المشهد التركي والإيراني وأزمة العراق

د.باكينام الشرقاوي **

اللاجئون الأكراد يقيمون الخيم على الحدود العراقية الإيرانية

ليست الأزمة العراقية أزمة إقليمية بل هي في جوهرها أزمة دولية كبرى، ليس لانخراط القطب الأمريكي كطرف رئيسي فيها، بل لكونها اختبارًا للنظام الدولي الذي تحاول إدارة بوش فرضه على العالم.

إن المشهد الإيراني فيما يخص المسألة العراقية والحرب الأمريكية المحتملة عليها أقل سخونة ولكن ليس أقل خطورة. فالأحداث ليست متلاحقة ولا يلعب الوقت فيها عاملاً حاسمًا كما هو الحال على الساحة التركية. ولكن وفقًا لكثير من السيناريوهات المستقبلية فإن المستقبل قد يحمل نتائج أكثر خطورة على إيران من تلك التي يحملها الوضع الحالي وطويل الأمد على تركيا.

- الحكومة التركية وموقف متأرجح:

استقى النموذج التركي مكانته الدولية من كونه الدولة الإسلامية الوحيدة ذات نظام علماني "معتدل"؛ فهي تقدم مثالاً لنخبة حاكمة تسعى حثيثًا للاندماج مع الغرب وإثبات أحقية وجدارة تركيا لتحقيق ذلك. وفي هذا السياق حافظت السياسة الخارجية التركية على توجهها الغربي بالرغم من تغير البيئة الدولية (حرب باردة وما بعدها) والداخلية (تحول في هياكل صنع القرار وفي توالي أحزاب مختلفة في التوجه). فكيف كان الموقف التركي من المسألة العراقية بتداعياتها الخطيرة ليس فقط على المنطقة بل على العالم أجمع. والأمر الذي صعد من أهمية الموقف التركي أنه يتم رسمه وتحديده في ظل لحظة تاريخية فاصلة من تطور الخبرة السياسية التركية، ففي هذه اللحظات الحرجة تصيغ تركيا سياستها الخارجية باسم حكومة حزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الذي بغض النظر عن مدى إسلامية أيدلوجيته وبرامجه قبل أو بعد انتخابه، اعتبر منذ البداية خليفة لحزب الرفاه وغيره من الأحزاب الإسلامية المتعاقبة على الحياة السياسية التركية.

ولتحليل الموقف التركي، كان لا بد من التعامل مع خطين رئيسيين تبنتهما القيادة التركية في تعاملها مع الموقف المتفجر، ولكل مستوى مبرراته وحججه التي يقوم عليها. ويكمل هذان الخطان بعضهما البعض ليرسما صورة شاملة للموقف التركي الرسمي تجاه المسألة العراقية. ولا تتناول هذه المقالة الموقف الشعبي، حيث إنه موقف واضح وهناك اتفاق على رفضه لأي ضربة محتملة للعراق وقبوله فقط للحل السلمي وتغليبه للدواعي الإنسانية على أي حسابات براجماتية على صانع القرار الانتباه إليها.

في البداية لا بد من الإشارة إلى متغيرين رئيسيين أثرًا على أسلوب إدارة حكومة حزب العدالة والتنمية للأزمة العراقية حتى الآن، تختص الملاحظة الأولى بأبعاد داخلية ترتبط بوصول حزب ذي توجه إسلامي مثل العدالة والتنمية إلى الحكم بل وانفراده بتشكيل الحكومة التركية نظرًا لنسبة التصويت الكبيرة التي حظي بها في انتخابات نوفمبر 2002. أما الثانية فتختص بالبيئة الدولية الحاكمة للمسألة العراقية، ومن أهم مدخلاتها العلاقات الأمريكية التركية الخاصة وتداعيات ما بعد 11 سبتمبر على النظام الدولي.

فيما يخص الملاحظة الأولى: جاء انتصار حزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2002 ليجعل من الموقف التركي مصدرًا للتساؤل حول مسار التوجهات التركية المستقبلية خارجيا وداخليا. وكان لهذا التطور الداخلي دلالته المحورية التي تختبر بحق ثوابت النموذج التركي. وبالنظر لتعامل الحكومة الجديدة مع الأزمة من الممكن القول إن وصول حزب ذي توجهات إسلامية مثل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وتكوينه الحكومة منفردًا لم يعن تغييرًا كبيرًا في هذا المجال بل استمرت الحكومة التركية في حرصها على ثوابت النموذج التركي، وأهمها على الإطلاق العلمانية وغربية التوجه، وهذا ما حرص على تأكيده كوادر الحزب الحاكم الجديد وما أكدته معالجة حكومة جول للأزمة العراقية والحرب الوشيكة في العراق. ولكن بدأت درجة استقلالية القرار التركي تزداد ويقل سقف الاستجابة التركية للطلبات الأمريكية في ظل حكومة أردوغان.

الإشكالية الرئيسية هنا ليس في مدى ولاء الحليف التركي وإنما في المشاكل الداخلية التي تؤثر سلبًا على قدرة تركيا الوظيفية في إطار الإستراتيجية الأمريكية. هناك تطوران داخليان قد يؤثرًا بالسلب على الانسجام التركي الأمريكي، وهما: أولا تدهور عميق في نوعية الديموقراطية التركية وثانيا تولي الإسلاميين السلطة. وهما تطوران متناقضان بمعنى انتفاء أحدهما قد يعني حدوث الآخر: وهذه هي معضلة التطور الديموقراطي الإيجابي الحقيقي في تركيا (وغيرها كثير من الدول الإسلامية) بالنسبة لصانع القرار الأمريكي. إلا أنهما توحدا حاليا في الحالة التركية وأكسباها خصوصية. واتخذ بالفعل كل من الجيش والولايات المتحدة أمريكية موقف المترقب في انتظار ما تؤول إليه التجربة حتى لا يقود أي تدخل إلى ضرب التجربة الديموقراطية. بل إنه يجب عدم إغفال الدور الأمريكي في تقييد حرية حركة الجيش التركي في الفتك منذ البداية -أي ما قبل انتخابات 2002- بحزب العدالة والتنمية والسماح له بدخول الانتخابات، وذلك حرصًا على تهدئة الساحة التركية الداخلية.

وبدا من درجة تعاون حكومة جول وعدم انحرافها عن المسار المتوقع من أي حكومة تركية أن هذه مخاوف لا محل لها على الأقل مرحليا. فالولايات المتحدة لا تهتم بالعلمانية التي يمثلها العسكر أو بالديموقراطية التي يمثلها رئيس الوزراء التركي بل بالحفاظ على التوجه الموالي للغرب الذي طالما تمتع به النموذج التركي. لكن جاء تردد حكومة أردوغان في حسم درجة دعمها للعمليات العسكرية الأمريكية ليبرز أنه بالرغم من ثبات الموقف التركي العام كحليف إستراتيجي للولايات المتحدة، فإن الخلفية الإسلامية لأعضاء الحزب الحاكم أثرت في درجة المساندة المقدمة للحليف الأمريكي وفي تزايد مستوى التمرد على المستوى البرلماني والشعبي.

بالنسبة للملاحظة الثانية: خلال التسعينيات تكيفت تركيا مع الأحادية القطبية وأصبحت لاعبا إقليميا رئيسيا في ظل المعطيات الدولية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. وحافظت تركيا على التوجه الغربي الذي تحتل فيه الولايات المتحدة مكانة الحليف الأكثر أهمية بل ويتم في إطاره تقييم الحلفاء الإقليميين ليس فقط في ذاتهم بل أكثر في قدرتهم على تقوية الروابط الأمريكية التركية.

عقب 11 سبتمبر تخطت الولايات المتحدة مرحلة التشكيك والتدقيق في مساعدتها العسكرية والاقتصادية وعادت إلى محاولة ربط أنقرة بها بكافة الوسائل بشدة وبسرعة كبيرة. وخفت حدة الانتقادات الأمريكية للديموقراطية التركية، وأشير دوما لمدى ديموقراطية هذا النموذج وكونه مثالاً يجب أن يحتذى به. لقد أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا عن مساعدة عسكرية جديدة قيمتها مليار دولار، وذلك لتسهيل تنفيذ المطالب الأمريكية الخطيرة من أنقرة والتي تضع الحكم الجديد أمام اختيار صعب.

ولا تنظر واشنطن للتيار الإسلامي التركي بنفس النظرة التقليدية لنفس التيارات في أقطار أسلامية أخرى. بل يعتبرونه عامة من أكثر الحركات تعبيرًا عن "الإسلام المعتدل"، على سبيل المثال يعتبر الأمريكيون أردوغان محافظًا مواليا للغرب، وأنه قد تخلى عن الآراء الإسلامية المتشددة التي اعتنقها في الماضي، فهو لا يطالب على سبيل المثال بالانسحاب من الحلف الأطلنطي ويؤمن بضرورة والفائدة من عضوية الاتحاد الأوروبي.

ومن ناحية أخرى، فرضت الظروف الحرجة التي يمر بها العالم عقب 11 سبتمبر ورؤية وأساليب الإدارة الأمريكية الحالية كثيرًا من القيود على حرية حركة أي تنظيم ذي توجه إسلامي حتى لو كان حزبًا سياسيًا شرعيًا فاز في انتخابات ديموقراطية. ففي الوقت الذي تحدثت كثير من التحليلات على قيود البيئة الدولية الحالية الرافضة للاستبداد السياسي والتي وضعت سقفًا على تحركات الجيش تجاه تكرار تجربة أربكان، أغفلت أيضا الخطوط الحمراء المفروضة على حزب العدالة والتنمية بحيث تجعل من تحدي أسس الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط مخاطرة لا يضمن عواقبها. فمحاولات الحكومة التركية الحالية لدرأ تهمة "الإسلامية" والتأكيد على احترامها للثوابت التركية في النموذج الداخلي الممثلة في علمانية النظام، يجعل من الاعتدال الإسلامي في تركيا مضطرا لأن يكون علمانيا في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، أو على الأقل لا ينطلق في تطبيق أساسيات الرؤية الإسلامية التي اختير من قبل الناخب التركي على اعتبار أنه يمثلها.

وبالفعل تواجه الحكومة التركية الجديدة امتحانًا صعبًا فإما تلبية المطالب الأمريكية وانتهاج نفس سياسة الإدارات التركية السابقة أو إرضاء الناخبين المعارضين للحرب وأعضاء البرلمان الذين أغلبيتهم من حزب العدالة والتنمية. ويقوم الموقف التركي الرسمي على شقين رئيسيين: يختص الأول بالدعوة إلى ضرورة إيجاد حل سلمي للمشكلة العراقية وهو خطاب موجه أساسًا للدوائر الدبلوماسية الدولية المختلفة وفي إطاره يتم إلقاء العبء الأكبر على العراق كسبب في "تأزيم" المشكلة. في حين أنه في إطار المفاوضات الأمريكية التركية يكون الحديث عن طبيعة الدور التركي في الحرب وعن مرحلة ما بعد الحرب وتسوياته، وذلك بعد أن بدا اعتقادًا راسخًا لدى القيادة التركية بمستوياتها المختلفة أن الحرب قادمة مهما فعلت بغداد ونتيجتها متوقعة، ومن ثم فإن الأولوية يجب أن تقوم على حسابات هذا السيناريو وما يمكن أن تحصل عليه تركيا حال تنفيذه. ويكمل هذان الشقان بعضهما البعض ليجعل الإدارة التركية للأزمة قادرة على التعامل مع السيناريوهات المختلفة للمشكلة، فسواء ضربت العراق أو لا، فإن الهدف الاستفادة من معطيات الواقع أقصى استفادة ممكنة وتكبد أقل الخسائر المتوقعة. إنها سمة براجماتية اتسمت بها السياسة الخارجية التركية في مراحلها المختلفة، وهي تعبير عن حسابات رشيدة من منطلق صانع القرار التركي وتعمل على حماية الصالح القومي التركي وجني مكاسب قومية مختلفة. ومن ثم كان من الأهمية بمكان إفراد مزيد من التحليل لقاعدتي الرؤية التركية تجاه العراق للتعرف على مبررات كل شق وأبعاده.

- خطاب الحل السلمي:

تنبع الحساسية التركية تجاه العراق من أن مشاكل تركيا المحلية الملحة والتي لها أبعاد أمنية مثل الإسلام السياسي والمشكلة الكردية إنما لها امتدادات إقليمية لا يمكن إغفالها خاصة في شمال العراق. لم يمنع ذلك تركيا من مواصلة الجهود لتلافي الضربة الأمريكية على العراق لما لها من ضرر واضح على مصالحها الحيوية خاصة الاقتصادية منها. ومن ثم فإن تركيا ظلت طوال التسعينيات ترحب بعودة العلاقات الطبيعة للعراق مع العالم، فبالرغم من أن تركيا دولة محورية في مسألة فرض العقوبات فإنها من الدول المتضررة بجانب العراق حيث إن الخسائر الاقتصادية الصافية تقدر بعشرات البلايين من الدولارات.

يتمثل الشق الأول من الموقف التركي تجاه العراق-الذي كان أكثر وضوحًا في مرحلة زمنية سابقة- والموجه في أساسه لمخاطبة الدول المختلفة خاصة دول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية العديدة وأهمها الأمم المتحدة في العمل على تدعيم كافة الوسائل لتفادي ضربة أمريكية للعراق وتدعيم الحلول السلمية. ولكن في نفس الوقت يظل الهدف هو ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية بشكل كامل وفعال. وفي هذا الإطار فإن الرؤية التركية تقوم على محورية دور القيادة العراقية، وإن المسؤولية عراقية بالأساس إذا ما أريد إنجاح الجهود الدبلوماسية لحل الموقف سلميا. وهو ما اتضح من الخطاب التركي الرسمي إقليميا وعالميا.

فإقليميا قام إعلان إستانبول في 23 يناير 2003 والخاص بالمبادرة الإقليمية حول العراق والتي تزعمتها واستضافتها تركيا على مطالبة العراق بالقيام "بمسئوليتها في استعادة السلام والاستقرار في المنطقة"، وأن تستمر في تعاونها مع فرق التفتيش وإثبات التزامها بقرارات مجلس الأمن. وتضمنت هذه الوثيقة قائمة بما يجب على العراق عمله لحل هذه الأزمة ولم يأت ذكر الولايات المتحدة من قريب أو بعيد وكأن الجانب الأمريكي قام بواجبه كاملا والتقصير إنما هو من نصيب العراق وحده. كما تضمن البيان تأكيدًا على ضرورة أن يكون تدخل مجلس الأمن في هذه المسألة "كاملا وحاسما ومتواصلا"، وأن دول هذا الإعلان تقف متعاونة مع المجلس للوصول إلى حل سلمى. ولعل أهم ما جاء في هذا البيان هو ذكره أن نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية يمثل خطوة أولية لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، كما جددوا التزامهم بالحل السلمي للمسألة الفلسطينية.

وأكدت كلمة رئيس البعثة التركية الدائمة في الأمم المتحدة داخل مجلس الأمن خلال الجلسة المنعقدة لمناقشة المسألة العراقية نفس النهج التركي المعلن دوليا، حيث اتفقت مع ما جاء في إعلان الاتحاد الأوروبي في 17 فبراير 2003، وأكدت مجددا على أهمية وضرورة الحل السلمي. وتبدو المبررات التركية الداعية إلى البحث عن حل سلمي منطقية، حيث إنها تلقت أكبر الآثار السلبية الناجمة عن حرب الخليج الثانية في التسعينيات، فلأول مرة منذ ألف عام لا تستطيع المتاجرة مع جنوبها بسبب العقوبات المفروضة على النظام العراقي. ومن ثم فأي حرب محتملة قادمة ستسبب كثيرًا من الوهن لاقتصاد منهك بالفعل، بالإضافة إلى أن هذا التوتر الإقليمي لا شك يؤثر سلبيا على الاستثمار الأجنبي داخل الاقتصاد التركي. ولكنها في نفس الوقت ألقت بمسؤولية أي تدهور مستقبلي على عاتق القيادة العراقية التي عليها أن تتعاون مع فرق التفتيش تعاونا كاملا وعلى العراق أن يدرك أنه يتعامل مع "إنذارات أخيرة".

وكثيرا ما استخدم الخطاب التركي قرار 1441 كمرجعية مهمة، حيث إن الحل السلمي لا بد أن يأتي في نفس الوقت الذي يطمئن العالم بأنه ليس هناك مخاطر من النوع الذي أشار إليه هذا القرار، فالهدف الذي تبغيه تركيا هو نفس هدف الإعلان الأوروبي وهو نزع السلاح العراقي نزعا كاملا وفعالا في سياق قرارات مجلس الأمن وخاصة قرار 1441. حيث إن "نزع السلاح الحالي، غير المشروط والكامل للعراق" ما زال هو القضية الخطيرة التي تواجه السلام والأمن الدوليين منذ 1991 وأملت تركيا أن يتم نزع السلاح العراقي سلميا عن طريق لجان البرادعي وبليكس، ولذا رحبت بموافقة العراق على السماح لطائرات U2 بالطيران فوق العراق وتوفير وثائق إضافية واعتبرتها خطوات تخدم قيام تعاون نشط من جانب العراق. إذًا هناك تطابق بين الرؤيتين التركية والأمريكية في حجم الخطر الذي يمثله نظام صدام حسين على العالم وليس فقط المنطقة.

كما تهتم تركيا ببعد آخر مهم وهو الصدى العكسي لهذه الأزمة على العلاقات عبر الأطلنطية، خاصة أن تركيا تعتبر نفسها هي أيضا "دولة قديمة" كما ذكر مندوبها في مجلس الأمن. ومن هنا يبرز حساسية الموقف التركي أمام الخلاف الأوروبي الأمريكي، فعند تفاقم الخلاف قد تجد نفسها بين طرفين كل منهما يمثل حليفا مهما لها ويملك في يده تحقيق مطالب تركية مختلفة. ولذا أدركت تركيا أهمية بعد آخر من الصراع وهو ضرورة الحفاظ على وحدة وتماسك مجلس الأمن ودعت أعضاءه في داخل الجلسة المخصصة للعراق ببناء الجسور بين الفجوات التي قد تظهر بينهم والحفاظ على شرعية وصفة هذا الجسد المؤسسي في هذه الأوقات الحرجة.

- خطاب الحرب وتسويات ما بعدها:

إنه الخط الأهم في هذه المرحلة داخل الموقف التركي تجاه العراق، وأظهر أول انقسام كبير داخل هياكل النظام السياسي التركي بحيث توحدت رؤى الحكومة التركية والمؤسسة العسكرية في مواجهة موقف مغاير يتبناه البرلمان التركي الذي يعبر في الأساس عن درجة من الإجماع الجماهيري الرافض للتدخل العسكري الأمريكي في العراق.

يقوم هذا الخط من الموقف التركي على حسابات سيناريو قيام الحرب وضرورة التعامل مع تداعيات حدوث هذا الاحتمال. وفي هذا السياق يعمل صانع القرار التركي على تحديد شكل وطبيعة الدور التركي في مرحلة الحرب والمشاركة في رسم خريطة ما بعد الحرب سواء السياسية أو الإستراتيجية أو الاقتصادية. إن على صانع القرار التركي -أيا كانت طبيعة الحزب الحاكم- مواجهة عدة إشكاليات في حالة اندلاع الحرب في العراق، منها الخسائر الاقتصادية الكبرى والمستمرة التي تستنذف اقتصادًا يعاني من أزمة اقتصادية طاحنة حتى أن حكومة جول وصفتها في برنامجها عقب تولي الحكم بأنها أكبر أزمة اقتصادية تمر بها البلاد. وبالرغم من المخاوف من رفض القاعدة الجماهيرية خاصة ذات التوجه الإسلامي للضربة الأمريكية ضد العراق، فإنه قد ظهر اتجاها قويا داخل النخبة الحاكمة حتى السياسية منها يرى ضرورة التعاون مع الولايات المتحدة حتى تحصل تركيا على قدر كاف من التعويضات ولا تفقد دورها في صياغة خريطة ما بعد الحرب، خاصة أن الطموح التركي ركز على شمال العراق وموارده، بل وتسعى بعض الدوائر غير الرسمية إلى البحث عن حقوق تاريخية منسية في هذه المنطقة وتمثل الموصل والكركوك المنطقة الإستراتيجية التي تحظى باهتمام كبير.

لقد جسمت الضربة الأمريكية المحتملة ضد العراق من حساسية الموقف التركي من العراق كأحد أهم مجالات الخلاف مع الولايات المتحدة نظرًا لمحوريته بالنسبة لمفهوم التهديد لدى العسكرية التركية. وستظل عقبة طالما لم يتحدد مستقبل العراق ولم يتم حل المشكلة الكردية، فتناول مسألة العراق بشكل يضمن التكامل الإقليمي لتركيا مطلب أساسي لحل الأزمة العراقية. فلقد تكثفت المفاوضات وتعددت مراحلها لمناقشة آليات الدور التركي فيها ومردوده الإيجابي والسلبي على تركيا وارتباط ذلك بدرجة الدعم التي تطلبها الولايات المتحدة للعمليات العسكرية الأمريكية المحتملة ضد العراق والأهداف التركية التي تريد تأمينها بعد انتهاء الحرب.

وقد سلمت الإدارة الأمريكية رسالة من سبع صفحات إلى السفير التركي في واشنطن تضم قائمة بالمطالب الأمريكية من تركيا في حالة اندلاع الحرب مع العراق. وتضمنت قائمة المطالب فتح المطارات والمواني التركية أمام القوات الأمريكية ونشر 100 ألف جندي على الحدود بين تركيا والعراق. ودعت الرسالة تركيا إلى المشاركة بـ35 ألف جندي تركي في الحشد. ووعدت واشنطن أنقرة بإلغاء كافة الديون العسكرية المستحقة على تركيا والتي تبلغ 7 مليارات دولار وإنهاء المشكلات المتعلقة بتوريد الأسلحة لتركيا.

باختصار تريد الولايات المتحدة فتح جبهة شمالية لغزو العراق المحتمل، وهو ما يسرع من نجاح العمليات العسكرية ويقلل من الخسائر الأمريكية. كما ترغب الولايات المتحدة أن تلعب تركيا دورًا رئيسيًا في العمليات العسكرية شمال العراق والحفاظ على النظام في المناطق التركمانية. وترتكز خطط المخابرات الأمريكية على المساعدة العسكرية التركية في الاستيلاء على المدن العراقية الشمالية وفي مقدمتها كركوك والموصل. وسيتم اتخاذ الخطوات لضمان عدم انفجار ثورة الأكراد داخل تركيا ذاتها. إلا أن موقف الحزب الديموقراطي الكردستاني المعارض لتضخيم الدور التركي في شمال العراق بل وتدخل الأتراك بقوات عسكرية بشكل مباشر يطرح بعض الإشكاليات أمام نشر القوات التركية في هذه المنطقة. وبالفعل نجحت المساعي الأمريكية غير المعلنة في جعل الأتراك ينسحبون بضع كيلومترات من بعض المواقع التي تقدموا إليها مؤخرًا في محاولة للسيطرة على أي صراع محتمل ممكن أن ينشب بين هذين الطرفين ويعقد من موقف القوات الأمريكية خلال غزوها للعراق عن طريق الجبهة الشمالية.

تميز موقف حكومة حزب العدالة والتنمية بالتأرجح النسبي. ففي البداية، رفضت الحكومة التركية طلبا أمريكيا بنشر 100 ألف جندي في أراضيها مع السماح فقط باستخدام القواعد التركية في أنجيرليك وديار بكر وموسى وباتمان وملاتايا. بعد أن كان أردوغان قد أعلن عدم السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية في ضرب العراق. كما ربطت مشاركتها في الحرب الأمريكية ضد العراق بنشر شبكة دفاع صاروخي أمريكي فوق أراضيها لحمايتها من أي هجوم صاروخي عراقي محتمل، كما اشترط الجانب التركي موافقة مجلس الأمن على ضرب العراق. ثم رددت بعض التقارير الصحفية بعد ذلك أن قوات أمريكية وتركية تخطط لعبور الحدود العراقية والبقاء في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في شمال العراق لمدة خمس سنوات على الأقل.

وفي المقابل ركزت المطالب التركية على ضرورة الحصول على تعويضات كبيرة في حالة نشوب الحرب بالفعل حتى يسهل اتباع الولايات المتحدة (بل إن بعض المصادر ذهبت للقول بأن التعويضات تشمل السيطرة التركية على حقول البترول في شمال العراق أو الحصول على نسبة 10% من النفط العراقي بعد إسقاط نظام صدام). حيث أبلغت أنقرة المسئولين الأمريكيين بأن الخسائر التركية ستصل إلى 28 مليار دولار بسبب الحرب غير شاملة للنفقات العسكرية للحرب.

إن ما يركز عليه المفاوض التركي ليس حجم التعويضات الاقتصادية فقط بل سرعتها أيضا، وهو ما أكده وزير الخارجية التركي حينما شدد على ضرورة وضع واشنطن لسلسلة التعويضات الاقتصادية على مسار سريع بمجرد الوصول لاتفاق تركي أمريكي؛ لأن انتظار موافقة الكونجرس على التمويل ربما تأخذ شهرين، "ولكن بانتهاء هذين الشهرين ربما تكون الحرب قد انتهت بالفعل" كما صرح. وتأتي التجارة أهم من المال، حيث طالبت الحكومة التركية واشنطن برفع بعض العقبات أمام دخول السلع التركية الولايات المتحدة (مثل المنسوجات).

تشعر تركيا أنها لم تعوض تعويضا كافيا عن خسائرها في حرب الخليج الثانية في 1991؛ ولذا فهي حريصة ومصممة على تحقيق مصالحها هذه المرة. ومن ثم احتلت المطالب الاقتصادية مكانة مهمة في المفاوضات الأمريكية التركية واتضحت مهارة المفاوض التركي في تعبئة كافة الأدوات الدبلوماسية لإقناع إدارة بوش بأحقية تركيا في حجم تعويضات مناسب يجعلها أقدر على تلقي واستيعاب الآثار السيئة للحرب المحتملة في العراق. فمثلا حاول الطرف التركي دوما التركيز على صعوبة موافقة البرلمان التركي وتكرر ذلك في أكثر من خطاب رسمي منها على سبيل المثال ما ذكره السفير التركي في واشنطن الذي أكد أن التعويضات الاقتصادية ليست هي العامل الحاسم في الوصول إلى اتفاق بالنظر إلى أن 95% من الشعب التركي معارض للحرب الأمريكية في العراق. ومن ناحية أخرى أعلم رئيس الوزراء التركي جول إدارة بوش أنه ليس من السهل الحصول على موافقة البرلمان طالما أن معظم النواب وأعضاء حكومته معارضون للضربة الأمريكية، ولذا فإنه على الولايات المتحدة الموافقة على المطالب التركية لتسهيل تصويت البرلمان لصالح نشر القوات الأمريكية. وبالفعل استمعت واشنطن لرسالة جول ووافقت على منح تركيا 6 بلايين دولار كمنح و 10 بلايين دولار كقروض. كما ستعمل الولايات المتحدة على إجبار العراق على دفع تعويضات الحرب وسيتم تعويض تركيا من خلال صندوق تعويضات الحرب المزمع تأسيسه عقب الحرب.

وعادت الحكومة التركية لتقبل فكرة نشر قوات أمريكية فوق الأراضي التركية بحيث تركزت المفاوضات ليس على المبدأ ذاته بل شروط تنفيذه. وكثر الحديث عن شروط تركية للموافقة على ذلك، منها: عدم السماح بإقامة دولة كردية في شمال العراق، وأن يكون الشعب العراقي مسئولا عن اختيار نظام حكمه الجديد، وأن يحصل التركمان على نفس حقوق بقية الفصائل الكردية في حالة إقامة دولة فدرالية مع تعهد واشنطن بعدم تسليح الفصائل الكردية بأسلحة ثقيلة وعدم توفير حماية لحزب العمال الكردستاني، وأن يتم السماح للقوات التركية بالتوغل إلى عمق 75 كيلومترًا داخل العراق. فهناك إصرار تركي على ضرورة تغيير الوضع الدستوري للجماعة التركمانية في العراق حتى يسمح لهم بالمشاركة في الهيكل السياسي في مرحلة ما بعد الحرب، وما زالت المفاوضات جارية بسبب رفض الأكراد العراقيين ونظرتهم للتركمان كأقلية. كما وصل الجانبان التركي والأمريكي إلى اتفاق حول المسألة الكردية: فعدد الأسلحة المعطاة للأكراد ستكون محدودة وتحت سيطرة صارمة من قبل مسئولين أمريكيين. ذلك بالإضافة إلى المطالب السابقة الخاصة بضرورة حصول الولايات المتحدة على موافقة مجلس الأمن قبل ضرب العراق ونصب درع صاروخي أمريكي داخل تركيا.

كما أعلن أردوغان أن بلاده لا تستطيع وحدها المشاركة في الهجوم الأمريكي المرتقب على العراق، وأكد على ضرورة وجود تحالف مع دول مثل مصر والسعودية وسوريا، وأن خسائر تركيا ستكون كبيرة إذا شاركت تركيا وحدها، وطالب بضرورة مشاركة الجميع في العدوان المتوقع؛ لأن مشاركة تركيا وحدها ستؤِدي إلى نتائج سلبية للغاية. وبالفعل قام جول بجولة في المنطقة لبحث هذا الموضوع.

وأعلن السفير التركي لدى واشنطن أن الاتفاق التركي الأمريكي المنتظر له أبعاد ثلاثة: اقتصادية وعسكرية وسياسية، فإنه بالنسبة للمسائل السياسية تخطط إدارة بوش لتأسيس إدارة انتقالية في مرحلة ما بعد صدام كالآتي: 1- إدارة عسكرية انتقالية يقودها جنرال أمريكي لتأمين السلام والاستقرار في المنطقة، ومن المتوقع أن تمثل تركيا في هذا الهيكل من خلال جنرال تركي. 2- إدارة مدنية دولية انتقالية تتضمن عضوا بيروقراطيا تركيا وسفيرًا تركيًا. 3- مجلس استشاري يمثل فيه كل من السنة والشيعة العرب، الأكراد، التركمان والجماعات الإثنية الأخرى. فإلى جانب الإدارة العسكرية الأمريكية سيشارك جميع الحلفاء للولايات المتحدة الذين اشتركوا بفعالية في القتال في الإدارة المدنية الدولية. ولذا تبحث تركيا عن دور لها وإن كانت واشنطن تفضل أن تحصر دورها في شمال العراق. كما أن سير العمل اليومي سيتم من خلال إدارات محلية شيعية في الجنوب وكردية في الشمال، أما شئون منح جوازات السفر فتخضع للإدارة المدنية الدولية؛ ولذا ستعمل تركيا على تشجيع التركمان للعودة إلى العراق من جديد. وسيؤسس المجلس الاستشاري مع الإدارة المدنية الدولية لجنة قضائية لتأسيس دستور جديد وسيعقد استفتاء عليه لتحديد كيفية إدارة البلاد. وبعد إجراء الانتخابات المحلية والعامة ستقوم الإدارة المدنية الدولية بتسليم سلطتها للسلطات المنتخبة من العراقيين. وبعد الحرب سيكون هناك جيش عراقي واحد موحد. وعامة لم تحسم المفاوضات الجارية وأهمها ما سيأتي في مرحلة إعادة هيكلة العراق ما بعد الحرب جميع الأمور بعد.

وكان البرلمان قد صوت ضد المشروع المقدم للموافقة على نشر 62 ألف جندي أمريكي في أراضيها استعدادا لتحضير الجبهة الشمالية للعراق للحرب. وقد أعلن قبل ذلك متحدث باسم الحكومة التركية أن قطاعا مهما من الحكومة التركية لم يكن غير راض عن التطورات ولكن في نهاية المناقشات تقرر إرسال القرار إلى المجلس التركي. وأعلن أن المفاوضات مع الولايات المتحدة في المسائل الثلاث: الاقتصادية والسياسية والعسكرية وصلت إلى مرحلة مهمة ولكنها ما زالت مستمرة. ترددت أحاديث عن تقديم مشروع ثان للبرلمان ولكن هذه المرة يجب العمل على ضمان عدم رفضه مرة أخرى وصدور قرار من مجلس الأمن سيساعد على ذلك، بالإضافة إلى الوصول إلى اتفاق حول المساعدات الاقتصادية، خاصة أن الخلاف كما ذكر وزير الخارجية التركي استمر بسبب إصرار واشنطن على ضرورة ربط المساعدات الأمريكية ببرنامج الصندوق الدولي.

داخليا، ظهرت معارضة لما بدا من موافقة على تحقيق معظم إن لم يكن جميع المطالب الأمريكية. ولم تأت المعارضة على المستوى الشعبي فقط بل من داخل النخبة السياسية ذاتها مثل حزب المعارضة. حيث تعرض أسلوب معالجة الحكومة التركية الجديدة لتزايد احتمالات توجيه ضربة أمريكية للعراق إلى كثير من الانتقادات الداخلية: انتقد بايكل سياسة الحكومة تجاه المسألة العراقية باعتبارها تقود إلى وجود "جيشين وقيادتين هو أمر خطير، وقد يكون أمن الدولة في خطر، وقد يتقلل الاستقرار الذي من الصعب تأسيسه في المنطقة وقد يتصاعد الإرهاب".

كما تصاعدت انتقادات حزب الشعب الجمهوري الحزب المعارض خاصة عقب تقديم حكومة حزب العدالة والتنمية لمشروع ميزانية عام 2003، وذلك بعد تصويت البرلمان بالرفض على مشروع انتشار القوات الأمريكية وبه تسع مليارات دولار كعبء ضريبي إضافي على الشعب وتم تقديمها باعتبارها تكلفة السلام، وتساءل بايكل رئيس الحزب عن تكلفة الحرب التي ستحقق خسائر أكبر وتمنى ألا يوافق البرلمان على ما سبق، وأن رفضه لأن الضرر سيكون أعظم. وأضاف أن أصحاب الدخول المنخفضة الذين توجه لهم حزب العدالة والتنمية ببرنامجه الانتخابي قبل الانتخابات هم من سيعانون في عهد حكمه. كما يزمع حزب الشعب الجمهوري المعارض أن يقوم بتحضير ملف للقيام بتحقيق برلماني حول ما أشار إليه رئيس البرلمان من أن هناك شكوكا حول اختراق الاستعداد العسكري الأمريكي بنود مشروع سبق ووافق عليه البرلمان يسمح للولايات المتحدة بنشر 3.500 خبير لتحديث القواعد والمواني العسكرية.

ففي انتظار الموافقة البرلمانية على نشر القوات الأمريكية على الأراضي التركية أنزلت سفينة أمريكية بالفعل معدات وعربات حربية في ميناء الأسكندرونة. كذلك لم تنتظر واشنطن قيام الحكومة التركية بتقديم مشروع ثان للبرلمان، وقامت بإرسال سفينة حربية إنتربرايز على متنها أعداد ضخمة من الجنود وكميات كبيرة من العتاد للمشاركة في الحرب المحتملة، انطلاقًا من الأراضي التركية، وأشارت الصحف التركية إلى أن واشنطن اختارت مدينة ديار بكر مقرًا لقيادة العمليات الجوية وكمقر لقيادة العمليات التركية وماردين بنفس المنطقة لقيادة العمليات البرية انتظارًا للانطلاق منها عند موافقة البرلمان على شن الحرب من الأراضي التركية، واستمرت في تجهيز قاعدة إنجرليك، وهو التجهيز الذي كان غطاء لتحركات كثير من القوات الأمريكية على الأراضي بأنها التحركات التي اعتبرتها الدوائر الإعلامية الرسمية "استعدادا عسكريا أمريكيا" مستمرا. ويعتقد معظم المحللين أن هذه السفن الأمريكية التي بدأت بإنزال جنود وعتاد في ميناء الأسكندرونة قد تلقت الضوء الأخضر من الجنرال أوزكوك رئيس الأركان التركي. وقد أكد رئيس الأركان التركي أن موقف الجيش هو نفس موقف الحكومة وأنه يحترم قرار البرلمان إلا أن نشر القوات الأمريكية في جنوب تركيا يسمح بتقصير مدة الحرب وتقليل الخسائر، ولذا يعتقد أن المشروع عندما يقدم مرة أخرى سيحظى بالموافقة. وإن تركيا قد حصلت على ضمانات أمنية ومالية من الولايات المتحدة. وأشار إلى أنه لا يمكن لتركيا بمفردها منع الحرب أو الاختيار بين السيئ والأسوأ. أعلن القائد التركي أن الحرب ستكون قصيرة بفتح جبهتين. وبروز هذه التصريحات في هذا التوقيت تفهمها كل من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وأنها تعني عدم رغبة التأثير على قرار البرلمان، ولكنه بدا الوقت وقد حان وقت إحداث هذا التأثير. يرى لذا قائد الأركان التركي أزلوك ضرورة تمرير البرلمان التركي لمشروع السماح للقوات الأمريكية بالانتشار في تركيا لحماية الأمن القومي التركي. وقد رفض الرئيس التركي سيزار قيام الجيش بإصدار بيان يوضح فيه وجهة نظره تجاه نشر القوات الأمريكية لما قد يثيره من بلبلة.

وفي المقابل انتقد رئيس البرلمان التركي تحركات القوات الأمريكية في الأراضي التركية وأعلن رفضه لسياسة الأمر الواقع، وأن هذه التحركات قد اخترقت القانون. ويؤمن كل من رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان التركي بضرورة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يوفر الشرعية الدولية لأي حرب ضد العراق، وانضم إليهم أردوغان بعد فوزه في الانتخابات التكميلية حينما ألمح لبوش في حديث تليفوني إلى أنه يجب عدم الضغط في التوقيت؛ لأن تكوين حكومة جديدة أمر مهم وإنه ينتظر ما تؤول إليه مناقشات مجلس الأمن.

وكان تصويت البرلمان التركي بالرفض مفاجأة لمعظم المراقبين، وعلقت الحكومة التركية والحزب الحاكم على ذلك باعتباره تعبيرا عن العملية الديموقراطية في الأساس. ركز الخطاب التركي الرسمي على أن هذا التصويت من نتائج ديموقراطية النموذج التركي حتى فيما بين أعضاء الحكومة التركية نفسها، ولذا تم ترك لكل نائب حرية التصويت وفقا لما يمليه عليه ضميره وبأن رفض البرلمان ما هو إلا أمر ديمقراطي. "نحن حزب ديموقراطي" كما أعلن وزير الخارجية.

وبدت الأزمة التي تمر بها الحكومة التركية في تصريحات أردوغان الذي انتقد ولكن بشكل غير مباشر التصويت البرلماني، حيث أكد أن تركيا لا يمكن ان تقف موقف المتفرج؛ لأن الأمر يمس أمنها والتكامل الإقليمي العراقي، وأن للحرب آثارها السيئة على تركيا، ولذا يجب اتباع الإجراءات الضرورية. كما أضاف أن على الولايات المتحدة مراعاة الحساسيات التركية عند صياغة السياسة تجاه العراق؛ لأن تركيا تبغي الحفاظ على العلاقات الجيدة معها. ولكنه في نفس الوقت لم يبد انسياقا كاملا للمطالب الأمريكية حيث رفض فتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية بشكل حال وسريع بدون موافقة البرلمان على ذلك.

وقد شدد كذلك كل من باول وبوش على احترامه للديموقراطية التركية. وبشكل عام جاء رد الفعل الأمريكي ردا غير انفعالي وبدا متوازنا ومتفهما للحساسيات التركية، وربما يعود هذا الموقف الهادئ إلى اعتبار الرد التركي ردا غير نهائي وأن المفاوضات ما زالت مستمرة. وانتهى الأمر بإعلان باول لوقف برنامج المساعدات الأمريكية الذي قدره بـ15 مليار دولار.

وبالمثل حاولت بعض الأصوات الأمريكية التقليل من مدى وعمق الآثار السلبية لقرار البرلمان التركي، أعلن رامسفيلد أن الولايات المتحدة ستحقق أغراضها من المسألة العراقية بدعم تركي أو بدونه. وأعلن تومي فرانكس عن وجود خطط بديلة دوما، وأن الولايات المتحدة تتعامل مع كل من ممثلي تركيا وممثلي الأكراد والعمل على حل الخلافات الناشئة. ولكن في الوقت ذاته شددت دعاوى أخرى على أهمية الحصول على الموافقة التركية لفتح الجبهة الشمالية للحرب المتوقعة. وزار وفد برلماني أمريكي برئاسة رئيس لجنة العلاقات الخارجية لمجلس النواب ولدفع الحكومة التركية لتقديم مشروع ثان للبرلمان. الثابت أن هذا القرار لم يؤثر على التحالف الإستراتيجي التركي الأمريكي بالرغم من اضطرار الولايات المتحدة لتعزيز وجودها في البحر الأحمر لتعويض عدم الفتح الكامل للجبهة الشمالية للعراق انطلاقا من الأراضي التركية بالشكل الذي كانت تأمله.

ومن ناحية أخرى يمثل الوجود التركي العسكري في شمال العراق (حجمه وحدود دوره) محورًا إضافيا للخلاف بين واشنطن وأنقرة. واصلت القوات التركية تدفقها على شمال العراق على الرغم من تحذيرات مسعود البارزاني لتركيا من خطورة دخول جيشها شمال العراق. وتتراوح تقديرات أعداد القوات التركية المزمع نشرها في شمال العراق بحوالي أربعين ألف جندي وهدفها الأول منع إعلان وقيام دولة كردية في شمال العراق، ثم لإبقاء اللاجئين بعيدا عن الحدود التركية. وأعلن وزير الخارجية أن القيادة ستكون لتركيا في المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية وسيتم التنسيق مع الولايات المتحدة ولكن لن يكون هناك قيادة مشتركة.

باختصار يمكن تلخيص الموقف التركي كما جاء على لسان وزير خارجيتها وهو التعاون مع الولايات المتحدة في حربها المحتملة ضد العراق بما يحفظ المصالح التركية؛ لأنها لا تستطيع منعها من خوض هذه الحرب. تهدف الحكومة التركية كما ذكر يشار ياقيش إلى إزالة الجوانب السلبية لهذه الحرب، وأن تكون الآثار السيئة محدودة عند وقوع الحرب. ولكنه أضحى تعاونا غير كامل وليس بنفس الدرجة التي توقعها الحليف الأمريكي. وتعتبر الحكومة الضغط الشعبي ممثلا في المظاهرات بمثابة استعمال للحق الديموقراطي ولكنها دعت الاتحادات العمالية والمنظمات الحكومية الرافضة للحرب والمتزعمة للمظاهرات إلى إدراك أن نجاح الضغط الشعبي في إقناع البرلمان بالتصويت ضد مشروع نشر القوات الأمريكية سيكون له ثمن اقتصادي (فمثلا لن يكون هناك علاوة الشهر المقبل وستزيد الضرائب على السيارات وعلى الدخول).

وصلت مرحلة الشد والجذب الطويلة بين الولايات المتحدة وتركيا في نهاية مطافها تقريبا حيث إنه بعد رفض البرلمان التركي مشروع نشر القوات الأمريكية، فرض الأمر الواقع نفسه بالنظر إلى تدفق القوات الأمريكية على الأراضي التركية وانتظارها في المواني والقواعد العسكرية للضوء الأخضر الرسمي من البرلمان عندما يعرض عليه مشروع ثان لنشر هذه القوات. بل إنه تحت غطاء برلماني سابق يبيح تحرك خبراء أمريكيين لتحديث المواني والقواعد التركية تم نقل عتاد وجنود أمريكيون إلى المناطق الحدودية بين تركيا والعراق وإن كانت تتم بشكل غير معلن. ويبدو أن الأوضاع تتجه إلى أن تسعى الحكومة ومعها العسكريون للضغط على البرلمان للموافقة على نشر القوات الأمريكية ضد رغبة الجماهير. فقد تمثل الأزمة العراقية ليس فقط محكا لعمق التحالف الأمريكي التركي ولكن أيضا لحفاظ العسكريين على ثقلهم المحوري داخل هياكل صنع القرار التركي حتى ولو من وراء الستار.

وبذلك يقوم الموقف التركي تجاه العراق على قاعدتين إحداهما تخاطب العالم وتقوم على دعم الجهود لتوفير حل سلمي للأزمة، في حين أن القاعدة الأخرى وتخاطب بها أساسا الولايات المتحدة تقوم على بحث تسويات ما بعد الحرب بشكل يضمن أقل تهديد ممكن للأمن القومي التركي وأقصى مكسب اقتصادي وسياسي وإستراتيجي ممكن للدولة التركية. وقد ظهرت بالفعل بعض الانتقادات في الصحف التركية ذاتها ترى بأنه إذا تعاملت تركيا مع المخططات الأمريكية ما بعد الحرب فهذا يعني أنها لا تأخذ خطوات نزع الأسلحة العراقية مأخذ الجد. وإن هذا المزج بين التفاعل مع التعبئة الأمريكية لأمم المتحدة لنزع أسلحة العراق في الوقت الذي يجرى فيه العمل على قدم وساق في مخططات أخرى تبدو سرية يفقد الأمم المتحدة والناتو وأي تحالفات دولية معناها. وعبرت الأوساط التركية عن معضلة أعمق مثّلها رفض البرلمان وهي عودة مقاومة "أعراض الاستعمار"، وأن تصويت البرلمان التركي مثّل انشقاقا واضحا حول المقولة الداعية أن العولمة والهيمنة الأمريكية أمر لا مفر منه ولا بد من التعامل في سياق ذلك. وكأن التوجه الأيديولوجي التركي تعاد صياغته من جديد.

وبالرغم من بعض التحفظات التي ناقشتها حكومة جول وعدم الانصياع الكامل للمطالب الأمريكية من قبل حكومة أردوغان، فإنها لم تؤثر على طبيعة الدور التركي المستقر في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

إيران والحياد المترقب:

ينطلق الموقف الإيراني تجاه الأزمة العراقية من رؤى فكرية ومحددات موضوعية متباينة كل التباين عن الدولة التركية. تتداخل المستويات الدولية والإقليمية والمحلية لتصيغ الموقف الإيراني الحذر والمترقب، فجميعها تتعلق بالتحديات التي تواجه مستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

بداية عند الحديث عن المتغيرات الدولية من الأهمية بمكان التفرقة بين الرؤية الأيديولوجية والفكرية للنظام الإيراني تجاه النظام الدولي وإستراتيجيات التعامل معه وبين متغيرات الواقع الدولي ذاتها.

على المستوى النظري الأيديولوجي، استمرت الرؤية الإيرانية للنظام الدولي ما بعد 11 سبتمبر على رفضها للهيمنة الأمريكية الكاملة، ولعل ما قاله خاتمي يوجز الموقف الإيراني في هذا المجال: "خلق نظام أحادي القطبية مجرد وهم." بل كثيرا ما تم تشبيه الولايات المتحدة بألمانيا النازية وبوش بهتلر في كثير من الكتابات الإيرانية خاصة القريبة من دوائر صنع القرار المحافظة. كما طابقت بعض التحليلات الإيرانية الأوضاع الدولية المعاصرة بتلك السائدة في الثلاثينيات من القرن الماضي، وترى أن أصحاب السلطة الأمريكيين لا يختلفون كثيرا "في سياساتهم الكاذبة" عن النازيين في هذه الفترة، وأن وهؤلاء المسئولين والكثيرين من الشعب الأمريكي ليسوا سوى لعبة في يد السياسيين تجار الأسلحة والعسكريين ضيقي الأفق الذين أنتجوا ما يسمى بإستراتيجية السبق أو المبادأة المصحوبة دوما بعمليات وقائية. ولا تؤمن هذه الكتابات الإيرانية بأنها خطوة دفاعية ولدت عقب أحداث سبتمبر، إنما هي في الواقع خلاصة أربع سنوات سابقة من عمل الخبراء العسكريين والمخابرات الأمريكية بقيادة البنتاجون ورامسفيلد.

وأطلق خاتمي مسمى "التحالف من أجل الحرب" على ما تتبعه السياسة الأمريكية عقب 11 سبتمبر، ويرى أنها إستراتيجية تقوم على القوة العسكرية والدعوة إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية والتي بدأت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ونهاية نظام ثنائي القطبية، وهي أيضا سياسة لجعل العالم أحادي القطبية أمرا واقعا. وطوال فترة ما بعد 11 سبتمبر جدد خاتمي مطالبته بإنشاء "تحالف من أجل السلام" الذي يستطيع تحقيق الحرية والأمن والاستقرار وليس التحالف من أجل الحرب، وشدد على التعدد والتنوع في عالم اليوم، وأنه لا يمكن توقع أن تنخرط جميع الدول بشكل واحد وأحادي في معسكرين للخير والشر. وأكد مجددًا على الحوار بين الحضارات الذي يطور التعايش بين الأمم. ودعا خاتمي لتكوين اتحاد إسلامي لأن الدول الإسلامية إذا تخطت الاختلافات ستكون اتحادا قويا ينشر الهدوء والسلام في العالم، كما لا بد من تقوية دور التنظيمات الدولية .

أما على مستوى الواقع الدولي، يدرك خطاب الخارجية الإيرانية البعد الدولي المهم للأزمة العراقية وأنها بمثابة "اختبار لمستقبل النظام الدولي"، كما أشار كمال خرازي. ولعل هذه الأزمة محك حاسم لإثبات أحادية هيكل القوة الدولي وهو ما ترفضه وتعمل الدولة الإيرانية على عدم الانصياع له. حيث تواجه إيران واقعًا دوليًا جديدًا تزيد فيه القيود المفروضة على كل ما هو إسلامي، سواء أكان دولة أو تنظيما سياسيا أو حتى جمعية خيرية، وجاء ذلك بعد فترة تعددت فيها فرص لحرية حركة أكبر خلال مرحلة ما بعد الرحب الباردة. منذ قيام الثورة الإسلامية مثلت إشكالية العلاقة مع الغرب وخاصة مع الولايات المتحدة إحدى أهم المعضلات التي على القيادة الإيرانية للجمهورية الإسلامية التعامل معها.

بالرغم من التفاوت الضخم في موقفي تركيا وإيران من الولايات المتحدة سواء قبل أو بعد 11 سبتمبر، فإنه لا يمكن إغفال التوتر المتزايد في العلاقات الأمريكية الإيرانية كمحدد رئيسي ومهم في رسم شكل واتجاه تفاعلاتها ليس فقط الإقليمية بل الدولية أيضا مثلها مثل تركيا. ويمكن تقسيم فترة ما بعد 11 سبتمبر فيما يخص العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مرحلتين رئيسيتين حتى الآن: مرحلة الحرب في أفغانستان ومرحلة توجيه الضربة للعراق. ففي المرحلة الأولى زادت احتمالات حدوث تغيير في العلاقات الأمريكية الإيرانية واتسعت مطالب الإصلاحيين الداعية للحوار مع القطب الأمريكي وساعدت طبيعة المرحلة في تدعيم مطالبه، ثم جاءت تصريحات بوش المعادية لإيران عقب حسم المعركة على الأرض الأفغانية واستمر خلالها الانقسام حول ضرورة الحوار مع الولايات المتحدة ولكن في ظل اهتزاز قوة حجة ومبررات الخطاب الإصلاحي التي كان يتمتع بها من قبل.

شهدت البيئة الإقليمية والدولية تطورات كبيرة وجميعها في غير صالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث زاد التطويق الأمريكي للأراضي الإيرانية فزاد التهديد المباشر والحال للأمن القومي الإيراني. وعملت القيادات الإيرانية على الموازنة بين الحفاظ على الاستقلالية الإيرانية وبين احتواء أي توتر وعدم تصعيده. فبالرغم من التنديد الشديد لمقولات بوش حول محاور الشر الثلاثة التي من بينهم إيران، فان الخطاب الإيراني احتوى على تفنيد أيديولوجي ومنطقي لكثير من السياسات الأمريكية وتأكيدا على قدرة إيران الدفاعية ضد أي عدوان أمريكي محتمل. وسريعا ما تم احتواء تصريحات الحرس الثوري التي هددت برد فعل إيراني خارج الحدود الإيرانية، وربما استخدمت هذه التلويحات وظيفيا كنوع من تبادل للأدوار لفترة محدودة بدون التوسع فيه.

بخلاف تركيا التي وطدت موالتها للغرب من خلال تطوير دورها، فإن إيران لم تتبع جمهور المنصاعين وإنما حجمت وحكمت معارضتها للنظام الدولي للولايات المتحدة. يقوم الموقف الإيراني على عدم تصعيد التوتر مع الحفاظ على الاستقلالية بقدر الإمكان. فلقد استمرت القيادة الإيرانية في تأكيد سياسة إيران القائمة على تخفيف التوتر وجهودها المضادة للإرهاب خاصة في أفغانستان، كما اتفق الجميع على أهمية الدور الإيراني وأنه لولاه ما كانت مأساة أفغانستان قد سويت بهذه السهولة. وساعدت البراجماتية الإيرانية على هذا النهج حيث عمدت إلى إزالة كافة مواطن التوتر أو المبررات التي يمكن أن تسوقها الإدارة الأمريكية للتصعيد ضد إيران. وبدت عدة خطوات للتهدئة منها: عدم تسييس المحدد الأمريكي في رسم العلاقة الجديدة مع أفغانستان، التوحد الإيراني خلف دعم الحكومة الانتقالية الأفغانية، النقد الحاد الذي وجهه خاتمي لقادة حرس الثورة بعد تهديدهم باستهداف آبار النفط والملاحة بمنطقة الخليج إن منعت إيران من تصدير نفطها وطلب منهم عدم التدخل في قضايا السياسة الخارجية.

مثّل الموقف من الحوار مع الولايات المتحدة بعدا داخليا أثر على حدود حركة ومناورة النظام الإيراني فيما يخص المسألة العراقية. فلقد تحسنت مستوى الاتصالات بين طهران وواشنطن خلال الحرب الأمريكية في أفغانستان. ولكن يمكن اعتبار المرحلة التي تلت تصريحات بوش التي جعلت من إيران محورًا للشر مرحلة ثانية مختلفة لفترة ما بعد 11 سبتمبر، اختلف فيها الخطاب الأمريكي، ومن ثم جاء رد الفعل الإيراني مغايرا تبعا لذلك. فلقد تصاعد العداء الأمريكي لإيران بوصفها أحد أضلاع مثلث الشر في العالم ومع تجدد احتمالات الحرب ضد العراق بدأت إيران تواجه خطر العدوان وسط تصعيد إسرائيلي مريب لوضع إيران على أولوية الأجندة الأمريكية لمحاربة الإرهاب. وقد مثّل خطاب بوش في أوائل 2002 صدمة شديدة للإيرانيين خاصة بعد ظهور حالة من التعاطف الإيراني مع الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر، بالإضافة إلى الدور المهم الذي لعبته إيران من أجل إعادة بناء الدولة الأفغانية ما بعد طالبان. وكان لهذا الخطاب آثار سلبية على التحسن الطفيف المتوقع في العلاقات الإيرانية الأمريكية وتدعم موقف المتشددين الذي يقوم على عدم إمكانية الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد شكلت هذه التصريحات عاملا دافعا للوحدة قلما وجد، حيث تقاربت وجهات نظر المحافظين والإصلاحيين بشكل واضح. وركزت معظم الكتابات الصحفية الإيرانية على الطابع المحافظ لإدارة بوش والذي تكرس عقب أحداث 11 سبتمبر. وأعلن أنه لا شك أن أحداث سبتمبر أحداث أليمة ولكنه يجب عدم تجاهل السياسات الأمريكية الخاطئة والمواقف غير المناسبة للسياسيين الأمريكيين التي مهدت الطريق لهذه الأحداث، وأدت للخسائر الكبيرة للأمة الأمريكية. شدد الخطاب الإيراني الرسمي على أن المشكلة تكمن في الاستكبار غير المنطقي والرؤى الخاطئة التي يتبناها المسئولون الأمريكيون حول المسائل الدولية وعن إيران، ومن الأسف أن السياسة المتشددة قد شكلت جانبا من الإدارة الأمريكية وهي التي تقود العالم إلى الحرب بشكل يضر بمصالح الدولية والأمريكية ذاتها. ولكن في نفس الوقت سعت الحركة الإصلاحية الإيرانية إلى عدم إغلاق أي إمكانية للحوار المستقبلي مع واشنطن حتى بعد تصريحات بوش العدائية تجاه إيران.

ومثّل موقف خامنئي الرافض للحوار مع الولايات المتحدة خيبة أمل للإصلاحيين الذين كانوا يأملون بفتح الحوار مع واشنطن لتلافي العدوان الأمريكي خاصة أنهم يرون أن الولايات المتحدة ستتجه إلى تغيير النظام في بغداد ثم تلتف إلى طهران. وبذلك فإنه كلما فتح الحوار مبكرا كان للصالح الإيراني، وأفضل من أن يتأخر وتبدأ إيران المفاوضات من موقف أضعف. إلا أنه لا يمكن تصور فتح أي حوار مع الولايات المتحدة بدون دعم المرشد.

وكانت الخارجية الأمريكية قد أرسلت في 12 فبراير 2002 رسالة تهدئة لإيران عبر السفارة السويسرية تؤكد فيها رغبتها في الحوار وحل الخلافات من خلال حوار هادئ، وهي الرسالة التي كانت من ضمن عوامل أخرى دعمت من رؤية التيار الإصلاحي وبعدها قرر خاتمي إطلاق يد لجنة إدارة الأزمة في إجراء حوار مباشر مع الولايات المتحدة. وكان للمحدد الأمريكي تأثير في الجدل العقائدي بين معسكري الساحة الإيرانية الداخلية حتى أنه قد تبلور لدى المحافظين الرغبة في عدم ترك الإصلاحيين يستأثرون بدور المحاور مع المسئولين الأمريكيين وحدهم. وظهرت أقاويل حول لقاءين سريين بين مسئولين إيرانيين في مجلس تشخيص المصلحة مع مسئولين أمريكيين في قبرص في بداية شهر إبريل 2002، وتلا ذلك تصريحات لرافسنجاني يعلن فيها عدم وجود حظر على اللقاءات غير الرسمية بين الإيرانيين سواء أكانوا مثقفين أو برلمانيين مع نظرائهم الأمريكيين. ثم جاء قرار رافسنجاني بتكليف كل من حسن الروحاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ومحمد جواد لارجاني المنظر العقائدي للتيار المحافظ بدراسة إمكانية إجراء حوار مع الولايات المتحدة، وهو ما يعد بحق انتقاله في موقف المحافظين من مسألة الحوار مع الولايات المتحدة، حيث لا بد لرافسنجاني من الحصول على موافقة المرشد قبل الإقدام على استخدام هذه القضية كمنطلقة للظهور الإعلامي بقوة في الساحة الإيرانية. ويأتي هذا التحول في الموقف المحافظ بعد حملة شرسة ضد البرلمانيين الذي قادوا حملة المطالبة بفتح الحوار مع الولايات المتحدة في ظل إدارة الأزمة الأفغانية ومساءلاتهم أمام المؤسسة القضائية وبعد رفض خامنئي لاقتراح رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الذي قدم في مارس 2002 بإجراء حوار برلماني بين البلدين. وبذلك بدأ الحديث عن وجود سباق غير ظاهر بين الجناحين في إدارة حوار فعال مع الولايات المتحدة.

ويمكن ملاحظة أن فكرة فتح الحوار مع الولايات المتحدة وإن اقتصرت في البداية على الإصلاحيين فإن التطورات الداخلية والدولية المتعاقبة دفعت المحافظين إلى التغاضي أحيانا عن بعض القنوات التي من المحتمل أن يفتحها الجناح الإصلاحي. وانتقلت بذلك قضية الحوار مع الولايات المتحدة إلى دائرة القضايا التي تتداخل فيها مواقف الإصلاحيين والمحافظين ولكن بدرجة أقل من قضايا أخرى مثل الحرية السياسية والتي تتداخل فيها الرؤى بشكل أكبر.

من الملاحظ أنه بعد تصريح الرئيس الأمريكي في 28 يناير، لم تتراجع فقط الانفراجة المتوقعة في العلاقات الأمريكية الإيرانية بل اتجهت لاتباع أساليب غير مباشرة فقط من أهمها المحور الأفغاني، وذلك بعد أن قامت قنوات اتصال مباشرة قبل ذلك عبر الأمم المتحدة بين مندوبي البلدين، ومن خلال لجنتي الاتصال بخصوص الشأن الأفغاني اللتين جمدتهما واشنطن وكذلك لجنة الأزمة التي شكلها خاتمي للتعامل مع الشأن الأفغاني بعد أحداث سبتمبر وأعطى لها بعد ذلك إدارة حوار مباشر مع واشنطن. وقد جاء التفعيل الأمريكي للقناة الأفغانية الجديدة بعد تدارك إدارة بوش لمخاطر استبعاد إيران عن الساحة الأفغانية أولا وعلى المستوى الإقليمي والدولي عامة. واتضح ذلك جليا بعد ما مثّل السلوك الإقليمي الإيراني تحديا سافرا للولايات المتحدة يهدد مساعيها: فعلى سبيل المثال بدا أن هناك احتمالا لتطوير إيران لعلاقاتها مع العراق من خلال تشكيل جبهة موحدة عراقية إيرانية في وجه المساعي الأمريكية لإعادة رسم المنطقة تحت ذريعة ما يسمى بمحاربة إرهاب دول محور الشر.

باختصار نحن أمام ساحة داخلية لا تسمح على الأقل على المدى القريب بفتح حوار شامل وفعال ومؤثر مع الولايات المتحدة حيث تزيد العقبات عن الحوافز، وهو ما يزيد من المخاطر التي من المحتمل أن يواجهها النظام الإيراني أثناء وبعد العمليات العسكرية الأمريكية في العراق. وقد تحدث المفاجأة بأن يدرك صانع القرار الإيراني ضرورة التعامل مع الجانب الأمريكي، ولكن تظل المشكلة في فكر وإدراك القيادة الأمريكية ذاتها والتي بخلفيتها المحافظة يسهل توقع تزايد المشاكل بين الطرفين وليس تخفيفهما. فوفق أحدث تصريحات الرئيس الأمريكي والذي جدد خلاله العقوبات الأمريكية على إيران أعلن أن طهران تهدد السلام والأمن في العالم واتهمها بدعم الإرهاب الدولي وامتلاك أسلحة الدمار الشامل كما أنها تسعى إلى نسف عملية السلام في الشرق الأوسط. وبالفعل أثارت الولايات المتحدة الآن كثيرًا من الشكوك حول أهداف وقدرات البرنامج النووي الإيراني. حيث بدأت الولايات المتحدة في اتهام إيران بسعيها لإنتاج أسلحتها النووية وكررت هذه الاتهامات مؤخرا في أكثر من موضع حيث ساد الاعتقاد أن برنامج إيران النووي أكثر تطورا مما كان يعتقد من قبل، واتهم فلايشر المتحدث الرسمي للبيت الأبيض إيران بالسعي سرا لبناء مصنعين أحدهما لإنتاج اليورانيوم المخصب.

إذا ما تم النظر إلى الموقف الإيراني المعلن، فإن إيران تعد من الدول الداعية إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، كما أنها أبقت على رقابة هيئة الطاقة الذرية على مفاعلاتها النووية، وأثبتت بالفعل أنها لأغراض سلمية. وسعى خاتمي لربط نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية بنزع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية. كما أكد أن إيران ملتزمة باتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية وأنها لا تسعى لإنتاج أسلحة نووية، وأن الإنجاز الإيراني هو في مجال الطاقة النووية. وانتقد وكالة الطاقة الذرية الدولية لفشلها في مساعدة إيران في الحصول على المعرفة التكنولوجية النووية بل وخلق العقبات أمام إيران. وأعلن الرئيس منذ ما يزيد على شهر أن إيران بدأت في استخراج اليورانيوم من حقل على بعد 200 كيلو من "يزد" لإنتاج الوقود لمصانعها النووية. كما أعلنت إيران أن 80 طنا من اليورانيوم المخصب نسبيا والمنتج في روسيا سيصل إلى طهران في مايو 2003 لتشغيل محطة بوشهر، حيث أعلن نائب رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية أن هذا اليورانيوم لتشغيل محطة بوشهر في النصف الثاني من عام 2004، وأنه سيتم فتح مفاعلها للتفتيش الدولي في أي وقت دون أن تلتزم بأي اتفاقيات تضيف مزيدًا من العوائق لبرنامجها النووي. وذكرت بعض التقارير أن محطة نتانز لتخصيب اليورانيوم تعد متقدمة للغاية، وأن إيران في طريقها إلى إنتاج كمية من اليورانيوم بحلول عام 2005 تكفي لصنع قنابل نووية. فقامت الخارجية الأمريكية بإعلان أن طموح إيران والمتابعة المكلفة لإنتاج دائرة كاملة من الوقود النووي لا يبدو منطقيا إلا بتبنيها لبرنامج للأسلحة النووية. وترفض إيران هذه الادعاءات التي ترى أنه لا أساس لها وعلى استعداد للحوار مع المنظمات المؤهلة لإزالة أي غموض.

ويقوم الموقف الإيراني على أن إيران تحتاج بشدة للطاقة؛ لأن نصف إنتاجها النفطي يستخدم محليا (2 مليون برميل من إجمالي 4 ملايين برميل يوميا كما أشار خاتمي)، فبالنظر إلى تزايد السكان وعملية النمو الاقتصادي فإن إيران بحاجة متزايدة للطاقة الأرخص؛ حيث إنه إذا زاد سعر البرميل عن 18 دولارًا تصبح الطاقة الكهربائية المستخرجة من المفاعلات النووية أرخص. فهي دولة نفطية وبها غاز ولكن ذلك لم يمنع دولة مثل الولايات المتحدة وهي تمتلك أيضا البترول والغاز من أن يكون عندها 110 مفاعلات ذرية. باختصار يسعى الخطاب الإيراني إلى إبراز اقتصادية ومنطق استخدام إيران للطاقة النووية في الأغراض السلمية. كما أنها أشارت إلى أن جميع الأنشطة النووية معلنة، وأنه قريبا سيستقر فريق من المراقبين الدوليين في إيران للتأكد من الأبعاد السلمية لبرامجها.

ويرتبط دوما الموقف الروسي بالبرنامج النووي الإيراني، وقد أكدت روسيا على استمرار التعاون الإيراني والروسي في المجال النووي. ولكنه تعاون حذر ولا يمتد بشكل مستمر وكامل حيث كان إنشاء مجلس الناتو - روسيا في روما في مايو 2002 مصدرًا للقلق بالنسبة لإيران؛ لأنه يثير مخاوف امتداد النفوذ الأمريكي الروسي إلى منطقة بحر قزوين، وذلك على الرغم من الموقف الروسي الإيجابي من إيران، حيث رفضت روسيا الطلب الأمريكي بوقف التعاون العسكري مع طهران مقابل إعفاء روسيا من ديون الاتحاد السوفيتي السابق. ولكن ما جدد المخاوف الإيرانية هو الإعلان الروسي بعدم الاستعداد لتنفيذ منظومة الدفاع الجوى (300-OS) بناء على الشراكة الأمريكية الروسية.

وينعكس النظام الدولي ما بعد 11 سبتمبر وموقف التيارات الداخلية من قطبه الكبير على الواقع الإقليمي المفروض على إيران. فتؤمن الرؤية الإيرانية أن أحداث 11 سبتمبر قد ساعدت القوة العسكرية الأمريكية على توسيع نفوذها وكذلك الأمر بالنسبة للأجهزة الأمنية الأمريكية مثل وكالة المخابرات الأمريكية والمباحث الفيدرالية في الساحة الداخلية والخارجية. وتهدف الولايات المتحدة بالأساس وفق هذه النظرة إلى مواجهة عسكرية وأمنية شاملة في المنطقة مع القوى المعارضة لها: العراق وإيران، ووضعت النفط وبيع الأسلحة إلى دول المنطقة على رأس أولياتها. ولقد سادت دوما الشكوك الإيرانية في النوايا الأمريكية، وقد لخص محمد صادق الحسيني الرؤية الإيرانية لأهداف الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بأنها تسعى إلى إعادة رسم جغرافية الخليج بما يؤمن قيام جمهورية نفطية أمريكية خالصة لوقف تدهور الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني نقصا حادًا في مجال تأمين الطاقة الذاتية، وخلع النظام العراقي الراهن واستبدال به نظام تحالف شيعي كردي ملكي دستوري ليلعب دور المارونية السياسية اللبنانية القديم وإضعاف انتمائه للبحر العربي الإسلامي، وليكون أول نظام تحركه الإدارة الأمريكية في شرق أوسط جديد تلعب فيه إسرائيل دور الشرطي الوحيد، وأخيرا تسعى الولايات المتحدة من خلال حربها الإعلامية الشعواء ضد إيران أن تستبدل بالجمهورية الإسلامية الحالية جمهورية ليبرالية على طريقة روسيا الحالية. ومن هنا دافع عن ضرورة معارضة ضرب العراق وتحريم التعاون مع واشنطن بأي شكل.

مثلها مثل معظم دول العالم، ترفض إيران التدخل الأمريكي في العراق، كما ترفض قيام الولايات المتحدة بتغيير نظام سياسي بالقوة العسكرية؛ لأنه سيمثل سابقة خطيرة يمكن تكرارها مع دول أخرى مستقبليا. كما تلاقت إيران مع الدول الخليجية حول تفسير هذه التهديدات الأمريكية باعتبارها تحاول التغطية على الممارسات الإرهابية لإسرائيل، ورفضت هذه الدول ربط العراق بما تسميه الولايات المتحدة الحرب ضد الإرهاب؛ حيث إن العراق لم يثبت تورطه في أي أعمال إرهابية، فهو تدخل لا مبرر موضوعيا له. وانطلاقا من سياسة عدم التصعيد، فقد رحبت إيران بموافقة العراق على دخول المفتشين الدوليين وأنها بذلك تبطل الحجج الأمريكية التي تسعى لاستغلال الوضع.

كما أن نجاح الإستراتيجية الأمريكية الساعية للسيطرة المباشرة على منابع النفط يثير العديد من المخاطر المشتركة بين دول المنطقة خاصة الخليجية منها مع إيران، خاصة أن دول المنطقة جمعيها عربية وإيرانية تستقي مكانتها الدولية في الأساس من وزنها النسبي في التأثير على السياسات النفطية إنتاجا وتسعيرا. وإلى جانب ذلك هناك التعريف الأمريكي للإرهاب والذي على أساسه تصنف الدول، فإنه يمثل تحديا ثانيا مشتركا أمام دول الخليج جميعا من أجل إعادة هيكلة العلاقات فيما بينها للاتجاه نحو مزيد من التعاون.

تدرك إيران أن ضرب العراق سوف يؤدي إلى استكمال عملية حصار إيران غربا على النحو الذي تستهدفه الولايات المتحدة. ومن ثم يتفق كل من المحافظين والإصلاحيين على معارضة ضرب العراق لما له من آثار سلبية واضحة على الأمن القومي الإيراني، خاصة المتشددين؛ نظرًا لتشددهم في رفض الهيمنة الأمريكية. في البداية اتخذت كل من العراق وإيران مجموعة من الإجراءات للتقارب وبناء الثقة المفقودة، وبدأت إيران مجموعة من المبادرات لتطبيع علاقاتها مع العراق مثل الإفراج عن معظم الأسرى العراقيين غير المسجلين لديها وتنشيط التجارة الإنسانية مع العراق عبر الحدود ومارست ضغوطًا على المعارضة العراقية.

وأشار الأستاذ فهمي هويدي إلى أنه كانت هناك مبادرة عراقية بإنشاء قيادة إيرانية عراقية مشتركة لمواجهة العدوان الأمريكي، وبالرغم من الرفض الإيراني السريع لهذه الفكرة فإن هناك أصواتا تساءلت ما إذا كان هذا الحل المفاجئ يصلح عاملاً لردع وإيقاف الجموح الأمريكي. فالتقارب ليس سلسلا بل تقف في سبيله الكثير من العراقيل وهو ما اتضح من الضربة الإيرانية الأخيرة القوية ضد قواعد مجاهدي خلق في العراق والتي عدت أعنف هجوم عليها، ذلك بالإضافة إلى الخلاف حول الملفات الموروثة مثل تباين الرؤية الإيرانية لشكل التطبيع مع العراق وأسسه، وملف الحدود المشتركة وملف الأسرى وملف وجود تنظيمات معارضة لكل نظام لدى الطرف الآخر. الأمر الذي يؤكد على دافع المصلحة الذاتية كمبرر للموقف الإيراني الرافض لضرب العراق. فعلى الرغم من عدم ارتياحها لوجود صدام حسين على رأس السلطة العراقية فإن أي تغيير مستقبلي للنظام العراقي أو تفكيكه لن يعني تحقيق الحلم الإيراني بتكوين دولة شيعية في الجنوب بسبب الموقف الأمريكي الساعي لحصار النموذج الإيراني وليس توسيعه. كما أن العراق ربما تكون الأولى وإيران هي الثانية إذا ما تتبعنا رؤية بوش لمن هم دول محور الشر في العالم. ويدعم ذلك المساعي الإسرائيلية الحثيثة لدفع الولايات المتحدة لتوجيه ضربة لإيران أو السماح لها بالقيام بهذه المهمة أسوة بالضربة الإسرائيلية للعراق في أواخر الثمانينيات. ولكن ليس للرفض الإيراني لضرب العراق وزن كبير يجعله مؤثرا على التوجهات الأمريكية حيث لا يمكن مقارنة هذا الوضع بالحالة الأفغانية التي كان للتعاون الإيراني دورا مهما لا يمكن إغفاله. فبالرغم من أن معاداة إيران لصدام حسين لا تخلف كثيرا عن معاداتها لطالبان فإن الموافقة الإيرانية هنا غير واردة خاصة بالنظر إلى التفاعلات الإيرانية الأمريكية التي تلت التعاون الإيراني في أفغانستان والتي أكدت على الهوة الكبيرة بين طهران وواشنطن. بالإضافة إلى أنه لم يصبح هناك أدنى أمل في تطوير العلاقات الأمريكية الإيرانية في ظل إدارة بوش والتي تسعى لفرض هيمنة فجة على العالم.

بالنظر إلى سلبية مردود المساعدة الإيرانية حتى ولو النسبية للعمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان حيث كانت مكافأة إيران هي إدماج بوش لها فيما أسماه بمحور الشر، فمن الصعب تكرار الموقف الإيراني تجاه التدخل الأمريكي في أفغانستان على الوضع العراقي. وهو الأمر الذي مثل إحباطا كبيرا للإيرانيين خاصة الذين شاركوا منهم في إسقاط طالبان والقاعدة. وتشير بعض الكتابات إلى ثلاثة احتمالات إيرانية محتملة للموقف الإيراني تجاه ضرب الولايات المتحدة للعراق، وهي: عدم التعاون مع الولايات المتحدة؛ لأن نجاح الأخيرة في إسقاط صدام حسين وتكوين نظام بديل يزيد من الفرصة الأمريكية للضغط على إيران، في حين يدعو اتجاه ثان إلى أن إسقاط نظام صدام وتأسيس نظام بديل له أمر لا بد من حدوثه؛ ولذا لا بد من التعامل والتعاون مع الولايات المتحدة، وأن التقارب يجب أن يبدأ خلال العمليات العسكرية، وفي الفترة التي سيتم فيها تشكيل الحكومة الجديدة، أما الاتجاه الثالث والأخير فيدعو لحياد إيران في هذه المسألة أسوة بالمسلك الإيراني الناجح في حرب الخليج الثانية.

حتى اللحظة الراهنة يقوم الموقف الإيراني تجاه المسألة العراقية على رفض إيران للتدخل الأمريكي في العراق -كما كرر خاتمي أكثر من مرة- حيث إن في ذلك تقنين سابقة دولية خطيرة وأن إيران تعارض أي تحرك من طرف واحد لحل المشاكل الدولية. وشككت إيران في الدوافع الأمريكية المعلنة حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيماوية؛ حيث إن العراق سبق أن استخدمها ضد إيران ولم تتحرك الولايات المتحدة. كما عارض فكرة وجود حاكم عسكري أمريكي في مرحلة ما بعد صدام وأكد على ضرورة أن يقوم أي تغيير على شعب العراق المستضعف.

حينما تبنت إيران الحياد النشط خلال العمليات الأمريكية في أفغانستان وساعدت التحالف الشمالي وعلى إسقاط طالبان كان الأمر أكثر سهولة في الحسم؛ نظرا للعداء السابق بين إيران وطالبان، ولأن هناك أصوات ظهرت وطالبت بضرورة استغلال الفرصة الذهبية لفتح الحوار مع الولايات المتحدة. ولكن فيما يخص العراق الأمر أكثر صعوبة: أولا جنت إيران خيبة أمل واضحة حينما كافأتها الإدارة الأمريكية بموقفها المساند في أفغانستان بأن ألحقتها بمحور الشر، ثانيا بالرغم من العداء الإيراني أيضا لنظام صدام حسين فإن سقوط العراق بكامله في اليد الأمريكية يضعف بشدة القدرة الإيرانية على المناورة في المنطقة ويضعف موقفها الإستراتيجي أمام الولايات المتحدة، ثالثا لا تحتاج الولايات المتحدة الدور الإيراني بشدة في عملياتها في العراق كما احتاجته في أفغانستان فليست بحاجة إلى تسهيلات عسكرية ربما فقط عدم دخول فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق إلى الجنوب العراقي الشيعي، رابعا بدا موقف المرشد أكثر حسما في رفضه فكرة الحوار مع الولايات المتحدة خاصة بعد المحاولات الأمريكية لتهميش الدور الإيراني حتى أنه حذر من تعرض من يساند هذه الفكرة إلى مشاكل قانونية.

وأمام هذا الموقف الإيراني المعلن والثابت فقد وصف خاتمي موقف الدول العربية في القمة الأخيرة بأنه "حكيم وجيد" ولم يحبذ عقد قمة إسلامية استثنائية عقب فترة قصيرة من انعقادها في كوالالمبور. ووجه خاتمي رسالة إلى اجتماع مجلس دول التعاون الخليجي بضرورة إيجاد خطة حذرة لإنهاء التدخل الأجنبي في الخليج. كما رحبت إيران بموقف البرلمان التركي وأعلنت تقديرها للسياسة التركية تجاه العراق على لسان وزير خارجيتها كمال خرازي.

وقد أكد إيران دوما سياسة الحياد الإيجابي أو النشط التي تتبعها إيران تجاه الأزمة العراقية. وعملت إيران على جعل حيادها إيجابيا بشكل أوضح، فدعت إيران في 4 مارس إلى مبادرة للمصالحة الوطنية بين المعارضة العراقية وصدام حسين وإجراء استفتاء تحت رقابة الأمم المتحدة. وأعرب خرازي أنها ستكون خطوة كبرى أن يختار الشعب العراقي ممثليه الحقيقيين من خلال استفتاء، يجب أن يقرر الشعب العراقي لنفسه، ويختار حكومة ذات قاعدة عريضة لتمثيل جميع الأقليات والجماعات الإثنية والدينية، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإحداث تغيير سلمي في الحكومة في العراق وتجنيب المنطقة الحرب. وانتقد الأهداف الأمريكية من "العدوان" على العراق وهي بالأساس لحماية المصالح الإسرائيلية. كما أنه تساءل كيف يعطي رامسفيلد النظام العراقي أسلحته في مرحلة ثم يعلن الحرب لنزعها بعد ذلك؟ وأضاف أن الهيمنة العسكرية وفرض نظم عسكرية أمر من الماضي.

من أهم التداعيات المباشرة الآن وتثير المخاوف الإيرانية على المستوى الشعبي والرسمي هو ما تمثله الحرب الأمريكية المحتملة على العراق من إحكام للتطويق الأمريكي الإستراتيجي لإيران، وهو التطويق الذي بدخول الولايات المتحدة العراق سيصبح كاملا من جميع الجهات تقريبا: في الشرق أصبح التواجد الأمريكي في أفغانستان من الحقائق الثابتة على الأقل على المدى القصير والمتوسط بل إذا ما وضعنا في الاعتبار مدى ولاء النظام السياسي الأفغاني وتدعيمه فقد يصبح أيضا وجودا طويل المدى حتى لو كان غير مباشر وفج كما هو الوضع الآن. وفي الغرب مشهود لتركيا بتحالفها الثابت والعميق مع الولايات المتحدة بل وإسرائيل. بل إذا وضع النشاط الأمريكي والإسرائيلي الكبير في آسيا الوسطى وخاصة مع أذربيجان في محاولة لخلق ما تسميه إيران مثلث للتعاون الإستراتيجي بين الثلاث فإن الوضع يصبح أكثر خطورة. ثم هناك التواجد العسكري الأمريكي في الجنوب في الخليج وهو التواجد الذي في ظل الأزمة الحالية يتكرس ويتدعم.    

اقرأ أيضًا:


**مدرس العلوم السياسية- جامعة القاهرة

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع