنطلقات نشوء المجتمع المدني العالمي ببحث أثرها في ساحة العلاقات الدولية. فنشوء المجتمع المدني العالمي لم يصاحبه بالضرورة اضمحلال دور الدولة التقليدي في الساحة السياسية العالمية.

ويمكن النظر للموضوع من زوايا متعددة:

فالمجتمع المدني العالمي ينتمي إلى تلك المفاهيم "الناعمة" في مجال السياسة، بالمقارنة بالمفاهيم "الصلبة" مثل مفهوم "القوة"، ويقف جزئيا على طرف نقيض منها. وهنا يبرز سؤال أساسي، وهو: هل تستطيع مفاهيم مثل "الأفكار" و"الرؤى" التأثير على العلاقات الدولية بالمقارنة بمفاهيم القوة؟ وبالتالي: هل يمكن لمفهوم "ناعم" مثل "المجتمع المدني العالم"- وخاصة في طور نمو أولي أو مبدئي للغاية- أن يكون له تأثير على سلوك وأداء وعلاقات الدول؟ وإلى أي حد نستطيع أن نتوقع أن يصل هذا التأثير؟

ربما يمكننا أن نختبر مختلف الفروض والتوقعات المتصلة بهذه القضية من خلال رصد الآثار الممكنة لحركة مناهضة الحرب الأمريكية ضد العراق.

وهنا قد يبرز نوعان من الحجج:

1- الحجة الأولى ترى أن النشاطية المدهشة، والتوحد العالمي، والالتزام الخارق بمناهضة الحرب الأمريكية ضد العراق قد فشلت في وقف هذه الحرب. ويعني ذلك أن المفاهيم "الناعمة" مثل "المجتمع المدني العالمي" ليس لها دور يذكر في السياسة العالمية الحالية أو المستقبلية. ويمكن للقائلين بهذه الحجة أن يضيفوا أدلة قوية من مسارات الصراعات الحالية أو الأحدث عندما تصطدم الولاءات أو الالتزامات المختلفة. فلا شك مطلقا تقريبا أنه عندما تصطدم الولاءات القومية أو العرقية أو الدينية بالالتزامات الأخلاقية أو المدنية المحلية أو العالمية فإن الأولى هي التي تنتصر بالنسبة للكتل الكبيرة من الناس. وعلى سبيل المثال فإن حركة حقوق الإنسان في يوغوسلافيا السابقة قد انفضت أو انكسرت عندما انفجرت الحرب الأهلية وعاد النشطاء الحقوقيون إلى روابطهم وولاءاتهم القومية أو العرقية والدينية. بل إن العاملين في منظمة تاريخية وقوية تعد الأقوى بين منظمات المجتمع المدني العالمي، وهي "الصليب الأحمر" الدولية في البوسنة والهرسك قد انفضوا عنها، وعادوا للتحيز إلى ولاءاتهم القومية والدينية.

وبالنسبة لحركة مناهضة الحرب يرى هؤلاء أن الطغمة الحاكمة في أمريكا استطاعت المضي في مشروعها الإجرامي لشن حرب على العراق ضد إرادة المجتمع المدني العالمي، بل وضد الشرعية الدولية، ومعارضة العديد من القوى الكبرى الأخرى مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين. ويستنتج البعض من ذلك أن التأثير الحقيقي لحركة مناهضة الحرب قد يكون محدودا للغاية.

2- وقد يبالغ آخرون في تأثير المجتمع المدني العالمي، وخاصة حركة مناهضة الحرب الأمريكية ضد العراق. فيمكن القول إن تلك الحركة سيكون لها ثلاثة أنواع أو مستويات من التأثير.

* المستوى الأول هو تقييد إرادة الآلة الحربية الأمريكية في صياغة "أسلوب الحرب ضد العراق". فمثلا تعهدت الإدارة الأمريكية بأن تلك الحرب لن تكون على مستوى التدمير المروع الذي ميز حرب عام 1991. فهي لن تستهدف بالقصف المنشآت المدنية والبنية الأساسية أو المدنيين.

* أما المستوى الثاني فيتمثل في التعامل بقدر أكبر من المسئولية- كدولة احتلال- مع العراق كدولة، أو مع الشعب العراقي. فتعهدت الإدارة الأمريكية بأنها لن تبقى في العراق بأكثر من الفترة الضرورية لتأمين النظام العام، وأنها لن تسمح بتفتيت العراق إلى دويلات، أو بأعمال انتقام متبادل بين فرقاء السياسة العراقية. كما قالت إنها ستسعى لجعل العراق "معرِضا" للديمقراطية والازدهار الاقتصادي. ومن حقنا بالطبع أن نتشكك في هذه التعهدات، غير أن مجرد الالتزام بها يعكس الرقابة والرفض المدني والسياسي العالمي لفكرة الغزو، وكأن الولايات المتحدة ستحاول أن تقول للمجتمع الدولي المدني والسياسي: ألم أقل لكم إن العراق سيكون أفضل حالا!

* أما المستوى الثالث فهو إجبار الإدارة الأمريكية الحالية على التفكير ألف مرة قبل اللجوء إلى أعمال عدوانية مماثلة. وبهذا المعنى يحقق المجتمع الدولي المدني والسياسي معا- من خلال النضال ضد المشروع العسكري الأمريكي في العراق- ما لم يمكن تحقيقه من خلال الردع العسكري الذي لا يملك وسائله أي من الدول الكبرى أو الصغرى.

ولكن الاختبار الحقيقي لصحة هذه الافتراضات هو ما سيحدث على الأرض، سواء داخل العراق أو داخل الولايات المتحدة نفسها.

وبالنسبة لهذا الجانب الأخير ثمة ما يبرر الاعتقاد بأن الهزيمة الأخلاقية والدبلوماسية التي حاقت بالولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وفي شوارع ومدن العالم سوف تنعكس سلبا على شعبية تلك الإدارة في الداخل الأمريكي في المستقبل غير البعيد، وربما تطيح بالتحالف السياسي الذي تتأسس عليه بين اليمين التقليدي الذي ينتمي إلى "التيار الأساسي" للحياة السياسية الأمريكية من ناحية، واليمين الأصولي والمتطرف الذي ضغط لدفع الإدارة الحالية إلى هذه المغامرة الشريرة والخطرة.

ولا يمكن التنبؤ بنتيجة الصراع. فقد يسقط ممثلو اليمين التقليدي مثل وزير الخارجية باول. وقد يسقط ممثلو اليمين المتطرف مثل وولفويتز أو رامسفيلد أو حتى ديك تشيني. وسوف تكون هناك آثار ونتائج سياسية بعيدة المدى بالنسبة للمشروع العدواني الأمريكي في الشرق الأوسط، وعلى المستوى العالمي. وقد رأينا بعض مقدمات النقاش العام حول المسئولية عن الكارثة المعنوية التي تمخض عنها هذا المشروع العدواني، على الأقل بالنسبة للدور الخاص لليمين الصهيوني المتطرف في الولايات المتحدة في الدفع نحو هذا المشروع، حيث يناقش الأمريكيون الآن بقدر غير معتاد من الجرأة دور "اليهود" في الدفع نحو هذا المشروع العدواني الكارثي، حتى بالنسبة للولايات المتحدة وبغض النظر عن تحقيق الانتصار العسكري من عدمه.  

اقرأ أيضًا:


** نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- القاهرة.

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع