 |
|
أسعار البورصة تتهاوى |
عندما
صرح لورانس ليندساي في أكتوبر الماضي
(2002) حينما كان يشغل منصب مستشار الرئيس
الأمريكي للشئون الاقتصادية، بأن
النفط هو الهدف الرئيسي لمساعي
الولايات المتحدة لشن هجوم عسكري ضد
العراق، فإن ذلك كان يشكل صراحة غير
معتادة من المسئولين الأمريكيين حول
الهدف الرئيسي والحقيقي من الحملة
الأمريكية العدوانية ضد العراق، بعيدا
عن الأهداف الدعائية المعلنة حول نزع
أسلحة العراق أو إسقاط النظام الحالي
لبناء نظام ديموقراطي وغيرها من
الادعاءات الأمريكية التي تدرك
الإدارة الأمريكية قبل غيرها أنها غير
صحيحة. ذلك أن الأسلحة المحظور على
العراق امتلاكها ببساطة قد نزعت
فعلياً، أما إسقاط النظام العراقي
فإنه لا يمكن أن يكون هدفه بناء نظام
ديموقراطي في العراق، لأن فاقد الشيء
لا يعطيه، والإدارة الأمريكية الراهنة
تعمل بشكل مطرد ومنظم على تقويض
الحريات المدنية في الولايات المتحدة
ذاتها كما رصدت تقارير منظمات أمريكية
عديدة لحقوق الإنسان كلجنة المحامين
لحقوق الإنسان بنيويورك ومنظمة مراقبة
حقوق الإنسان، فضلاً عن أن الرئيس
الأمريكي الآن يجمع سلطات غير عادية
بدرجة دفعت زعيم الديموقراطيين في
الكونجرس الأمريكي لوصفها بأنها سلطات
ديكتاتور، ناهيك عن سلوك الإدارة
الأمريكية ضد الدول المختلفة معها
والذي لا يمت بصلة للديموقراطية
واحترام حقوق السيادة القومية، فما
نشهده الآن هو نموذج متطور للعدوانية
والانتقامية وروح التطرف والفاشية.
الإستراتيجية
النفطية الأمريكية ونفط العراق
النفط
إذاً هو الهدف الرئيسي من العدوان
الأمريكي ضد العراق بهدف إطاحة نظامه
السياسي واحتلاله ووضع حكومة عميلة في
مقعد السلطة في بغداد، فالمقصد
المنشود هو السيطرة على نفط العراق
الذي يملك احتياطيات نفطية هائلة تبلغ
أكثر من 112 مليار برميل أو نحو 11% من
الاحتياطيات العالمية المؤكدة من
النفط. ويحتل المرتبة الثانية عالميا
بعد السعودية ويبلغ قدر احتياطيات
منطقة بحر قزوين مرتين ونصفا.
مع
الأخذ في الاعتبار أن الولايات
المتحدة بالذات ترى أن الاحتياطيات
العراقية من النفط تفوق كثيرا ما تعلن
عنه بغداد. فقد كان وزير الطاقة
الأمريكي الأسبق جون هارنجتون قد أعلن
في عام 1987 أن العراق يسبح على بحيرة من
النفط، وأن احتياطياته ربما تفوق
الاحتياطيات السعودية الضخمة التي
تبلغ نحو ربع الاحتياطيات العالمية
المؤكدة من النفط.
أما
"معهد بيكر للسياسة العامة" الذي
يشرف عليه وزير الخارجية والخزانة
الأمريكي الأسبق جيمس بيكر فقد توصل في
دراسة أخيرة له إلى أن إحدى النتائج
البعيدة المدى لأحداث 11 سبتمبر 2001 هي
وعي الولايات المتحدة بضرورة الاتجاه
لتكثيف البحث عن مصادر جديدة
لوارداتها النفطية. وأنه ما لم يحدث
تغيير جذري في سياسة الاستثمار النفطي
في العراق، فإنه لن يكون هناك بديل
سريع لما تملكه المملكة العربية
السعودية من احتياطيات نفطية مؤكدة
وهائلة وطاقات إنتاجية واحتياطية
كبيرة إذا ما تنامى العداء للولايات
المتحدة وحدث أي تحول داخلي في المملكة.
الغزو
-كما هو واضح- كان هو الحل الذي استقر
عليه مخططو السياسة الأمريكية فقررت
الولايات المتحدة الهيمنة التامة على
العراق ونفطه وإعادة رسم خريطة الحكم
في بغداد، عاصمة العباسيين وبوابة
المشرق العربي وحصنه، وبذلك يمكن أن
تتحكم في حجم الإنتاج العالمي من النفط
بمضاعفة الإنتاج العراقي وخفض أسعاره
بشكل كبير بما يحقق مصلحة الولايات
المتحدة كأكبر دولة مستهلكة ومستوردة
للنفط في العالم، ولن تبالي لو أدى ذلك
إلى تدهور اقتصادي يصل إلى حد الكارثة
بالنسبة للدول الرئيسية المصدرة
للنفط، خاصة تلك التي تعتمد على النفط
بشكل كامل تقريبا في تحقيق دخلها وضمان
مستويات معيشية عالية لمواطنيها مثل
بلدان الخليج العربي.
وحتى
ندرك أهمية النفط للولايات المتحدة،
فإن إجمالي الاحتياطيات الأمريكية من
النفط لا يتجاوز 21 مليار برميل في
الوقت الراهن، في حين يبلغ الاستهلاك
الأمريكي الصافي نحو 17 مليون برميل
يوميا، وهذا يعني أن كل الاحتياطيات
الأمريكية من النفط يمكن أن تنفد خلال
ما يقل عن ثلاثة أعوام ونصف العام فقط
لو اعتمدت الولايات المتحدة على نفطها
بالكلية. لكنها تعتمد على استيراد
البترول بدلا من الاستنفاد السريع
لاحتياطياتها النفطية.
وقد
بلغت الواردات النفطية الصافية (الواردات
من النفط مخصوما منها الصادرات من
منتجاته) للولايات المتحدة نحو 10.8
ملايين برميل يوميا في المتوسط في عام
2001، في حين يدور حجم الإنتاج الأمريكي
من النفط حول مستوى 6 ملايين برميل
يوميا.
وحتى
في ظل هذا المستوى من الإنتاج، فإن
الاحتياطيات الأمريكية سوف تنتهي بعد
ما يقل عن عشرة أعوام، لتصبح الولايات
المتحدة معتمدة على استيراد النفط
بشكل كامل. وفي الوقت الراهن فإن زيادة
سعر برميل النفط بدولار واحد يعني
زيادة المدفوعات الأمريكية عن
الواردات النفطية الصافية بمقدار 4
مليارات دولار سنويا. أما عندما ينفد
الاحتياطي الأمريكي -وبفرض ثبات حجم
الاستهلاك الأمريكي من النفط- فإن
ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار دولار
واحد سيعني زيادة المدفوعات الأمريكية
عن الواردات النفطية بأكثر من 6
مليارات دولار في العام.
وللعلم
فإن بريطانيا والنرويج ستتحولان إلى
دولتين مستوردتين لكامل احتياجاتهما
من النفط قبل نهاية العقد الأول من
القرن الحالي، كما أنه بعد عقدين ستنضب
كل احتياطيات الصين وروسيا وستصبحان
من أكبر الدول المستوردة للنفط.
أما
ليبيا والمكسيك فإن احتياطياتهما من
النفط سوف تنضب قبل نهاية العقد الرابع
من القرن الحالي بافتراض ثبات حجم
إنتاجهما عند مستواه الراهن.
أما
الدول التي ستظل تمتلك احتياطيات
نفطية وقدرات تصديرية كبيرة حتى سبعة
عقود قادمة، فإنها سوف تصبح محدودة
ومتركزة في دول الخليج العربية وضمنها
العراق، إضافة إلى إيران وفنزويلا.
وبالتالي فإن الولايات المتحدة
المعنية بإبقاء أسعار النفط منخفضة
عند أدنى حد ممكن ولأطول مدى، تجد أن
مصلحتها الذاتية تقتضي تحقيق ذلك من
خلال أساليب الضغط بالثقل العسكري
الرهيب على الدول المنتجة والمصدرة
الرئيسية الكبرى للنفط في الخليج من
جهة، والتواجد العسكري المباشر أو
احتلال بلد نفطي عملاق مثل العراق
لاستخدام نفطه في إحداث إفراط في
الإنتاج وانهيار في الأسعار من جهة
أخرى، حيث من المؤكد أن تعمل الولايات
المتحدة في حالة احتلالها للعراق على
زيادة إنتاجه وصادراته، وتحويله
للمنتج والمصدِّر المرجح في سوق النفط
الدولية حتى توظفه في تحقيق
إستراتيجيتها ومصالحها الاقتصادية.
هذا
التحول سيكون بلا شك نهاية الحقبة
السعودية في سوق النفط الدولية، حيث
سيحل العراق الخاضع للولايات المتحدة
محلها بشكل حاسم وسريع كأكبر منتج
ومصدر للنفط، وسيكون الأمر بمثابة
كارثة مالية للسعودية ولباقي بلدان
الخليج ولإيران ولروسيا والمكسيك
وفنزويلا ولكل الدول المصدرة للنفط في
العالم. وإذا كانت الولايات المتحدة
يمكن أن تعوض المكسيك مثلاً عن ذلك
باعتبارها شريكتها في منطقة التجارة
الحرة لدول أمريكا الشمالية، فإنها لن
تبالي على الأرجح بالضرر الواقع على
الباقين.
وكانت
الولايات المتحدة قد عبرت أكثر من مرة
عن أن السعر المناسب لبرميل النفط هو 15
دولارا، ولا شك أن غزوها للعراق
واحتلاله أو تنصيب حكومة عميلة لها في
بغداد سيعني أنها ستتمكن من تخفيض سعر
برميل النفط إلى هذا المستوى، بل وربما
يغريها بتخفيض السعر إلى ما هو أدنى من
ذلك حتى مستوى يزيد قليلا عن تكلفة
الاستخراج من المناطق الحدية أو
الأعلى في تكلفة استخراج النفط منها،
أي ما يزيد قليلا على 10 دولارات
للبرميل.
وبما
أن انخفاض سعر برميل النفط بمقدار
دولار واحد، يعني انخفاض مدفوعات
الولايات المتحدة عن وارداتها النفطية
بمقدار 4 مليارات دولار في العام، فإن
انخفاض سعر برميل النفط من مستواه
الراهن البالغ 32 دولارا للبرميل
بمقدار 14 دولارا للبرميل ليراوح حول
مستوى 18 دولارا للبرميل، يعني أن
الولايات المتحدة ستكسب من وراء ذلك
نحو 56 مليار دولار في العام، أما لو
انخفض سعر البرميل لمستوى 15 دولارا
للبرميل، فإن الولايات المتحدة ستكسب
نحو 68 مليار دولار في العام. وهذا الربح
الذي يمكن أن تحققه الولايات المتحدة
سوف ينتفع به الشركات الأمريكية
الكبرى المستهلكة للنفط وعلى رأسها
المجمع الصناعي العسكري وشركات النقل
والطيران، وكذلك الجيش الأمريكي وهو
أيضاً مستهلك رئيسي للنفط، وبالطبع
الفرد المستهلك الأمريكي.
العدوان
الأمريكي: تكلفته وآليات تمويله
لو
تأملنا هذا المكسب الهائل سنجد أنه
يفوق في عامين فقط، كل تكاليف العدوان
الأمريكي المزمع ضد العراق. وكان هناك
اختلاف في تقديرات إجمالي هذه
التكلفة، فعندما كان وزير الدفاع
الأمريكي دونالد رامسفيلد يحاول
التقليل من شأن التكاليف التي
ستتحملها الولايات المتحدة في غزو
العراق وأنها تبلغ "فقط" نحو 50
مليار دولار، وذلك لطمأنة الرأي العام
الأمريكي أن الاقتصاد الأمريكي
المضطرب والبطيء لن يتحمل المزيد من
العبء؛ خرج لورنس ليندساي في أكتوبر
الماضي (2002) بتقدير واضح يشير إلى أن
تكلفة الغزو الأمريكي للعراق ستتراوح
بين 100 و200 مليار دولار.
وعلى
أي حال فإن لورنس ليندساي قد فتح باب
النقاش حول تكلفة أي عدوان أمريكي على
العراق. ومع وصول الحشد العسكري
الأمريكي في المنطقة والتنسيق بين "الحلفاء"
إلى الحد الذي يسمح للإدارة الأمريكية
بشن العدوان على العراق في الوقت
الراهن يتضح أن ليندساي كان هو الأقرب
للدقة في تقدير تكلفة تلك الحرب وليس
رامسفيلد الذي تتسم تقديراته بالتبسيط
الزائد ويبدو أنها موجهة لإقناع الرأي
العام بانخفاض تكلفة الحرب من أجل كسب
التأييد وتحييد المعارضة.
وكانت
وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قد
أبلغت البيت الأبيض بأن تكلفة ضرب
العراق وإلحاق الهزيمة به واحتلاله
لمدة ستة أشهر تبلغ نحو 85 مليار دولار.
وهناك أنباء تشير إلى أن إدارة بوش (الثاني)
طلبت من الكونجرس تخصيص 95 مليار دولار
لمواجهة تكاليف الحرب، وهي التكاليف
التي يمكن أن ترتفع لأكثر من ذلك بكثير
لأن الاحتلال الأمريكي للعراق يحتاج
حسب تقديرات رئيس أركان القوات البرية
الأمريكية إلى 200 ألف جندي بشكل دائم
طوال فترة هذا الاحتلال. فضلاً عن أن
الولايات المتحدة سيكون عليها أن
تتحمل تكلفة تقديم منح ومساعدات للدول
التي ستساعدها أو تقدم لها تسهيلات في
الحرب ضد العراق.
وقد
جرت مساومة طويلة بين تركيا والولايات
المتحدة بشأن ثمن مشاركة تركيا في
الحرب مقابل السماح للأمريكيين
باستخدام أراضيها في شن الهجوم جويا
وبريا على العراق. ومع التمنع التركي
هذه المرة ومهارة التفاوض وإلحاح
المصالح الأمريكية وخاصة مع تزايد
المعارضة الدولية فإن أنقرة تمكنت من
رفع قيمة الصفقة من 26 مليار دولار إلى 30
مليار دولار، منها 6 مليارات دولار
كمنح حكومية أمريكية، ونحو 24 مليار
دولار ضمانات حكومية أمريكية لقروض
تحصل عليها أنقرة من المؤسسات المالية
الأمريكية، وهي قروض سوف تقوم الإدارة
الأمريكية بتسديدها بدلا من تركيا لو
تعثرت الأخيرة في السداد، على غرار ما
يحدث عندما تمنح الإدارة الأمريكية
ضمانات حكومية للقروض الإسرائيلية من
المؤسسات المالية الأمريكية. بل وما
زالت تركيا تتفاوض لرفع السقف إلى نحو
35 مليار دولار على أن يتم مقدماً تسديد
6 مليارات دولار من حصة المنح.
وقد
تدخلت القوتان الكبريان في الاتحاد
الأوروبي وهما ألمانيا وفرنسا لعرقلة
الصفقة بعرض 2 مليار يورو على تركيا إن
هي لم تسمح للقوات الأمريكية باستخدام
أراضيها في العدوان على العراق. ومن
المرجح أن يؤدي موقف تركيا من هذا
العرض الأوروبي إلى التأثير على فرص
دخولها للاتحاد الأوروبي الذي يشكل
الهدف الأول للسياسة الخارجية التركية
منذ سنوات طويلة.
وإذا
أضفنا تكاليف الصفقة التركية إلى
التكلفة المباشرة للعدوان الأمريكي
المزمع ضد العراق فإن تكاليف الحرب تقع
ضمن النطاق الذي حدده لورنس ليندساي
فيما بين 150 و 200 مليار دولار.
وإذا
كانت الولايات المتحدة قد حملت
حلفاءها وبالأساس السعودية والكويت
والإمارات وألمانيا واليابان تكاليف
الحرب ضد العراق عام 1991 بل وحققت فائضا
في موازنة الحرب وخرجت رابحة مالياً
على حساب حلفائها من تلك الحرب، فإن
الأمر يختلف هذه المرة، لأن الحرب ضد
العراق هي حرب الإدارة الأمريكية التي
لا يوجد لها مبررات مقنعة لغالبية
الأطراف الدولية وبالتحديد للدول التي
شاركت في تمويل حرب عام 1991. وبالتالي
سيكون على الولايات المتحدة أن تتحمل
التكلفة الباهظة لهذه الحرب، في وقت
تعاني فيه من وضع اقتصادي مضطرب ومن
تباطؤ حقيقي ومن عجز قياسي في موازينها
الخارجية.
وقد
بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي
الإجمالي الأمريكي في الربع الأخير من
عام 2002 نحو 0.7% فقط، وبلغ معدل البطالة
نحو 5.7% في يناير الماضي (2003)، في حين بلغ
العجز في ميزان الحساب الجاري
الأمريكي نحو 462.2 مليار دولار في العام
المالي الأمريكي المنتهي في أكتوبر
الماضي (2002).
أما
أسعار الأسهم الأمريكية المدرجة في
مؤشرات داو جونز، وستاندارد آند بورز،
وناسداك فإنها تقل في الوقت الراهن -على
التوالي- بنسبة 23%، 29%، 34% عن مستوياتها
في نهاية عام 2001 بسبب الخسائر التي
منيت بها الشركات بعد أحداث 11 سبتمبر
ومجمل التداعيات اللاحقة لها، وأيضا
بسبب انفجار فضائح الفساد في الشركات
الأمريكية الكبرى والتي هزت الثقة في
أحد أهم آليات عمل النظام الرأسمالي في
صيغته الراهنة القائمة على قيام
المديرين التنفيذيين بإدارة الشركات
لحساب حملة الأسهم تحت رقابة شركات
المحاسبة (التي تراقبهم لصالح حملة
الأسهم) حيث تورط المديرون التنفيذيون
في مخالفات فساد ضخمة وتواطأت معهم بعض
شركات المحاسبة العملاقة، وهو ما كان
أحد أهم القضايا التي شغلت أجندة
المنتدى الاقتصادي الدولي في دافوس
يناير 2003.
ومن
الصعب تصور أن يتحمل الاقتصاد
الأمريكي تكلفة الحرب ضد العراق وهو في
حالته الراهنة، وهو ما يطرح التساؤل
حول السبل المحتملة التي ستسلكها
الإدارة الأمريكية لمواجهة تكاليف
حملتها الاستعمارية ضد العراق.
وبناء
على الخبرة الأمريكية في مواجهة
الآثار المالية والاقتصادية لأحداث 11
سبتمبر، فإنه من الممكن أن نتوقع أن
تقوم الإدارة الأمريكية باستغلال وضع
الدولار كعملة احتياط دولية مهيمنة
لإصدار أوراق نقدية أمريكية بدون أي
مبرر اقتصادي كما فعلت بعد أحداث 11
سبتمبر عندما أصدرت أكثر من 81 مليار
دولار وحصلت مقابلها على سلع وخدمات من
مختلف بلدان العالم، بحيث حملت العالم
جزءاً أساسياً من تكاليف مواجهة آثار
ذلك الحدث. لكن الإصدار النقدي
الأمريكي هذه المرة قد يكون أكبر، وقد
يثير الكثير من الاضطراب النقدي في
العالم خاصة في ظل حالة الاقتصاد
الأمريكي التي أشرنا إليها آنفا، كما
أن أي إصدار نقدي أمريكي واسع النطاق
بدون مبرر اقتصادي يمكن أن يؤثر سلبياً
على حركة سعر صرف الدولار مقابل
العملات الحرة الرئيسية، وأيضاً -وهذا
هو الأهم- على مكانته كعملة احتياط
دولية رئيسية تهيمن على نحو 68% من سلة
الاحتياطيات الدولية من العملات الحرة
في العالم بأسره.
والحقيقة
أن الإجراء النقدي الأمريكي الخاص
بإصدار كميات كبيرة من النقد بدون مبرر
اقتصادي من أجل تمويل الحرب لن يكون
الآلية الوحيدة لتعويض تكاليف العدوان
الأمريكي المزمع ضد العراق، حيث أن
حسابات تعويض التكاليف الكبيرة التي
ستتحملها الولايات المتحدة مرتبطة
بالأساس بمنافع وعوائد احتلال هذا
البلد النفطي العملاق التي سبق ذكرها.
ومن
المؤكد أن الولايات المتحدة سوف
تحاول، إذا نجحت في الاستمرار في
احتلال العراق، أن تنفذ مخططها بتوظيف
احتياطي العراق من النفط من أجل إحداث
انهيار في أسعار النفط واستعادة عصر
النفط الرخيص كصورة للنهب الاستعماري
للثروة الطبيعية العربية الرئيسية بما
سيعوض الإدارة الأمريكية والمجتمع
الأمريكي عن أي تكاليف للحرب ضد
العراق،كما سيمكنها استغلال انخفاض
أسعار النفط من أجل تخزين كميات هائلة
منه تتجاوز الاحتياطي الاستراتيجي ،
وإعادة بناء الاحتياطي النفطي
الأمريكي من خلال حقن الآبار بصورة
تطيل العمر الافتراضي لهذا الاحتياطي
بصورة مؤثرة.
وجدير
بالذكر أن حجم الاحتياطيات النفطية
الأمريكية يبلغ نحو 21 مليار برميل، في
حين يبلغ حجم الإنتاج نحو 6 ملايين
برميل يوميا، وهو معدل للإنتاج يجعل
الاحتياطيات الأمريكية تنفذ تماما
خلال ما يقل عن عشر سنوات. وبلغ حجم
الواردات النفطية الصافية للولايات
المتحدة (وارداتها من النفط مخصوما
منها صادراتها من منتجاته)، نحو 10.8
ملايين برميل يوميا في المتوسط في عام
2001. وكانت قيمة الواردات النفطية
الأمريكية من النفط قد ارتفعت من 50.3
مليار دولار في عام 1998 في ظل سعر بلغ 12.3
دولار للبرميل في المتوسط، إلى 67.2
مليار دولار في عام 1999 في ظل سعر بلغ 17.5
دولار للبرميل في المتوسط، ثم ارتفعت
تلك المدفوعات إلى 119.3 مليار دولار عام
2000 عندما ارتفع سعر برميل النفط في
المتوسط إلى 27.6 دولار، ثم بلغت نحو 86
مليار دولار عام 2001. أي أن الزيادة في
قيمة الواردات الأمريكية من النفط في
مجموع أعوام 1999، 2000، 2001 بلغت 121.6 مليار
دولار عما كان يمكن أن تدفعه لو استمرت
أسعار النفط ومدفوعات الولايات
المتحدة عن وارداتها منه عند
مستوياتها عام 1998. ومن المؤكد أن
الارتفاع الكبير لأسعار النفط في
النصف الثاني من عام 2002بسبب الأزمة
الأمريكية-العراقية وبسبب الاضطرابات
في فنزويلا التي أدت إلى توقف صادرات
النفط من هذه الدولة، ثم الارتفاع
الأكبر لأسعار النفط في العام الحالي
على دوي طبول الغزو الأمريكي للعراق،
قد أدى إلى زيادة كبيرة في المدفوعات
الأمريكية عن الواردات النفطية.
وتجدر
الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار النفط بعد
حرب أكتوبر عام 1973، كان أحد العوامل
الرئيسية لتدهور المؤشرات المعبرة عن
أداء الاقتصاد الأمريكي، وبالذات
تزايد العجز في ميزان المدفوعات
الأمريكي. وتشير البيانات الأمريكية،
إلى أن الميزان التجاري الأمريكي في
السلع غير النفطية كان يسفر عن فائض
يبلغ نحو 27.2 مليار دولار سنويا في
المتوسط، خلال الفترة من عام 1974 حتى
عام 1982، لكن الميزان التجاري الأمريكي
في النفط ومنتجاته كان يسفر عن عجز بلغ
46.5 مليار دولار سنويا في المتوسط خلال
الفترة ذاتها، مما أدى في النهاية إلى
أن يسفر الميزان التجاري الإجمالي
للولايات المتحدة عن عجز بلغ 19.3 مليار
دولار سنويا في المتوسط خلال الفترة
المذكورة. وبالتالي فإن سيطرة الدول
المنتجة والمصدرة للنفط، على نفطها،
وإنهائها لعصر النفط الرخيص الذي كانت
الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة
تنهب خلاله نفط الدول المصدرة له بأبخس
الأثمان، كان سبباً رئيسياً في انحدار
المكانة العالمية للاقتصاد الأمريكي
بشكل سريع منذ عام 1974 وحتى منتصف
تسعينيات القرن العشرين. كما كان
ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير بعد نجاح
الثورة الإيرانية عام 1979. ثم إن اندلاع
الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980 قد
ساهم في إحداث أزمة ركود في اقتصاديات
الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة
وعلى رأسها الاقتصاد الأمريكي عامي 1981،
1982، وأدى ارتفاع أسعار النفط من مستوى
شديد التدني إلى مستويات معتدلة في
عامي 1990، 1991، إلى المساهمة في خلق أزمة
الركود الاقتصادي التي عانتها الدول
الرأسمالية الصناعية المتقدمة في
بداية تسعينيات القرن الماضي.
العدوان
الأمريكي والاقتصاديات العربية:
من
الضروري في المقابل إجراء حساب أولي
لآثار العدوان الأمريكي ضد العراق على
اقتصاديات البلدان العربية حتى تدرك
كل الدول العربية عواقب مثل هذا
العدوان على مستقبلها الاقتصادي، وحتى
تدرك أي دولة تقوم بتسهيل وقوع مثل هذا
العدوان (عبر السماح بانطلاقه من
أراضيها أو قواعدها) أي جرم ترتكبه بحق
الوطن العربي ومستقبله الاقتصادي وبحق
شعبها ذاته، خاصة وأن أي عدوان أمريكي
على العراق، أياً كان حجم التدمير
الهائل الذي سيسفر عنه بالعراق، لن
يجعل بمقدور الجيش الأمريكي على
الأرجح أن يحتل العراق كاملاً ويتحكم
في نفطه أو أن يسقط النظام السياسي
هناك بسهولة كهدف أمريكي واضح ومعلن من
وراء هذا العدوان، إلا إذا تلقت
الولايات المتحدة مساعدات وتسهيلات من
بعض الدول العربية المجاورة للعراق
وبالذات في الخليج، بما يسمح للقوات
البرية الأمريكية أن تنطلق من تلك
الدول في هجومها المزمع ضد العراق.
وفيما
يتعلق بآثار أي عدوان أمريكي على
العراق، على الاقتصاديات العربية،
فإنها تتوقف على فشل هذا العدوان أو
نجاحه في تحقيق الأهداف الأمريكية من
ورائه، وهي احتلال العراق وإسقاط
نظامه وحكمه بشكل مباشر أو من خلال
تحالف حكومي هش والتحكم في نفطه
وتوظيفه لإحداث انهيار طويل الأجل في
أسعار النفط قد يدخل دول الخليج في
أزمة اقتصادية حادة غير مسبوقة، وهو ما
قد لا تكون عواقبه اقتصادية فحسب بل
سياسية أيضاً.
أما
لو تمخضت الهجمة عن إخفاق الولايات
المتحدة في تحقيق أهدافها المذكورة
آنفا، فإنه من المرجح أن يكون الاقتصاد
العراقي رغم كل ما قد يتعرض له من دمار،
في وضع إقليمي أفضل، حتى في حالة
استمرار الحصار المفروض عليه والذي
ستتكفل الولايات المتحدة بتجدده
واستمراره لفترة طويلة.
وإذا
تم العدوان الأمريكي على العراق من
خلال قرار لمجلس الأمن، فإن فرص العراق
في رفع الحظر أو تفكيكه وكسره ستكون
معدومة تقريبا.
أما
لو هاجمت أمريكا منفردة ضد إرادة الدول
الكبرى والمجتمع الدولي إجمالا، فإن
فرص تفكيك الحظر الاقتصادي المفروض
على العراق سوف تتزايد في الواقع
العملي على الأقل، حتى ولو لم يتمكن
العراق من الحصول على إلغاء رسمي
للعقوبات الاقتصادية الدولية
المفروضة عليه في الأجل القريب.
وفي
كل الأحوال فإنه في حالة فشل الغزو
الأمريكي للعراق في تحقيق أهدافه،
فإنه من المرجح أن تحافظ أسعار النفط
على مستويات مرتفعة أو معتدلة في هذه
الحالة، حيث لن يكون بإمكان الولايات
المتحدة تنفيذ مخططها بتوظيف العراق
لإحداث انهيار في أسعار النفط
واستعادة عصر النفط الرخيص. أي أن
السيناريوهات مركبة وبالغة التعقيد،
ومحض اندلاع الحرب لا يعني بشكل تلقائي
تحقق الأهداف الأمريكية.
وبالمقابل
فإن البلدان العربية المصدرة للنفط
ستستفيد بشدة من فشل الولايات المتحدة
في تحقيق أهدافها من غزو العراق، حيث
إن تحرك سعر برميل النفط بمقدار دولار
واحد صعودا أو هبوطا يؤدي إلى تحرك
الإيرادات العربية من تصدير النفط
بشكل مواز، صعودا أو هبوطا، بأكثر من 6
مليارات دولار في العام، حيث إن
الصادرات العربية من النفط تبلغ في
المتوسط نحو 17.5 مليون برميل يوميا.
وبالتالي فإن فشل الولايات المتحدة في
السيطرة على نفط العراق، سوف يحمي
الثروة الطبيعية العربية الرئيسية، أي
النفط، من أن تنهار أسعارها وتنهار
عوائد العرب من تصديرها.
وتجدر
الإشارة إلى أن إيرادات البلدان
العربية من صادراتها النفطية ارتفعت
من نحو 82.1 مليار دولار عام 1998 عندما كان
متوسط سعر البرميل نحو 12.3 دولار في ذلك
العام، إلى 118.1 مليار دولار عام 1999
عندما بلغ سعر البرميل نحو 17.5 دولارا
في المتوسط. ثم ارتفعت الإيرادات
العربية من تصدير النفط إلى 179.5 مليار
دولار في عام 2000، عندما ارتفع متوسط
سعر البرميل في ذلك العام إلى 27.6
دولارا. أي أن البلدان العربية قد حققت
زيادة في إيراداتها النفطية في مجموع
عامي 1999، 2000، بلغت قيمتها نحو 133.4 مليار
دولار عما لو كانت قد حققت نفس الإيراد
المتحقق عام 1998.
ومن
ناحية أخرى فإنه في حالة حدوث العدوان
الأمريكي ضد العراق سيؤثر ذلك سلبياً
على قطاعات السياحة والطيران والفنادق
والصناعات الصغيرة المرتبطة بها في
البلدان العربية المستقبلة للسياح،
حيث ستتأثر سلبياً لأن توافر الأمن
والاستقرار هو شرط ضروري لتدفق
السياحة. وهي القطاعات التي تأثرت
بالفعل منذ 11/9 فبعد أن كانت المنطقة
العربية تستقبل نحو 30 مليون سائح في
العام قبل أحداث 11 سبتمبر تراجع هذا
العدد بصورة ملحوظة.
أما
بالنسبة لحركة العمالة العربية من
البلدان المصدرة إلى البلدان
المستوردة فإنها لن تتأثر إذا فشل
العدوان الأمريكي على العراق في تحقيق
أهدافه، ببساطة لأن هذا الفشل سيعني
استمرار أسعار النفط عند مستويات
مرتفعة تسمح للدول العربية المصدرة
للنفط والمستوردة لخدمات العمالة من
بلدان عربية أخرى، أن تواصل نموها
الاقتصادي بما يعنيه ذلك من استمرار
طلبها على خدمات العمالة من البلدان
العربية.
كذلك
فإن درجة نجاح الغزو الأمريكي للعراق
ستتوقف عليه درجة القدرة الأمريكية
على الضغط من أجل فرض إطار تعاون
اقتصادي إقليمي يشمل إسرائيل، وسوف
تتضاءل على الأرجح مع نمو المعارضة
الشعبية للتواجد الأمريكي في المنطقة
فرصة بعث فكرة السوق الشرق أوسطية،
ربما باستثناء إمارة قطر، والمملكة
الأردنية التي أقامت منطقة صناعية
مشتركة مع إسرائيل، ونالت مكافأة
أمريكية على ذلك بتحرير دخول منتجات
تلك المنطقة إلى السوق الأمريكية.
على
الجانب الآخر فإنه على كل الأحوال
يتوقع أن تدفع الإدارة الأمريكية
اليمينية المتطرفة في اتجاه المزيد من
التوجس من الأموال العربية في
الولايات المتحدة في ظل ما يسمى
بالحملة على الإرهاب بما قد يؤدي إليه
ذلك من احتمالات التوسع في عمليات
المراقبة أو التجميد، وهو أمر قد يكون
له أثر إيجابي بعيد المدى على
الاقتصاديات العربية، إذ قد يدفع إلى
عودة الأموال التي تخلت عن دورها في
الاستثمار وبناء الاقتصاد ودعم
التنمية في البلدان العربية إلى الوطن
العربي، وما كان ينبغي لها أن تهجره
ابتداء.
أما
في حالة نجاح العدوان الأمريكي في
إسقاط النظام العراقي والسيطرة على
الحكم في العراق بشكل استعماري مباشر
أو من خلال حكومة تحركها واشنطن، فإن
الولايات المتحدة سوف تعمل من اللحظة
الأولى على رفع طاقته الإنتاجية إلى
حدودها القصوى، أي أربعة ملايين برميل
يوميا خلال شهور قليلة، بينما يمكن
للشركات الأمريكية أن تضخ استثمارات
ضخمة وسريعة لقطاع النفط في العراق
لرفع الطاقة الإنتاجية للعراق إلى
مستوى مرتفع للغاية يمكن أن يصل إلى
نحو ستة ملايين برميل يوميا في الأجل
القصير (من عام لثلاثة أعوام)، ويمكن أن
يتجاوز عشرة ملايين برميل يوميا في
الأجل الطويل، مع توظيف الزيادة في
الإنتاج العراقي لتخفيض أسعار النفط
إلى المستوى المقبول أمريكيا أي حوالي
15 دولارا للبرميل، وتوظيف هذه الزيادة
في الإنتاج وما قد يتلوها من تجاوزات
لكل الدول المنتجة لحصصها من إنتاج
وتصدير النفط من أجل إعادة حقن الآبار
الأمريكية بالنفط لزيادة الاحتياطي
النفطي الأمريكي وإطالة عمره
الافتراضي الذي يقل عن عشر سنوات في ظل
مستوى الإنتاج الأمريكي الراهن،
وبعدها ستضطر الولايات المتحدة
لاستيراد أكثر من 17 مليون برميل من
النفط يوميا بافتراض ثبات استهلاك
النفط في الولايات المتحدة عند مستواه
الحالي.
كما
ستعمل واشنطن على توظيف العراق من أجل
تمزيق منظمة الأوبك من خلال تفكيك كل
قواعدها وبالذات نظام الحصص المعمول
به في المنظمة.
وإذا
كانت الدول العربية المصدرة للنفط
تخسر أكثر من 6 مليارات دولار في العام
في حالة انخفاض سعر برميل النفط دولارا
واحدا فقط، فإن هذا يعني أن
الاقتصاديات العربية سوف تمنى بخسائر
مروعة من انخفاض سعر البرميل إلى مستوى
15 دولارا للبرميل من مستواه الراهن
البالغ في المتوسط نحو 32 دولارا
للبرميل، لأن هذا الانخفاض سيعني
خسارة الدول العربية المصدرة للنفط
لنحو 102 مليار دولار من إيراداتها
النفطية، بل إن دولة عربية واحدة هي
السعودية التي تخسر ما يتراوح بين 2.5 ،
و 3 مليارات دولار في العام في حالة
انخفاض سعر برميل النفط بمقدار دولار
واحد، سوف تفقد ما يتراوح بين 42.5 و 51
مليار دولار من إيراداتها النفطية إذا
انخفض سعر البرميل من مستواه الراهن
إلى 15 دولارا للبرميل.
وهذه
الخسارة العربية هي كارثة بكل
المقاييس. وسوف تكون المملكة العربية
السعودية ومعها كل الدول العربية
المصدرة للنفط هي أكثر من سيعاني في
هذا الصدد، حيث إن اقتصادياتها
ومستويات المعيشة فيها سوف تتدهور
بشكل سريع بما سيعنيه ذلك من احتمالات
ظهور وتصاعد اضطرابات سياسية
واجتماعية قد تغير خرائط المنطقة.
ومن
البديهي أن التدهور الاقتصادي في
البلدان العربية المصدرة للنفط في هذه
الحالة سوف يعقبه استغناء عن أعداد
كبيرة من العمالة العربية التي تعمل في
تلك البلدان بما سينقل الأزمة للدول
العربية المصدرة لخدمات العمالة.
كذلك
فإن تدهور اقتصاديات الدول العربية
المصدرة للنفط سيؤدي إلى تراجع
السياحة العربية-العربية، والتي تعد
عنصرا هاما يراهن عليه دول عربية عديدة
لتعويض تراجع السياحة العالمية
للمنطقة نتيجة التوتر والقلق الذي
يحدثه غزو العراق.
كما
أن نجاح العدوان الأمريكي على العراق
سوف يغري الإدارة الأمريكية بالمزيد
من التعسف مع باقي الدول العربية بما
فيها الدول الكبرى مثل مصر وسوريا لفرض
النموذج الاقتصادي الذي ترتئيه مناسبا
لمصالحها بغض النظر عن الظروف الخاصة
لكل دولة عربية، كما ستضغط من أجل
تحطيم مشروع التكتل الاقتصادي العربي،
لصالح إدماج إسرائيل في اقتصاد
المنطقة من موقع مهيمن ومدعوم أمريكيا.
ولأن
كل ذلك مرفوض بدرجة كبيرة من معظم
الدول العربية، ومرفوض بشكل حاسم من
الشعوب العربية إجمالًا، فإنه يمكن
توقع حدوث توترات كثيرة في المنطقة،
بصورة تضر بالسياحة وبالاستثمارات
الجديدة المحلية والأجنبية
وبالاستقرار الاقتصادي عموما.
ومن
الضروري الإشارة إلى أنه حتى في حالة
نجاح العدوان الأمريكي في تحقيق
أهدافه في العراق لا قدر الله، فإن ذلك
النجاح سيكون قصير الأجل إلى حد بعيد،
لأن العدوان الأمريكي على العراق
واحتلاله، سوف يطلق طوفانا من
الاضطراب في العراق الذي لن يستقر حكمه
للاستعمار الأمريكي ولا للحكومة
المصنوعة التي يمكن أن تضعها واشنطن في
بغداد، والتي كانت عاصمة العباسيين
وما زالت بوابة المشرق العربي.
إن
مستقبل الوطن العربي عموما مهدد بغزو
الإمبراطورية الأمريكية وتابعتها
بريطانيا للعراق، وقد أثبتت الحكومات
العربية عجزها عن أي فعل سوى تمرير
الخطط الأمريكية بشأن الأزمة وتمرير
القوات والسفن الحربية الأمريكية وفتح
القواعد والأراضي لانطلاق العدوان
الاستعماري الأمريكي-البريطاني على
العراق، وفي هذا الوضع يصبح لا سبيل
لمواجهة هذا العدوان سوى بأن تظهر
الشعوب العربية رفضها العارم له بكل
أشكال الاحتجاج والمواجهة الشاملة
بدءا من مقاطعة البضائع الأمريكية
والبريطانية ومنع تحميل وتموين السفن
والطائرات الأمريكية والبريطانية،
وصولا لأي عمل من شأنه عرقلة أو منع هذا
العدوان أو جعله مكلفا على كل الأصعدة
للإدارة الأمريكية وللحكومة
البريطانية التابعة لها. فهل ينحاز
العرب لمستقبلهم أم يكتفون بمشاهدة
القوى الاستعمارية الجديدة وهي تحطمه؟!
 اقرأ
أيضًا:
|