أفكار أولية للنقاش

سيناريوهات الأزمة العراق.. آثار متوقعة على العالم العربي

حسن أبو طالب**

أولا: ثنائيات الأزمة ومدلولاتها

في ظل عدم اليقين الذي يلف تطورات الأزمة العراقية، يمكن ملاحظة عدة ثنائيات رئيسية يشكل كل منها جانبا من جوانب هذه الأزمة. ولعل أهم وأبرز تلك الثنائيات يتمثل في ثنائية (حرب / لا حرب) أو بعبارة أخرى: هل تستمر عمليات التفتيش الدولية كأساس لنزع أسلحة العراق التي تقوم بها لجنة الأنموفيك، أم يتم الانتهاء إلى خلاصة أن عمليات التفتيش الدولية لم تعد تجدي، وأن الحرب هي الوسيلة الأجدى في هذا الصدد؟

والواضح أن الجدل الذي يشهده مجلس الأمن الدولي يضع الخياريْن على قدم المساواة تقريبا، فحتى الذين يؤيدون عمليات التفتيش (فرنسا وروسيا والصين وألمانيا وسوريا وآخرون) يرون أن الأمر يجب أن يرتبط بمدى زمني مناسب ومعقول، بعدها يمكن البحث في خيار الحرب وبعد التأكد التام من أن عمليات التفتيش وصلت إلى طريق مسدود. أي إنهم قد يقبلون بخيار الحرب ولكن بشروط تتعلق أساسا ببلورة حالة يقين كامل بفشل عمليات التفتيش، وأن لا جدوى منها.

وهنا فإن الحرب المتصورة نظريا ـ أي في حال تعذر عمليات التفتيش وموافقة كل أعضاء مجلس الأمن الدولي عليها كخيار مشروع ـ ستكون مرهونة بمهمة محددة، أي التخلص من أسلحة الدمار الشامل لدى العراق، وكل ما يتجاوز المسموح به من الأسلحة التقليدية. وهو أمر يصعب الارتكان إليه عمليا، فالحرب كعمل عسكري يمكن أن تبدأ بعذر أو بمبررات معينة، ولكنها حتما تتطور على الأرض لكي تنتج قوة دفع خاصة بها، ومن ثم فالمتصور أن تتضمن أيضا معاقبة النظام الحاكم باعتباره فشل في الإذعان للقرارات الدولية، ومن ثم التخلص منه وإحلال نظام بديل.

وفي ضوء التوازنات القائمة في مجلس الأمن، فإن مثل هذا المشهد الذي يفترض فشلا تاما لعمليات التفتيش، ثم إقرار حرب مشروعة وبإجماع كل أعضاء مجلس الأمن، تنتهي بتغيير النظام العراقي، يبدو بعيد المنال نسبيا. وفي المقابل فإن المشهد الأكثر تصورا هو أن تكون هناك حرب قبل الانتهاء من عمليات التفتيش، وقبل التوصل إلى حكم يقيني بأن العراق لم يعد متعاونا التعاون المطلوب.

بيد أن هذه الحرب أيضا لها ثنائية فرعية أخرى، فهي إما أن تتم وفق غطاء شرعي من المنظمة الدولية لا يتضمن بالضرورة موافقة كل أعضاء مجلس الأمن، وإنما درجة معينة من المشروعية القائمة على تأييد تسعة أعضاء، وامتناع الأعضاء الدائمين عن استخدام حق الفيتو، أو أن تحدث بعيدا عن هذا الغطاء الشرعي، وبدون أن يكون هناك أي تفويض دولي.

ولا شك أن أي صورة من صور الشرعية الدولية للحرب على العراق سوف ينتج عنها آثار تختلف عن تلك الآثار المتصورة إذا حدثت الحرب بعيدا عن هذا المشروعية حتى لو كانت واهية تماما. فحرب ضد دولة عضو في المنظمة الدولية وبعيدا عن موافقة مجلس الأمن، سوف تحشر الأمم المتحدة في زاوية ضيقة، وسيكون على الدول الأخرى المناهضة للحرب أن تحسم خيارها إما بالتغاضي عن الحرب والتحول إلى معالجة آثارها والحد منها، أو الدخول في عملية مضادة استنادا إلى متطلبات ميثاق الأمم المتحدة نفسه، خاصة ما يتضمنه الفصل السابع الذي يتضمن إجراءات زاجرة يقوم بها المجلس في مواجهة الدولة أو مجموعة الدول المعتدية.

وفقا لموازين القوى السائدة، فإن تصور قيام الولايات المتحدة ودول متحالفة معها بالعدوان على العراق دون تفويض واضح من مجلس الأمن، قد يؤدي إلى قيام الدول الأخرى المناهضة لهذه الحرب بتفعيل بنود الفصل السابع، استنادا إلى اعتماد توصيف قانوني بأن الحرب هي عدوان على بلد مستقل وأنها تعرض السلام والأمن الدوليين للخطر -هو تصور غير مرجح بالمرة.

وخلاصة ما سبق أن الحرب الأكثر احتمالا هي تلك التي تقودها الولايات المتحدة وعدد محدود من الدول، دون أي غطاء من الأمم المتحدة، وقبل أن تتم عمليات التفتيش الدولي، الأمر الذي سيحدث انقساما كبيرا في المنظمة الدولية، قد يتم تجاوزه على مضض من قبل الأطراف المعارضة إذا ما تحقق للقوات المعتدية انتصار عسكري سريع بما في ذلك احتلال بغداد، قابله انهيار سريع للنظام العراقي، وبحيث يصبح العالم في مواجهة حقائق جديدة على الأرض يجب التعاطي معها ومع آثارها ونتائجها السياسية والإستراتيجية معا.

إن ثنائية (حرب / لا حرب) ، (حرب ذات شرعية دولية / حرب خارج الشرعية الدولية) على النحو المشار إليه، وفي حال اندلاع حرب دون غطاء دولي سوف تتضمن في داخلها أيضا عددا آخر من الثنائيات المتصورة مثل (انهيار عراقي سريع / مقاومة عراقية وانهيار مؤجل لبعض الوقت قد يمتد إلى عدة شهور) و(انتصار أمريكي سريع بما في ذلك احتلال بغداد والسيطرة على أي جيوب للمقاومة فيها / انتصار أمريكي مؤجل لبعض الوقت نظرا لاستمرار مقاومة عراقية متفرقة وتعذر احتلال بغداد لوقت قصير نسبيا). وحتى في حال الانتصار العسكري الأمريكي المرجح، فإن الأمر لن يخلو من ثنائيات فرعية أخرى من قبيل (انتصار أمريكي بلا خسائر بشرية أو بخسائر محدودة جدا / انتصار عسكري وخسائر كبيرة جدا). وهذه الثنائية الأخيرة تحديدا ترتبط برد الفعل المتوقع داخل الولايات المتحدة نفسها، وأيضا ما قد تثيره من محفزات لدى الرأي العام العربي.

ثانيا: معضلات وإشكاليات عربية

استنادا إلى عدد من الثنائيات والإشكاليات السياسية والقانونية المتصورة المشار إليها يمكن تصور عدد من الإشكاليات العربية التي ستفرض نفسها على ساحة العمل العربي الجماعي والقطري معا، وفيما يلي بعض من هذه الإشكاليات التي ستؤثر على مستقبل العالم العربي وتفاعلاته البينية.

1- ضغوط العجز العربي

إن الورطة السياسية والأخلاقية التي يواجهها العالم العربي ثقيلة بكل المعايير. فبالرغم من معارضته الحرب ضد العراق، فإنه غير قادر تماما على أن يمنع هذا الاحتمال الذي بات قريبا جدا، كما أن قدرته على اكتشاف خيار ثالث يمنع الحرب من جانب ويعيد تشكيل النظام العراقي سلميا من جانب آخر يبدو أمرا مستحيلا، وذلك لاعتبارات عديدة منها ما يخص الأزمة العراقية نفسها، والصلف الأمريكي البريطاني في إدارتهما وأهدافهما الخاصة جدا التي تتجاوز الأهداف المقبولة دوليا أو حتى عربيا، إضافة إلى اعتبارات خاصة بطبيعة التفكير السياسي السائد في النظام العربي منذ مولده قبل أكثر من نصف قرن، وهو تفكير لا يقبل أن يكون هناك أي دور لدولة عربية أو حتى للجامعة العربية في تحديد أو التدخل في شئون الحكم لدى دولة أخرى، بما في ذلك أوقات الأزمات الكبرى التي تتجاوز حدود البلد العربي وتمس المصير العربي كله.

ودون أي شك، فإن هذا العجز عن التصرف العربي الجماعي الخلاق يمثل معضلة كبرى، بيد أن النتائج المتصورة للحرب الأمريكية على العراق سوف تتجاوز هذه المعضلة بمراحل كبيرة. والمرجح أن النظام العربي بعد الحرب سوف يتعرض لضغوط سياسية ومعنوية شديدة، من شأنها أن تضع خطا فاصلا بين طبيعته السياسية والقومية قبل الحرب وطبيعته بعدها. وربما أصبح مفهوم الجامعة العربية نفسها بحاجة إلى إعادة نظر جذرية. كما أن العالم العربي كإطار سياسي جامع أو كتعبير عن حقيقة سياسية قد يصبح بلا معنى تقريبا؛ لأن كثيرين سينظرون إلى الجامعة العربية باعتبارها لم تعد مناسبة من حيث التنظيم والأهداف مع حقائق الوضع العربي والإقليمي الجديدة، أو أنها قد فشلت في حماية الأمن القومي العربي، ومن ثم فلا بد من أن تتعرض لعملية تغيير جذرية. والمتصور أن تكون مثل هذه الاتجاهات السياسية والفكرية مجالا خصبا لتوترات سياسية عربية عميقة تطال المواقف الرسمية والفكرية والحزبية العربية على السواء.

2- مشكلات إجرائية سياسية وانقسام شديد

إن حجم المشكلات الإجرائية والسياسية المتصور قيامها بعد الحرب سوف تدفع بالعلاقات بين الدول العربية وبعضها إلى حالة من الانقسام الشديد، التي تتضاءل معها حالة الانقسام الذي عاشته المنطقة العربية إبان حرب الخليج الثانية عام 1991.

فالجامعة العربية التي تعد بيت العرب سوف تواجه أول اختباراتها في التكييف القانوني الذي سوف تعتمده إزاء الحرب على بلد عربي عضو فيها. ومثل هذا التكييف ليس مسألة قانونية شكلية وحسب، وإنما يفترض أن يكون هذا التكييف أساس أي تحرك سياسي جماعي لاحق. ومثل هذه المشكلة قد تجد حلا لها إذا ما شنت الحرب بتفويض دولي، إذ سيمكن ساعتها النظر إلى تلك الحرب باعتبارها مشروعة قانونا، بما في ذلك المساهمة فيها. غير أن هذه المشكلة سوف تفرض نفسها بكل قوة إذا حدثت الحرب بعيدا عن مظلة مجلس الأمن ودون تفويض دولي واضح. ففي هذه الحالة سوف تصبح الدول القائمة بالحرب، أي الولايات المتحدة وحلفائها العرب وغيرهم، خارجة عن الشرعية الدولية، ويجوز قانونيا الانخراط في إجراء دولي ضدها، كما يصبح لازما الوقوف مع الطرف المعتدى عليه، أي العراق، وتقديم كل أشكال المساندة له. وهو أمر سوف يبدو غير قابل للتطبيق من الناحية العملية، ولكنه سيشكل ضغطا سياسيا ومن قبل الرأي العام العربي على الدول العربية باعتبارها متقاعسة عن مساندة بلد عربي يتعرض لعدوان وحشي. وقد تفقد كثير من النظم العربية شرعيتها أمام شعوبها، والمرجح أن يثير البعض قضية الشرعية هذه كأساس للتمرد على النظم الحاكمة.

3- معضلة المشاركات العربية العسكرية

على صعيد العمليات العسكرية نفسها ثمة ثنائية تخص بعض الأطراف العربية، ولكنها تطرح إشكاليات عربية عامة، من قبيل (مشاركة في العمل العسكري / لا مشاركة في العمل العسكري). وبالرغم من أن بعض الدول العربية قد حسمت أمرها بعدم المشاركة تماما لا سيما تلك البعيدة جغرافيا عن العراق إضافة إلى سوريا، فإن الدول القريبة جغرافيا تتنازعها مواقف مختلفة في تفاصيلها، ولكنها تتضمن قدرا من المساهمات العسكرية ما بين عالية جدا كما في حالة الكويت ويليها كل من قطر والبحرين، ومساهمة جزئية كما في حالة الأردن الذي سمح في الأسبوع الأول من مارس 2003 بنشر 6 آلاف جندي أمريكي على حدودها مع العراق وعدد من بطاريات صواريخ باتريوت الاعتراضية. وبينهما مساهمة سعودية غير محددة المعالم بعد، وربما تُكشف تفاصيلها إيجابا أم سلبا لاحقا، ولكن أبرز ما فيها تخصيص مطار عرعر بالقرب من الحدود العراقية السعودية لمجهود حربي أمريكي، وُصف أنه خاص بمهام إنسانية تتعلق بتقديم تسهيلات للاجئين العراقيين المحتمل توافدهم على المنطقة.

ومثل هذه المساهمات العسكرية العربية تأتي في ظل قرار عربي صادر عن القمة العربية الخامسة عشرة في شرم الشيخ الأول من مارس 2003 ، والذي رفض خيار الحرب أساسا سواء بغطاء دولي أم بغيره، ودعا الدول العربية إلى عدم المشاركة العربية، الأمر الذي يجعل المشاركات العربية الفعلية في الحرب المرجحة تجاوزا لقرار القمة واستخفافا بها من جانب، كما يؤشر لحركة الدول العربية وأيضا الجامعة العربية مستقبلا وبعض القضايا السياسية / القانونية التي يمكن أن يواجهها العالم العربي لاحقا. وحتى في حالة عدم اتخاذ موقف عربي في إطار الجامعة إزاء هذه المشكلات المتصورة، فإن مبدأ القمم العربية نفسها سيُضرب في الصميم سياسيا ومعنويا.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن اعتبار هذه الدول العربية مشاركة في عدوان على العراق يتطلب مواجهته، أم إنها مساهمات في حرب لتحرير بلد عربي من حكم ديكتاتوري مكروه؟. والإجابة المتصورة وأيا كانت سوف تثير إشكاليات قانونية وفكرية وسياسية معقدة. فإذا اعتبرت تلك المساهمات جزءا من عدوان باطل فهل يمكن تقديم دعم للطرف المعتدى عليه، وما هو هذا الدعم؟ ومن ذلك الطرف العربي الذي سيتولى الدعوة إلى تلك المهمة؟ وحتى إذا اعتبرت هذه المساهمات جزءا من عملية تحرير لشعب عربي من حكم بغيض، فهل سيتحول الأمر إلى سابقة توجه إلى نظم عربية أخرى قد توصف بأنها ديكتاتورية ومكروهة من شعبها؟.

المرجح هنا أن تواجه الجامعة العربية والدول الأعضاء فيها مثل هذه الأسئلة العويصة وغيرها. فعلى سبيل المثال، إذا تم النظر إلى الحرب باعتبارها عدوانا غاشما على بلد عربي، فهل سيؤدي ذلك إلى إعمال اتفاقية الدفاع العربي المشترك مثلا؟ وماذا سيكون الموقف العربي من الدول التي ساهمت أو شاركت بأي شكل من الأشكال في الحرب ضد العراق؟. مثل هذه الأسئلة وغيرها سوف تطرح نفسها على كافة الأعضاء، والمرجح أن تكون هناك إجابات متباينة أشد التباين، وسوف يترتب عليها وجود تحالفات عربية جديدة في مواجهة تحالفات أخرى. أو بالأحرى سوف يحدث انقسام عربي حاد، بين الذين قاموا وأيدوا المشاركة بأي شكل في الحرب على العراق، وهؤلاء الذين رفضوا مثل هذا الموقف. وهو خلاف ربما يدفع بعض الدول إما إلى تجميد عضويتها في الجامعة أو إلى الانسحاب منها، أما الأطراف التي ستصر على الاستمرار فسوف تتعرض بدورها إلى تحديات من نوع آخر، لعل أقلها موقفها من نظام الحكم الجديد الذي سيقوم الأمريكيون بإنشائه في بغداد بعد احتلالها.

وفي كل الأحوال فإن مضمون فكرة الأمن القومي العربي نفسه، سيصبح من مخلفات التاريخ العربي أو أساطيره غير القابلة للتحقيق فعليا، وربما يتطلب الأمر لإحياء هذه المفاهيم مرة أخرى مدى زمنيا طويلا جدا وظروفا عربية وإقليمية مختلفة تماما عما تبشر به هزيمة العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة. واللافت للنظر هنا أن هذا المفهوم كان قد استخدم في بيان القمة العربية الخامسة عشرة، حين أشار إلى تأكيد الرفض المطلق لضرب العراق أو تهديد أمن وسلامة أي دولة عربية باعتباره تهديدا للأمن القومي العربي، وضرورة حل الأزمة العراقية بالطرق السلمية في إطار الشرعية الدولية‏.‏ إضافة إلى دعوة جميع الدول لمساندة الجهود العربية الهادفة لتجنب الحرب‏، وهو ما سيتحقق من خلال استكمال العراق التزاماته الواردة في القرار 1441.

4- من يمثل العراق عربيا؟

تتضمن الخطة الأمريكية المعلنة من الحرب التخلص من نظام حكم الرئيس صدام حسين وإنهاء دور حزب البعث تماما، ومحاكمة قادة النظام أمام محكمة خاصة بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وإقامة نظام سياسي جديد، سوف يتضمن حتما مرحلة انتقالية قد تصل إلى العامين يكون فيها الحاكم الأول عسكريا أمريكيا يعاونه في ذلك مجموعة من المستشارين العراقيين المدنيين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمن سيكون له حق تمثيل العراق في الجامعة العربية؟ وهل ستقبل الجامعة عضوية بلد عربي تحت الاحتلال العسكري الأجنبي؟ أم أن السوابق تدفع باتجاه تجميد هذه العضوية حتى يستعيد هذا البلد حريته وحكومته المدنية الخالصة؟

والمتصور هنا أن الولايات المتحدة قد تمارس ضغوطا شديدة على الدول العربية ليس فقط للاعتراف بنظام الحكم الجديد، كجزء من التخلص الكامل من شرعية نظام الرئيس صدام حسين، وإنما أيضا لقبول ممثلي الحكومة الجديدة في الجامعة العربية. وسوف يمثل الأمر إشكالية قانونية سياسية مزدوجة على الأقل لبعض الدول العربية، إذا بادرت الحكومة أو الأداة العراقية الانتقالية المدارة من قبل حاكم عسكري أمريكي بالاعتراف بإسرائيل وأقامت معها علاقات سياسية كاملة. والملاحظ هنا أن السعودية وعلى لسان وزير خارجيتها أشارت إلى أنها ستتعامل بشكل طبيعي مع أي حكومة يتم تشكيلها في العراق. وهو ما يبدو اعترافا مسبقا بالنظام المرجح قيامه بعد الحرب على أنقاض نظام حزب البعث القائم. وهو أمر يوضح بعض الاتجاهات المحتملة عربيا.

فإذا كان هناك من سيقبل التعامل مع الحكومة العراقية الجديدة أيا كان شكلها وحتى قبل أن توجد على الأرض، خاصة الدول التي ساهمت وشاركت في الجهد العسكري الأمريكي، فإن الورطة الكبرى ستطال تلك الدول التي سترى الأمر باعتباره عدوانا خارجيا، وأن نتائجه غير مقبولة، وأن حكومة الرئيس صدام ما زالت هي الشرعية. والمرجح أن هذه الإشكالية قد تفرض نفسها في حالة استطاعة الرئيس صدام البقاء حيا والسيطرة نسبيا على عمليات مقاومة ضد القوات الأمريكية الغازية حتى ولو من خارج بغداد شريطة الاستمرار بعض الوقت، مع إنزال خسائر بشرية كبيرة في القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها. إذ في هذه الحالة من المتصور أن يحدث رد فعل داخل الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، إضافة إلى تحرك محتمل من قبل الدول الكبرى المناهضة للحرب، الأمر الذي قد يوقف القتال، ولكنه لا يمنع وجود قوات أجنبية على الأرض العراقية. وهنا أيضا فإن تكييف وجود هذه القوات وتأثيرها على شرعية الحكومة العراقية المحتمل قيامها قد يصبح مادة أخرى للجدل والانقسام العربي.

وقد تخف هذه الإشكالية الأساسية وفروعها إذا ما قُضي بسرعة على نظام حكم البعث، وحدثت سيطرة أمريكية سريعة نسبيا على بغداد والمناطق الأخرى، ولم يبق سوى أمر واقع جديد، أي حكومة عراقية أو إدارة انتقالية ذات وجوه عراقية تحت سيطرة أمريكية.

5- علاقات عربية إقليمية متوترة

المتصور أن تمتد المشكلات المتصورة حال بلورة عراق جديد إلى العلاقات العربية مع بعض دول الجوار الإقليمي. فالتصور الأمريكي للحرب أنها لن تؤثر على الوحدة الإقليمية للعراق، وحتى في حال قيام نظام حكم فيدرالي على أسس تمزج بين التقسيمات الجغرافية والطائفية والموارد الاقتصادية، فإن العراق المعروف بحدوده الجغرافية سيظل على حاله. وهو أمر لا يبدو مضمونا تماما. فمشاركة تركيا العسكرية على سبيل المثال، ودخولها إلى الشمال العراقي، قد تثير مواجهات بين أكراد العراق والقوات التركية، بما يفتح أبوابا من الفوضى الإقليمية غير القابلة للسيطرة، كما أن احتمال إعلان تركيا احتلالها أجزاء من العراق، خاصة الموصل وكركوك، كانت محلا للتنازع من وجهة نظر تركيا قبل 70 عاما وما زالت -يعني أن العراق بات محتلا من أكثر من طرف أجنبي، وبات مقسما أيضا، وهو ما قد يثير بدوره أزمة عربية تركية ستكون مفتوحة بدورها على احتمالات عدة، على الأقل أزمة تركية مع الدول العربية التي ستلتزم موقفا يرى أن الحرب غير شرعية، وأن أي نتيجة عليها لن تكون مقبولة منها. ويذكر هنا أن قرارات القمة الخامسة عشرة طالبت الدول المجاورة للعراق بالامتناع عن المشاركة في أي عمل عسكري ضد العراق.

6- مشكلات إنسانية

لن تخلو المشكلات المتصورة من طابع إنساني، فهؤلاء اللاجئون العراقيون الذين يبدو أنهم سيتوجهون إلى البلدان العربية المجاورة للخلاص من جحيم القصف العسكري الأمريكي، سوف يشكلون عبئا إنسانيا واقتصاديا على البلدان المجاورة. ويلحظ المرء استعداد بعض الدول العربية لا سيما الأردن والسعودية وسوريا لتقديم بعض المعونات الإنسانية للاجئين العراقيين المنتظرين. وفي حدود زمن قصير تنتهي فيه العمليات العسكرية، يعود بعدها هؤلاء اللاجئون إلى مواطنهم الأصلية في داخل العراق، فلن يشكل الأمر مشكلة كبرى. ولكن إذا تحول العراق إلى حال من الفوضى، وتعذر على القوات الأمريكية أن تسيطر على الوضع العراقي، فهنا يمكن أن تتحول مشكلة اللاجئين العراقيين إلى هم ثقيل. فحال الفوضى في الداخل، لا سيما إذا جاء في صورة تصفية حسابات ذات طابع إثني أو طائفي بين العراقيين أنفسهم، من شأنه أن يلقي بظلاله على مجموعات اللاجئين في البلدان المجاورة. أو بعبارة أخرى قد يصبح هؤلاء اللاجئون مصدرا لعدم الاستقرار في البلدان التي سيتوجهون إليها، خاصة إذا كانوا بأعداد كبيرة ومن خلفيات طائفية وعرقية مختلفة.

7- من يعيد إعمار العراق المدمر؟

من يتابع التسريبات الأمريكية حول الأنواع الجديدة والمتقدمة والأكثر تدميرا من الأسلحة التي سيتم استخدامها في العراق يدرك أن هذا البلد سوف يتعرض لحالة تدمير وإفناء منهجية على أعلى مستوى، ومن ثم فإن الحديث الدائر حول إعادة إعمار العراق يشكل في حد ذاته مؤشرا على أن هذه المهمة سوف تستغرق مدة طويلة مقبلة، وسوف تتطلب أموالا طائلة، وسوف تكون في حد ذاتها مدخلا لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي في هذا البلد، وفقا لمدى المساهمة وتأييد العمل العسكري الأمريكي. وهذا الأمر ينطبق على العرب كما على غيرهم.

والمرجح أن تكون عملية إعادة إعمار العراق مدخلا لضغط أمريكي على عدد من البلدان العربية، لا سيما النفطية الخليجية لكي تقدم معونات مالية مفتوحة لهذا الغرض، أو لاستبعاد تلك الدول التي لم تؤيد الحرب. ونظرا لأن إعادة الإعمار ستكون تحت وصاية أمريكية عسكرية، فهذا يعني أن المساهمات العربية لن تكون محسوبة لهذا البلد العربي أو ذاك، ولكنها ستكون محسوبة للأمريكيين أنفسهم. وربما تبدو هذه المشكلة قاصرة على الدول العربية ذات المداخل النفطية، والتي ستتعرض حتما لحال ابتزاز مالي غير محدد المدة.

8- نحو خريطة جديدة للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة العربية

منذ حوالي العامين تكررت عدة إشارات أمريكية وسعودية بالحاجة إلى إعادة النظر في التواجد العسكري الأمريكي في السعودية، وقد زادت هذه الإشارات بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وفي إطار الاستعدادات الأمريكية للحرب ضد العراق، أعيد تشكيل خريطة التواجد العسكري في منطقة الخليج حيث برزت أهمية كل من قطر والبحرين. والمرجح أن احتلال الولايات المتحدة للعراق سوف يعيد تشكيل هذه الخريطة مرة أخرى وبصورة جذرية ولمدة طويلة مقبلة. فالعراق الجديد، وبما يتمتع به مساحة جغرافية وموارد وموقع مهم سيكون بمثابة القاعدة الكبرى للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. والمرجح أن يؤدي ذلك إلى سحب أو تقليل التواجد العسكري في السعودية إلى أدنى درجة، والتخفيف من هذا التواجد في كل من قطر والبحرين، والتمركز بكثافة أكبر في العراق.

المتصور هنا أن تحول العراق الجديد إلى قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة سيؤثر على الأوزان النسبية للدول العربية الخليجية في الإستراتيجية الأمريكية، بما في ذلك الكويت نفسها. كما أن هذا التواجد سوف يثير تداعيات سياسية وإستراتيجية لكل من إيران وسوريا ولبنان، أو بعبارة أخرى سوف يشكل مصدر إزعاج ثقيل لهذه الدول، وبما قد يؤثر على مواقفها تجاه قضايا وملفات إقليمية مهمة كملف التسوية والعلاقة مع إسرائيل ومستقبل حزب الله اللبناني.

ولن يخلو الأمر من آثار سلبية على "الدور الإقليمي لمصر"، فوجود المشرق العربي برمته تحت الوصاية الأمريكية المباشرة أو غير المباشرة سوف يقيد من حرية الحركة السياسية المصرية التقليدية التي تعتبر أن المشرق العربي أحد مجالات الدور الإقليمي المصري. ناهيك عما سيثيره التطور السياسي في العراق الجديد، أيا كان شكله، من تحديات لكل الدول العربية دون استثناء.


**خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- القاهرة

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع