عملية التفتيش الدولي في العراق

الأبعاد والدلالات

أحمد إبراهيم محمود

طائرات الأمم المتحدة التي انخرطت في أعمال التفتيش

كانت عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل في العراق السابقة الأولى من نوعها، حيث كانت المرة الأولى التي تضطلع فيها الأمم المتحدة بتدمير أسلحة الدمار الشامل لدى دولة عضوة في الأمم المتحدة. وكانت العلاقات الدولية المعاصرة قد شهدت حالات سابقة لفرض قيود على التسلح، كما حدث مع ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، أو نزع التسلح، كما حدث مع اليابان وألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذه الحالات تختلف عن الحالة العراقية في أنها كانت تركز بالدرجة الأولى على جميع أنواع الأسلحة، دون أن يعني ذلك إغفال أسلحة الدمار الشامل، علاوة على أن نزع التسلح في حالتي ألمانيا واليابان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية جاء في سياق احتلال أمريكي شامل لأراضي الدولتين، حيث قامت القوات الأمريكية بتفكيك المصانع العسكرية الرئيسية في الدولتين وإزالة البنية العسكرية التي كانت قائمة من قبل، ثم إعادة تأسيسها على أسس دفاعية محدودة. وبالتالي فإن الحالة العراقية تتميز عن أي تجربة سابقة في التركيز على أسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيماوية) والصواريخ الباليستية التي يزيد مداها عن 150 كيلومترا، بالإضافة إلى الإشراف الدولي الكامل على هذه العملية، وارتباطها بنظام صارم للعقوبات الدولية المفروضة على العراق، والتي كان رفعها مرتبطا باستكمال عملية إزالة الأسلحة العراقية المحظورة.

غير أن إدارة عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية من جانب الأطراف المعنية (العراق، فرق التفتيش، الولايات المتحدة) تسببت في إبعاد هذه العملية عن مقاصدها الأصلية. فالولايات المتحدة كانت من ناحيتها ترى في عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية مسألة جوهرية في حد ذاتها، ولكنها كانت تستغلها من أجل الإطاحة بنظام الحكم في العراق برئاسة صدام حسين، أو على الأقل إبقائه معزولا ومحاصرا. أما على الجانب العراقي، فقد جرى التعامل مع فرق التفتيش منذ البداية بقدر عال من الاستخفاف، وتصورت القيادة العراقية أن من الممكن خداع هذه الفرق والتمويه على برامج الأسلحة المحظورة، ولم يكن العراق يتعاون معها إلا في ظل ضغوط دولية شديدة.

وأخيرا، فإن أداء فرق التفتيش ذاتها كان متأثرا بمواقف القوى الدولية الكبرى المعنية، وبالذات الولايات المتحدة، التي سعت إلى اختراق اللجنة واستغلالها في التجسس على العراق وممارسة الضغوط عليها من أجل تقديم تقارير دورية متحيزة ضد العراق.

وقد أدت هذه التباينات إلى انهيار عمل لجنة اليونسكوم في العراق في ديسمبر 1998، وتجميد عمليات التفتيش في العراق لمدة تقترب من 4 سنوات كاملة، حتى جرى استئنافها في نوفمبر 2002، عقب صدور القرار 1441، متأثرة في ذلك بالتحولات العاصفة التي طرأت على المنظومة الدولية في فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وما شهدت من اتجاه الإدارة الأمريكية نحو استغلال تداعيات ما بعد 11 سبتمبر في الإطاحة بنظام صدام حسين بحجة عدم تعاونه مع الأمم المتحدة في إزالة ما لديه من أسلحة الدمار الشامل.

ولكن حتى مع استئناف عملية التفتيش في العراق في نوفمبر 2002، فإن لجنة الرصد والتحقق والتفتيش (الأنموفيك) على أسلحة الدمار الشامل في العراق واجهت تعقيدات حادة في أداء عملها. وتعود هذه التعقيدات بالدرجة الأولى إلى أن إدارة بوش لم تكن جادة في إتاحة الفرصة للجنة الأنموفيك لاستكمال عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، بقدر ما كانت ترغب في استغلال هذه المسألة كذريعة للإطاحة بنظام صدام حسين، وهو ما دفعها دائما إلى ترديد الاتهامات للعراق بعدم الامتثال لقرارات مجلس الأمن، حتى لو لم يكن لهذه الاتهامات ما يعززها في تقارير المفتشين.

1. تنظيم عملية التفتيش في العراق:

استندت عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية على نص قرار مجلس الأمن رقم 687 الذي صدر بتاريخ 3 أبريل 1991، حيث نص هذا القرار على قيام اللجنة الخاصة بتدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق، والوكالة الدولية للطاقة الذرية بتدمير وإزالة جميع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وجميع مخزونات العوامل الكيميائية وجميع ما يتصل بها من منظومات فرعية ومكونات وجميع مرافق البحث والتطوير والدعم والتصميم، وجميع القذائف الصاروخية التي يزيد مداها عن 150 كيلومترا، والقطع الرئيسية المتصلة بها ومرافق إصلاحها وإنتاجها، كما طالب القرار العراق بالموافقة دون أي شرط على عدم حيازة أو إنتاج أسلحة نووية أو مواد يمكن استعمالها للأسلحة النووية أو أي منظومات فرعية أو مكونات أو أي مرافق بحث أو تطوير أو دعم أو تصنيع تتصل بما ذكر أعلاه.

وقد شدد القرار على ضرورة أن تتم هذه العملية تحت إشراف دولي دقيق من خلال الأمم المتحدة، مع تدمير كل ما يرتبط بها من منشآت الإنتاج والمكونات الأخرى. وفى الوقت نفسه دعا القرار أيضا إلى اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية من أجل التأكد من أن العراق لن يستأنف عمليات إنتاج أو امتلاك مثل هذه الأسلحة مستقبلا.

وعلى هذا الأساس فإن هناك ثلاثة مكونات رئيسية لعملية إزالة وتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية ووسائل إيصالها، وتتمثل في:

1. مرحلة التفتيش والمسح: وركزت على جمع المعلومات الضرورية لإعداد تقييم بشأن القدرات العراقية في المجالات الكيميائية والبيولوجية والصاروخية. ومن أجل تنفيذ هذه المرحلة، طالب قرار مجلس الأمن 687 العراق بتقديم إعلان تفصيلي بشأن كافة مواقع وكميات وأنواع جميع أسلحة الدمار الشامل المنصوص عليها، وذلك في غضون 15 يوما من قبوله لهذا القرار، وذلك من أجل حصر ومسح هذه البنود، تمهيدا لبدء عملية التدمير والإزالة.

2. مرحلة الإزالة: وتضمنت إزالة أسلحة الدمار الشامل والمنشآت الخاصة بها وكافة البنود المتعلقة بها من خلال التدمير أو الإزالة أو جعلها عديمة الضرر، جنبا إلى جنب مع تدمير الصواريخ الباليستية التي يزيد مداها عن 150 كيلومترا، مع تدمير منصات الإطلاق الخاصة بها ومنشآت الإنتاج والصيانة.

3. مرحلة الرصد طويل الأمد: وركزت على التأكد من امتثال العراق للالتزامات المفروضة عليه بموجب الفقرة (10) من القرار رقم 687، والمتعلقة بعدم امتلاكه مستقبلا للأسلحة المحظورة، وذلك طبقا للخطة التي أعدتها اللجنة الخاصة، والتي أقرها مجلس الأمن بموجب القرار رقم 715 لعام 1991.

وبينما تولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملية إزالة وتدمير وتحييد مكونات البرنامج النووي العراقي، فقد جرى تشكيل ما عرف بـ (لجنة الأمم المتحدة الخاصة) The United Nations Special Commission (UNSCOM)، التي وافق مجلس الأمن رسميا على تشكيلها في 19 أبريل 1991، بناء على تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة، من أجل تنفيذ البنود غير النووية في عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، أي البنود المتعلقة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ الباليستية، في حين تولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملية إزالة البرنامج النووي العراقي. وقد جرى تعيين السفير السويدي رولف إيكيوس رئيسا تنفيذيا للجنة في أبريل 1991، كما جرى لاحقا تعيين 20 عضوا في اللجنة ينتمون إلى 19 دولة.

وقد جرى تنظيم عملية تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية من خلال ترسانة كاملة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن. فبعد القرار رقم 687، صدر القرار رقم 699 في 17 يونيو 1991، ويؤكد على أن لجنة اليونسكوم تتمتع بسلطات مستمرة لتنفيذ الأنشطة التي تتطلبها عملية إزالة الأسلحة العراقية المحظورة، كما ينص على تحميل العراق تكاليف عمليات تدمير وإزالة تلك الأسلحة، كما أصدر المجلس في نفس اليوم القرار رقم 700، وينص على تحريم بيع أي أسلحة للعراق. وقد أصدر مجلس الأمن القرار 715 في 11 أكتوبر 1991، والخاص بإقرار خطة الرقابة الدائمة على العراق لمنعه من إعادة تطوير وإنتاج أسلحة الدمار الشامل، كما أن هناك أيضا القرار رقم 1051 الصادر في 27 مارس 1996، ويتضمن موافقة مجلس الأمن على آلية الرقابة على حركة الصادرات والواردات العراقية، كما كان مجلس الأمن يصدر قرارات متكررة بإدانة الموقف العراقي خلال كل أزمة من الأزمات المتكررة بين العراق ولجنة اليونسكوم.

وفى الوقت نفسه أصدر مجلس الأمن بعد ذلك سلسلة طويلة من القرارات الخاصة بعملية التفتيش، كلما ثارت أزمات بين العراق واليونسكوم، وظلت هذه القرارات تطالب العراق بالامتثال غير المشروط لقرارات مجلس الأمن الخاصة بعملية تدمير أسلحة الدمار الشامل.

وقد أعلن العراق موافقته على قرار مجلس الأمن 687 في 6 أبريل 1991، إلا أنه كان قد قام من جانبه بتدمير ما لديه من أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية عقب قبوله قرار مجلس الأمن رقم 687. وقد امتدت هذه العملية إلى تدمير كافة مكونات البرامج الكيميائية والبيولوجية والصاروخية المحظورة، بما في ذلك الأسلحة والمعدات والمواد، بما في ذلك العوامل الكيميائية والبيولوجية والمواد الأولية. وبرر العراق هذه الخطوة من جانبه على أنها كانت بمثابة بادرة على حسن النية، وتعبيرا عن رغبة العراق في التخلص من تلك الأسلحة وعدم التمسك بها.

وقد أثارت هذه الخطوة العراقية احتجاجا عنيفا من جانب لجنة اليونسكوم، التي اعتبرت هذه الخطوة بمثابة انتهاك جسيم لقرار مجلس الأمن المذكور، لأنه ينص على ضرورة أن تتم عملية تدمير وإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية تحت إشراف دولي، وهو ما لم يتحقق في عملية التدمير الذاتي العراقي لتلك الأسلحة.

وفى الوقت نفسه رأت اللجنة الخاصة أن تلك الخطوة العراقية كانت سببا في تعقيدات عملية لا حصر لها، فقد تسببت في زيادة الصعوبات أمام اللجنة الخاصة في عملية تكوين صورة كاملة عن برامج الأسلحة العراقية المحظورة، كما أنها جعلت عملية التفتيش والتحقق على تلك الأسلحة مسألة صعبة إلى أبعد الحدود الممكنة، لاسيما فيما يتعلق بالكميات التي تم تدميرها.

وأخيرا، فقد خلصت اللجنة الخاصة إلى أن العراق كان يحاول أن يستغل عملية التدمير الأحادي الجانب في التغطية على عناصر معينة من برامجه المحظورة، لاسيما فيما يتعلق بالصواريخ. ولذلك فقد ظلت عملية التدمير الأحادي الجانب التي قام بها العراق سببا لمشكلات عديدة بين العراق وفرق التفتيش طيلة السنوات التالية، بسبب العجز عن التقييم الدقيق لعدد الأسلحة والمعدات التي قام العراق بتدميرها، كما كانت هذه المسألة مدخلا مهما للولايات المتحدة للتشكيك في جدية الموقف العراقي من مسألة التفتيش.

وبالتالي فإن التعامل مع أسلحة الدمار الشامل العراقية لم يكن قاصرا على المسح والتدمير والإزالة، ولكن أيضا تنفيذ عمليات الرصد والتحقق المستمرين من أجل التأكد من امتثال العراق بشأن عدم استخدام أو تطوير أو بناء أو امتلاك أي من أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية المذكورة، بما يتضمنه ذلك من الرقابة على واردات وصادرات العراق بالنسبة للسلع ذات الاستخدام المزدوج، والتي يمكن استخدامها في برامج أسلحة الدمار الشامل المحظورة.

وبالتالي فقد استهدف نظام الرصد والتحقق المستمرين التأكد من عدم امتلاك العراق لهذه الأسلحة مستقبلا من خلال نظام متكامل، يهدف إلى توفير ضمانات بعدم عودة العراق إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل المحظورة في المستقبل.

وقد بدأت خطة الرصد الخاصة بالبرنامج النووي العراقي بالفعل في أغسطس 1994، في حين أن مهمة الرصد والتحقق بالنسبة للجنة الأمم المتحدة الخاصة (اليونسكوم) كانت أكثر صعوبة. فقد بدأت هذه المهمة أيضا في عام 1994، ولكن لم تكن اللجنة قد انتهت من مسح وتحديد جميع الأنشطة والقدرات العراقية المحظورة، والتخلص منها. وظلت اللجنة تشكو من أن العراق لم يف بالتزاماته المتعلقة بتقديم بيانات تامة وكاملة عن جميع الأنشطة والقدرات المحظورة. ولذلك اضطرت لجنة اليونسكوم إلى المزاوجة بين مواصلة أنشطة نزع السلاح العراقي، جنبا إلى جنب مع بدء أنشطة الرصد والتحقق.

2. عمليات اليونسكوم في العراق:

ظلت العلاقات بين العراق وفرق التفتيش الدولية في العراق، لجنة اليونسكوم والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تخضع لمعادلة ثابتة. فالعراق يتعاون مع الفرق في أضيق الحدود، بل ويحاول الإفلات بأي قدر ممكن من مكونات برامج أسلحة الدمار الشامل، مما يدفع فرق التفتيش إلى اتهام العراق بعدم التعاون، وتلجأ إلى مجلس الأمن الذي يستصدر بدوره قرارات متشددة تطالب العراق بالامتثال الكامل للقرارات الصادرة عن المجلس بشأن إزالة الأسلحة العراقية المحظورة. ولم يكن العراق يتجاوب بالسرعة الكافية إلا في حالات محدودة، مثل التهديد الحاسم باستخدام القوة العسكرية الأمريكية ضده إذا لم يتعاون، أو في حالة اقتراب موعد المراجعة الدورية لنظام العقوبات المفروضة على العراق في الأمم المتحدة، أو في حالة حدوث تطورات هامة، مثل انشقاق حسين كامل المجيد الذي كان مسئولا عن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية، وأدى هروبه إلى توفير معلومات هامة للغاية للمفتشين.

ولن يكون مفيدا هنا الخوض في تفاصيل العلاقات بين العراق وفرق التفتيش الدولية، وإنما يمكن القول إن العلاقات بين الجانبين ظلت قائمة على الشكوك المتبادلة بين الجانبين. فاللجنة الخاصة ظلت تتهم العراق بعدم الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولاسيما القرارين 687 و715، وبالذات من حيث محاولة إخفاء عناصر مهمة من برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية المحظورة والصواريخ الباليستية، في حين أن العراق ظل من جانبه يتهم اللجنة الخاصة بأنها تتعمد الإطالة والتسويف، وبأن قوى دولية وإقليمية تستغل اللجنة كغطاء للتجسس على العراق، علاوة على أنها أسرفت كثيرا في التدمير في العراق، حتى في المجالات التي لا ترتبط بعملية نزع السلاح في العراق، علاوة على تجاهل الربط بين تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية وعملية إخلاء منطقة الشرق الأوسط من تلك الأسلحة.

ولذلك ظلت المشكلات تثور بشدة بين الجانبين طيلة الفترة ما بين 1991 - 1998، حتى انهارت تلك العملية تماما في ديسمبر 1998، مع قيام الولايات المتحدة بتنفيذ سلسلة من الهجمات الجوية المكثفة ضد العراق، عقابا له على ما زعمته الدولتان من عدم امتثال العراق الكامل لقرارات مجلس الأمن.

وقبل توقف عملياتها كانت فرق التفتيش الدولية قد دمرت كل أو معظم برامج أسلحة الدمار الشامل في العراق، على نحو ما يوضح الجدول المرفق، والمستمد من التقرير النهائي لفريق نزع السلاح ومسائل الرصد والتحقق المستمرين في العراق، الذي شكله مجلس الأمن في 30 يناير 1999 عقب انهيار عمليات لجنة الأمم المتحدة الخاصة في العراق.

وفى المقابل يشير التقرير إلى أن هناك عددا من المسائل المتبقية بشأن كافة بنود عملية تدمير وإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية عقب انتهاء عمليات اليونسكوم في العراق في ديسمبر 1998.

ففي المجال النووي ظلت مسائل تتعلق بعدم توافر وثائق تقنية معينة تؤكد على تخلي العراق عن برنامجه لصنع الأسلحة، وبامتناعه عن الحصول على أي مساعدة خارجية لبرنامجه النووي السري، علاوة على عدم قيام العراق بسن قوانين جزائية لضمان امتناعه عن امتلاك مثل هذه الأسلحة مستقبلا، أي عدم سن قوانين محلية في ضوء قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية والامتناع عن إنتاجها مستقبلا.

أما من حيث المسائل المتبقية بالنسبة للصواريخ الباليستية، فقد تمحورت تلك المسائل على الخلاف بين العراق واللجنة الخاصة (اليونسكوم) بشأن الصواريخ التي قام العراق بتدميرها من جانب واحد، ولاسيما فيما يتعلق بالتعرف على بقايا تلك الصواريخ والرؤوس والمعدات، حيث ظلت اللجنة الخاصة تثير المسائل التالية:

- عدم الكشف عن مخلفات 50 رأسا حربية تقليدية تم تدميرها من جانب واحد

- عدم تقديم بيان عن الوقود المحظور الذي أعلن عن تدميره من جانب واحد

- عدم تقديم بيان عن التدمير من جانب واحد لسبعة صواريخ تم إنتاجها محليا

- عدم تقديم بيان عن التدمير من جانب واحد لمجموعات غرف الاحتراق وفوهات الدفع للصواريخ المنتجة محليا

وفى مجال الأسلحة الكيميائية يشير التقرير إلى وجود بعض المسائل التي ما زالت تتطلب الحسم، ولاسيما العناصر التالية:

التباين في الإعلانات العراقية بشأن استهلاك الذخائر الكيميائية في الثمانينيات، وضرورة تقديم الدليل بشأن فقدان 550 قذيفة مملوءة بغاز الخردل بعد حرب الخليج بفترة وجيزة، وضرورة معرفة مصير 500 قنبلة من طراز (R-400)، وهو ما يمكن أن يتحقق بالتخلص من الأجزاء المظلية في مجموعة الذيل في تلك القنابل، وعدم الحسم في الإعلانات العراقية عن إنتاج العامل الكيميائي (في إكس) واستخدامه في الأغراض العسكرية، ولاسيما فيما يتعلق بالخطط العسكرية لاستخدام هذا العامل في فترات مختلفة والمركبات الأولية المختلفة المتوافرة والسبل التركيبية التي اتبعت في هذا الصدد، والغموض بشأن رصيد المواد من معدات إنتاج الأسلحة الكيميائية.

ومن حيث المسائل المتبقية بشأن البرنامج البيولوجي العراقي، فإنها تتعلق بعدم قبول اللجنة الخاصة إعلان العراق الكامل والنهائي والشامل بشأن هذا البرنامج، ورأت أن العراق لم يكشف بعد عن نطاق وطبيعة هذا البرنامج، مما يستلزم سد الثغرات القائمة من أجل استكمال معرفة مختلف أبعاد البرنامج.

وفى الوقت نفسه فإنه على الرغم من تدمير المرافق العراقية المعلنة في مجال برنامج الأسلحة البيولوجية، فإن العراق ما زال يمتلك القدرة والقاعدة المعرفية لإنتاج عوامل الأسلحة البيولوجية بسرعة وبكميات كبيرة، نظرا لأن الأسلحة البيولوجية يمكن إنتاجها عن طريق استخدام تكنولوجيا ومعدات بسيطة غالبا ما تكون مزدوجة الاستخدام.

في المقابل ظل الموقف العراقي يقوم على أن اللجنة الخاصة تعمدت دائما المماطلة والتسويف من أجل الامتناع عن إعلان الانتهاء من عملية تدمير وإزالة أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية، من أجل إدامة العقوبات الدولية المفروضة على العراق.

وبينما لم تكن هناك مشكلات بين العراق والوكالة الدولية للطاقة الذرية متعلقة بأي مسائل متبقية بشأن الملف النووي العراقي، فإن هناك العديد من القضايا والمسائل المتبقية بشأن البرنامجين الكيميائي والبيولوجى والصواريخ الباليستية. فقد ظل العراق يؤكد على أنه قدم بالفعل كافة الوثائق المتعلقة بما لديه من الصواريخ الباليستية، علاوة على تقديـم البيانـات الخاصـة باستهلاك الصـواريخ الباليستيـة في فتـرة ما قبـل عـام 1991، والوضع بالنسبة للإنتاج المحلي من الصواريخ، إلا أنه كان يفاجأ بأن اللجنة تعاود إثارة تلك القضايا مجددا.

وفيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية يقوم الموقف العراقي على أن كافة المسائل المتبقية التي تثيرها اللجنة الدولية قد قام العراق بتقديم ردود واضحة بشأنها، وأنه قدم كافة التوضيحات اللازمة بشأن القذائف المملوءة بغاز الخردل والقنابل (آر 400) والغاز (في إكس)، ورصيد المواد ومعدات الإنتاج الكيماوية.

وبالمثل، رأى الجانب العراقي أن موقف لجنة اليونسكوم بشأن الملف البيولوجي كان يهدف فقط إلى المراوغة والتسويف، على الرغم من التعديلات العديدة التي أدخلها العراق على التقرير البيولوجي الشامل والنهائي والكامل.

والواقع أن فشل تجربة اليونسكوم في العراق كان عائدا إلى التباين الشديد في المواقف، حيث رأى العراق أن عملية التفتيش أصبحت عملية عبثية لا نهاية لها، ومن دون وجود أي أفق لرفع العقوبات المفروضة على العراق، علاوة على اتخاذ هذه المسألة ذريعة لتوجيه ضربات عسكرية ضد العراق، كلما نشبت أزمة بينه وبين اليونسكوم. كما يرى العراق أيضا أن انهيار عمليات اليونسكوم كان عائدا إلى استغلال تلك العمليات كغطاء للتجسس عليه، لاسيما من جانب الولايات المتحدة. علاوة على ما تكشّف من خضوع الرئيس التنفيذي للجنة اليونسكوم للضغوط الأمريكية، مما أفقد اللجنة مصداقيتها.

وفى المقابل ظل مسئولو لجنة اليونسكوم يتهمون العراق بالمسئولية بالكامل وراء فشل عمليات التفتيش بسبب رفض القيادة العراقية الوفاء بالالتزامات المفروضة عليها بموجب قرارات مجلس الأمن، علاوة على الخلافات الواسعة داخل مجلس الأمن بشأن كيفية التعامل مع حكومة صدام حسين.

ولذلك فقد ظل الموقف العراقي التقليدي يقوم طيلة الفترة ما بين ديسمبر 1998 - أكتوبر 2002 على أن عمليات الإزالة قد انتهت، وأن العراق يقبل فقط باستئناف عمليات الرصد والتحقق المستمرين من أجل التأكد من عدم قيام العراق مجددا بتنشيط برامجه في مجال الأسلحة المحظورة، على أن يكون هذا الاستئناف مرتبطا برفع العقوبات المفروضة على العراق.

3. تشكيل لجنة الأنموفيك:

راعى تشكيل لجنة الأنموفيك منذ البداية تفادي تكرار السلبيات التي أحاطت بعمل لجنة الأمم المتحدة الخاصة (اليونسكوم) السابقة، والتي كانت السبب الرئيسي وراء انهيار عملياتها في العراق في ديسمبر 1998، ولاسيما فيما يتعلق بالشبهات القوية التي أحاطت بالرئيس التنفيذي للجنة اليونسكوم ريتشارد بتلر، والمتعلقة بتواطئه مع الإدارة الأمريكية بشأن اتهامه للعراق بعدم التعاون مع اللجنة، حتى تستغل الولايات المتحدة ذلك من أجل ضرب العراق، بالإضافة إلى قيام بتلر بتسريب تقريره الشهير المقدم لمجلس الأمن في 15 ديسمبر 1998، والذي تضمن اتهاما عنيفا للعراق بعدم الالتزام بالتعاون التام مع اللجنة، وهو التقرير الذي مهد الطريق أمام عملية ثعلب الصحراء التي قامت فيها الولايات المتحدة وبريطانيا بتنفيذ هجمات جوية وصاروخية مكثفة ضد العراق خلال الفترة ما بين 16 - 20 ديسمبر 1998.

ولم تكن الاتهامات الموجهة لـ بتلر بالتقصير والتواطؤ قاصرة على العراق فقط، ولكن أيضا من جانب روسيا والصين وفرنسا، مما أدى وقتذاك إلى بروز الدعوة إلى تشكيل لجنة جديدة لمواصلة عمليات التفتيش في العراق، وفق مهام جديدة وأهداف جديدة، مع التركيز على عملية الرصد والتحقق المستمرين لبرامج التسلح العراقية‏، من دون التركيز فقط على تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وقد جاء قرار مجلس الأمن 1284 الصادر في ديسمبر 1999، الخاص بتشكيل لجنة الأنموفيك معبرا عن هذه الاعتبارات، لاسيما فيما يتعلق بإدارة العمل وطبيعته والإعداد المهني للمفتشين والتمويل.

ومن أهم العناصر التي ركز عليها تشكيل لجنة الأنموفيك عنصر الاستقلال المالي، بحيث تتوافر لها موارد مالية ذاتية تسمح لها بتعيين موظفيها بعقود تابعة للأمم المتحدة، وتحقق ذلك من خلال حصول اللجنة على نسبة 0.8% من عائدات النفط العراقية التي يتم تصديرها في إطار برنامج (النفط مقابل الغذاء)، وذلك بخلاف الوضع مع لجنة اليونسكوم، التي كان أعضاؤها معارين من الدول الأعضاء من مجلس الأمن، وكانت ميزانيتها عبارة عن منح من هذه الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

وفى الوقت نفسه جرى التركيز على اختيار موظفي اللجنة وفنييها من أوسع قاعدة جغرافية ممكنة، ومن خلفيات مهنية متنوعة، وتوفير تدريب فني وثقافي رفيع المستوى، ليس فقط في المجالات الفنية، ولكن أيضا عن تاريخ العراق ودينه وبيئته وسياسته، بهدف مساعدتهم على فهم الخصوصية الثقافية والاجتماعية للشعب العراقي واحترامها.

ومن أجل تفادي انفراد الرئيس التنفيذي للجنة باتخاذ القرارات الهامة، أو خضوعه لتأثير أي قوة دولية منفردة، فقد تضمن الهيكل التنظيمي للجنة الأنموفيك إنشاء هيئة للمفوضين مكونة من شخصيات ذات خبرة في مجالات العمل المختلفة الخاصة بلجنة الأنموفيك، يتمثل دورها في مراجعة أعمال الأنموفيك وتقديم المشورة والتوجيه الفنيين للرئيس التنفيذي.

ومن أجل تعزيز مصداقية الأنموفيك في مجال نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، تبنت اللجنة منذ البداية ما يسمى بـ "منهج التفتيش الاقتحامي"، القائم على إعطاء المفتشين حرية الدخول إلى أي مكان بدون قيود وفى أي وقت، أي أن يكون التفتيش فورياً وغير مقيد، بحيث يتأكد للجنة ومجلس الأمن أن العراق لا يخفى أي شيء عنهم.

وانطلقت اللجنة أيضا من أنه كلما كانت عمليات التفتيش دقيقة وصحيحة وفعالة، فإن ذلك سوف يزيد من مصداقية اللجنة، ويساعد بالتالي على سرعة رفع العقوبات عن العراق.

وعلى الرغم من ذلك فإن العراق من ناحيته رفض من حيث المبدأ قبول القرار 1284، الخاص بإنشاء لجنة الأنموفيك، لاعتبارات عديدة أبرزها أن هذا القرار يعيد عمليات التفتيش في العراق إلى نقطة الصفر، ولا يعترف بما أنجزه العراق في السابق في مجال تدمير ما لديه من أسلحة الدمار الشامل، كما ظل العراق يؤكد من ناحيته دوما أنه قد نفذ كافة التزاماته في مجال نزع السلاح، ولا يقبل بأقل من رفع العقوبات الدولية المفروضة عليه. وظل العراق يرفض أية عودة للمفتشين، حتى لو رفعت العقوبات كلها عن العراق.

وقد ظل العراق مصرا على هذا الموقف، وهو ما أدى إلى إفشال جولات المفاوضات المتعددة التي جرت بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة من أجل إعادة المفتشين إلى العراق، إلا أن الحكومة العراقية اضطرت إلى تغيير موقفها، حينما بدا واضحا أن إدارة جورج بوش جادة في شن الحرب على العراق، وأنها يمكن أن تستغل هذا الموقف العراقي من أجل الحصول على تأييد دولي واسع لهذه الحرب. ولذلك أعلنت الحكومة العراقية قبولها غير المشروط لعودة المفتشين إلى العراق في 16 سبتمبر 2002، أي أن هذا الموقف العراقي كان سابقا حتى على صدور القرار 1441 في 8 نوفمبر 2002.

4. إدارة بوش وعمليات التفتيش بعد 11 سبتمبر:

تركت أحداث 11 سبتمبر انعكاسات مباشرة على موقف إدارة جورج بوش من عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، حيث زادت هذه الأحداث من ناحية من حدة المخاوف الأمريكية من مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل على الساحة الدولية عموما، ولدى نظم مناوئة ومعادية مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية خصوصا، كما رأت إدارة بوش أن هذه الأحداث توفر فرصة مثالية لتنفيذ هدف الإطاحة بنظام صدام حسين، رغم عجز هذه الإدارة عن الربط بين هذا النظام وتنظيم القاعدة.

فقد أدت هجمات 11 سبتمبر إلى إدراك إدارة الرئيس بوش أن تلك الأسلحة تمثل خطورة متزايدة على الأمن القومي الأمريكي عقب هجمات 11 سبتمبر، لأن الولايات المتحدة يمكن أن تتعرض مستقبلا لهجمات إرهابية بأسلحة الدمار الشامل، سواء عن طريق الصواريخ الباليستية أو عن طريق أية وسائل أخرى للإيصال. وقد ازدادت هذه المخاوف الأمريكية في ضوء الروايات العديدة التي تحدثت عن قيام نظام صدام حسين بإعادة بناء أسلحة الدمار الشامل.

وفى هذا السياق عبرت إدارة بوش منذ فترة مبكرة عن عدم ثقتها في كافة الوسائل والآليات التي يمكن من خلالها تدمير وإزالة وتحييد القدرات العراقية في مجال أسلحة الدمار الشامل، سواء المتمثلة في العقوبات الاقتصادية أو الغارات الجوية أو عمليات التفتيش الدولية.

فمن حيث العقوبات الاقتصادية، وجدت إدارة بوش أن هذا النظام قد تعرض لتآكل عنيف للغاية، وبات من الصعب ترميمه من جديد، ولاسيما في ظل شيوع الاقتناع لدى العديد من القوى الدولية والعربية بأن الشعب العراقي يتعرض لمأساة إنسانية هائلة بسبب استمرار العقوبات، على الرغم من أن عملية إزالة الأسلحة المحظورة قد انتهت واستكملت، حسب الموقف العراقي المعلن، علاوة على أن محاولة الإدارة الأمريكية وضع نظام جديد للعقوبات باسم (العقوبات الذكية) قد فشِلت في الحصول على موافقة مجلس الأمن أصلا. وفى الوقت نفسه، فإن العراق أصبح مقتنعا تماما بأن الولايات المتحدة لن تقبل برفع العقوبات المفروضة عليه، مهما كانت الظروف، ولم يعد هذا الرفع حافزا مغريا للعراق، ولاسيما أن إدارتي كلينتون وبوش أعلنتا صراحة أن هدفهما الرئيسي يتمثل في الإطاحة بنظام صدام حسين.

كما فقدت إدارة بوش أيضا ثقتها في عمليات التفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية أصلا، حيث كانت ترى أن استئناف عملية التفتيش، وفق النظام الخاص بلجنة الأنموفيك، لن يكون فعالا، لأنه إذا استؤنف التفتيش مجددا، فإنه سوف يكون أقل جدوى مما كان عليه في الماضي، لأن عمليات البحوث والتطوير والإنتاج لأسلحة الدمار الشامل العراقية لم تعد تجرى في مواقع ثابتة، وإنما أصبحت منتشرة في العديد من المواقع، مثل الوحدات المتنقلة أو الثكنات العسكرية أو في مقار مموهة، وذلك من أجل تجنب التفتيش وخفض إمكانيات التعرض للغارات الجوية.

ومن ناحية أخرى فإن استئناف عمليات التفتيش الدولية في العراق سوف يعطي مبررا للدول الأخرى، مثل روسيا الاتحادية والصين وفرنسا ومعظم الدول العربية، للمطالبة برفع العقوبات المفروضة على العراق عقب استئناف التفتيش بفترة قصيرة، وذلك استنادا إلى أن فرق التفتيش لن تعثر على أي شيء من القدرات المتعلقة بالأسلحة العراقية المحظورة.

وفى الوقت نفسه بدأ كبار مسئولي إدارة بوش في التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تثق في أية حلول سلمية يمكن لصدام حسين أن يقدمها بخصوص عودة مفتشي الأسلحة الدوليين، بسبب ما أسموه بـ "التاريخ الطويل من الخداع" الذي مارسه صدام حسين في تعاملاته مع المفتشين الدوليين والأمم المتحدة، كما أكدوا على أن فقدان الثقة يعود إلى أن صدام حسين ما زال يواصل تطوير وإنتاج أسلحة الدمار الشامل على الرغم من تعهداته بإزالتها، بموجب قبوله لقرار مجلس الأمن رقم 687، فيما كان يشير إلى قرب استنفاد كافة الفرص غير العسكرية لاحتواء الموقف بين العراق والولايات المتحدة.

ولذلك فإنه فور الانتهاء من تحطيم حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، حث عدد من كبار أعضاء الكونجرس الرئيس جورج بوش على جعل العراق الهدف الأساسي الثاني لتلك الحرب، بسبب امتناع صدام حسين عن السماح بعودة مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة، وقيامه بإعادة تنشيط برامجه للتسليح البيولوجى والكيميائي والنووي، والثغرات التي أصابت نظام العقوبات المفروضة على العراق.

5. القرار 1441 وتحولات عملية التفتيش في العراق:

على الرغم من أن قرار مجلس الأمن رقم 1441 الصادر في نوفمبر 2002 اعتبر بمثابة فرصة أخيرة لاستكمال عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، وتفادي حدوث ضربة عسكرية أمريكية ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين، فإن كافة التطورات اللاحقة أكدت أن إدارة بوش لم تكن جادة في تنفيذ هذا القرار، بما يتضمنه ذلك من إعطاء الوقت لفرق التفتيش لاستكمال عملياتهم في العراق، مع ربط كافة الخطوات بالتطور الفعلي لعمليات التفتيش.

وكانت الإدارة الأمريكية قد قدمت في الأصل لمجلس الأمن مشروع قرار أكثر تشددا يقوم على مبدأ الهجوم التلقائي من جانب الولايات المتحدة على العراق، واستبداله بمبدأ العمل على مرحلتين. فقد كانت إدارة جورج بوش ترغب في بداية الأمر في الحصول على ما يمكن اعتباره تفويضا مطلقا من مجلس الأمن يتيح لها اللجوء فورا إلى القوة العسكرية في حالة حدوث خرق من جانب العراق، بالإضافة إلى مطالبة المشروع الأصلي بوجود قوات عسكرية مع فرق التفتيش، من أجل توفير أقصى قدر ممكن من الحماية لفرق التفتيش الدولية.

غير أن هذين العنصرين لم يحظيا بالقبول من جانب معظم القوى الدولية الأخرى. وعلى مدى شهرين من المداولات، جرى الوصول أخيرا إلى صيغة توفيقية تقوم من ناحية على أن الولايات المتحدة لن تكون مطلقة اليد في الهجوم الفوري والتلقائي والأحادي على العراق، حتى في حالة عدم تعاونه مع فرق التفتيش الدولية، وإنما لا بد من ناحية أخرى من العودة إلى مجلس الأمن مجددا لتحديد حجم الخرق الذي قام به العراق، والاتفاق بالتالي على نوع وطبيعة الرد الدولي على هذا الخرق العراقي، حال حدوثه.

وفى الوقت نفسه جرى استبعاد فكرة وجود قوات مسلحة مع فرق التفتيش، حتى لا يمثل ذلك استفزازا شديدا لنظام الحكم في العراق، وكان من شأنها أن تثير حساسيات شديدة بين الجانبين، مما أدى في نهاية المطاف إلى استبعادها.

وفى المقابل كانت الصيغة النهائية للقرار 1441 بمثابة صيغة مخففة عن مشروع القرار الأمريكي الأصلي. وتضمن هذا القرار جدولا زمنيا محددا لسير عمليات التفتيش، كما تضمنت شروطا أكثر صرامة في تنفيذ عمليات التفتيش، وفق منهج (التفتيش الاقتحامي)، علاوة على إدخال بنود جديدة بشأن ضرورة قيام العراق بتقديم قائمة كاملة بأسماء جميع العلماء والفنيين العاملين في برامج أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى إشارة القرار إلى مسألة إخراج العلماء العراقيين وعائلاتهم من العراق للحصول على ما لديهم من معلومات، بعيدا عن أية ضغوط محتملة من جانب السلطات العراقية.

ومنذ استئناف عمليات التفتيش، مارست الإدارة الأمريكية ضغوطا شديدة على لجنة الأنموفيك من أجل تبني مواقف متحيزة ضد العراق، كما حاول المسئولون الأمريكيون التشكيك الكامل في مصداقية الموقف العراقي، والعمل بكافة الطرق على اختلاق الأزمات بين العراق وكل من لجنة الأنموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يؤدي إلى تقويض عمليات التفتيش وإفساح الطريق بالتالي أمام توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد العراق.

وقد بدا هذا الموقف واضحا بقوة منذ تقديم العراق تقريره الشامل بشأن قدراته في مجال أسلحة الدمار الشامل، والذي يزيد حجمه عن 14 ألف صفحة. وقد شككت إدارة بوش في صحة وكفاية المعلومات الواردة في هذا التقرير، حتى من قبل أن تتسلم النسخة الأصلية منه. وارتكزت الشكوك الأمريكية منذ البداية على أن القيادة العراقية دأبت مرارا وتكرارا على محاولة خداع فرق التفتيش، وتقديم معلومات إما مضللة أو غير كاملة بشأن قدراتها في مجال أسلحة الدمار الشامل. وعقب تسلمها نسختها من هذا التقرير، شددت الإدارة الأمريكية على أن هناك معلومات هامة تغيب عن هذا التقرير، وأن هذه المعلومات ربما تكون شديدة الأهمية للتعرف على قدرات العراق في مجالات التسلح النووي والكيماوي والبيولوجى والصاروخي.

وقد استندت الاتهامات الأمريكية إلى تقارير استخبارية غير معلنة، تقوم على أن لدى العراق قدرات إضافية لم يعلن عنها حتى الآن في أنواع التسلح المذكورة. وفى هذا السياق، يشدد المسئولون الأمريكيون على أن العراق أعاد العمل سرا في عدة مصانع للأسلحة المحظورة، وأقام منشآت جديدة في المواقع النووية الأصلية أو بالقرب منها، بالإضافة إلى الزعم بأن العراق قام بإعادة بناء عدد من المرافق الخاصة بعملية تخصيب اليورانيوم، ونجاحه في تحقيق تطور مهم في تلك العملية‏.

وفى الوقت نفسه فإن الإدارة الأمريكية والكثير من الأطراف المعنية الأخرى تتبنى موقفا يقوم على أن القيادة العراقية تهدف إلى إرباك فرق التفتيش الدولية والدول الكبرى المشاركة في عملية رصد قدرات العراق في مجال أسلحة الدمار الشامل، من خلال تقديم تقرير شديد الضخامة إليها، بحيث إن عملية قراءة وتحليل مضمون هذا التقرير سوف تستغرق شهورا عديدة، بما يعطي للقيادة العراقية الفرصة لتأجيل أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة، أي كسب مزيد من الوقت، على أمل حدوث مستجدات في الموقف الدولي أو الإقليمي لصالح العراق، ولكن من دون تحديد ما هي تلك المستجدات المنتظرة على وجه الدقة.

وفى مواجهة هذه الاتهامات، ظل العراق يتبنى موقفا يقوم على أن التقرير المذكور يتضمن كافة المعلومات الخاصة بقدراته في مجال أسلحة الدمار الشامل، وأنه لم يعد لدى العراق ما يخفيه أصلا. ويشدد على أن فرق التفتيش الدولية كانت قد قامت خلال الفترة ما بين عامي 1991 - 1998 بتدمير كافة القدرات العراقية في مجال الأسلحة المحظورة.

ويرفض العراق بشدة الاتهامات الأمريكية بشأن إعادة العمل في بعض المواقع المشتبه فيها، ويؤكد أن هذه المواقع أبعد ما تكون عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وأنها إما مبان خالية أو تقوم بإنتاج مواد غير محظورة، مع تأكيد أن جميع هذه المنشآت خاضعة للرقابة. كما قام العراق بدعوة المراسلين الأجانب عدة مرات لزيارة المواقع المذكورة المشتبه فيها.

وفى الوقت نفسه ظلت الإدارة الأمريكية تشدد على ضرورة قيام العراق بتقديم قائمة كاملة بأسماء جميع العلماء والفنيين العاملين في برامج العراق في مجال أسلحة الدمار الشامل، علاوة على تفعيل المادة الخاصة بإخراج العلماء العراقيين وعائلاتهم إلى خارج العراق للحصول على ما لديهم من معلومات، بعيدا عن أية ضغوط محتملة من جانب السلطات العراقية.

ولا تعتبر هذه المسألة سببا للتوتر بين العراق وفرق التفتيش فقط، وإنما تعتبر أيضا سببا للتوتر بين رئيس لجنة الأنموفيك هانز بليكس والإدارة الأمريكية، حيث إن بليكس أكد مرارا أنه قد لا يحتاج إلى تنفيذ هذه المادة، في حين أن المسئولين الأمريكيين تمسكوا بها بشدة.

6. عملية التفتيش واللجوء غير المبرر للحرب:

تتمثل الإشكالية المحورية أمام عمل لجنة الأنموفيك في أن هدف إدارة جورج بوش في الأزمة العراقية لم يكن منصبا على إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، بقدر ما كان متمثلا في الإطاحة بنظام حكم الرئيس صدام حسين تماما من العراق. وفى هذا السياق لم تكن الولايات المتحدة تنظر إلى مسألة إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية المحظورة إلا بقدر ما يخدم هدفها الأصلي في الأزمة.

وكان الموقف مواتيا تماما للإدارة الأمريكية في فترة ما قبل قبول العراق إعادة المفتشين، حيث استغلت إدارة بوش هذا الموقف العراقي من أجل التأكيد على عدم رغبة العراق في إزالة ما لديه من أسلحة الدمار الشامل، ولاسيما أن المسئولين الأمريكيين كانوا يكيلون الاتهامات لنظام الحكم العراقي بمعاودة تنشيط برامجه الخاصة بأسلحة الدمار الشامل في فترة ما بعد توقف عمل المفتشين الدوليين منذ منتصف ديسمبر 1998. وعندما وافق العراق على إعادة المفتشين في منتصف سبتمبر 2002، ثم قبوله غير المشروط للقرار 1441، ظلت إدارة بوش تؤكد على أن العراق لن يمتثل لمضمون القرار المذكور، وسوف يواصل عمليات الخداع والإخفاء.

وبالتالي فإن الموقف الأمريكي من عمل لجنة الأنموفيك كان يركز على عدد من الأهداف، يتمثل أولها في أن الأنشطة التي تقوم بها فرق التفتيش يمكن أن تكون مكملة للهجوم الأمريكي على العراق، بمعنى أن تتكفل اللجنة بالقضاء على ما لدى العراق من أسلحة الدمار الشامل، بحيث لا يتم استخدامها ضد القوات الأمريكية في حالة بدء الحرب على العراق، علاوة على أن الإدارة الأمريكية كانت حريصة على أن تبدو أمام المجتمع الدولي على أنها قد حاولت تسوية الأزمة سلميا، قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. وأخيرا فإن الإدارة الأمريكية وجدت أنه ليس هناك تعارض كبير بين عمل المفتشين وبين الاستعداد للحرب على العراق، لأنها كانت تحتاج لوقت كاف لاستكمال الحشد العسكري اللازم لبدء الحرب.

وقد اعتمدت إدارة جورج بوش على إستراتيجية متعددة الأبعاد من أجل التشكيك في التزام العراق بالتعاون مع لجنة الأنموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أولها تقديم أدلة استخباراتية على استمرار العراق في إخفاء بعض مكونات البرامج المحظورة، على نحو ما بدا واضحا في المرافعة الشهيرة التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مجلس الأمن في الخامس من فبراير الماضي، من أجل إقناع الدول الأعضاء في المجلس بإصدار قرار ثان يدين العراق. وثانيها يتمثل في ممارسة ضغوط عنيفة على هانز بليكس رئيس لجنة الأنموفيك ومحمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل التجاوب مع المزاعم العراقية بشأن عدم تعاون العراق. وثالثها مواصلة تسريب تقارير لوسائل الإعلام بشأن انتهاكات مزعومة من جانب العراق للقرارات الدولية.

وقد أدى تعاون العراق الواسع مع فرق المفتشين، حتى بالنسبة للمسائل التي يرى العراق أنها لا تدخل في صميم عمل لجنة الأنموفيك، مثل مسألة تدمير صواريخ الصمود 2، إلى حدوث تحول ملموس في الإستراتيجية الأمريكية لإدارة الأزمة، تمثل في عدم الاكتراث إزاء ما تضمنته تقارير المفتشين من وقائع تتناقض تماما مع المزاعم الأمريكية، بالإضافة إلى التوقف عن محاولة الضغط على بليكس والبرادعي. وقد بدا ذلك واضحا بقوة في الهدوء الذي تعاملت به إدارة بوش مع تقريري بليكس والبرادعي أمام مجلس الأمن في 7 مارس 2002، واللذين تضمنا إشادة واضحة بالتعاون العراقي مع فرق التفتيش، حيث لم تكترث إدارة بوش إزاء ما يعنيه ذلك من ضعف مصداقية الاتهامات الأمريكية للعراق بعدم التعاون مع المفتشين.

خــاتمــة

كان تطور عملية التفتيش الدولي في العراق محكوما منذ البداية بالاختلاف الشاسع في المفاهيم والمواقف بين العراق من ناحية وبين فرق المفتشين (ومن ورائهم القوى الدولية الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة) من ناحية أخرى. فالعراق لم يكن معترفا بشرعية هذه العملية منذ البداية لاعتبارات عديدة للغاية، أبرزها أنه لم يكن معترفا من الأصل بأنه قد هزم في حرب الخليج، ولم يكن معترفا بأن غزوه للكويت كان خاطئا، بالإضافة إلى اعتراضه على التحيز الأمريكي والدولي معه عبر التركيز على نزع ما لديه من أسلحة الدمار الشامل، مع تجاهل الترسانة الإسرائيلية الضخمة في كافة فئات وأصناف هذه الأسلحة، ثم جاءت الأخطاء التي شابت أداء لجنة اليونسكوم لتزيد من حدة التباعد بين الجانبين.

أما من حيث التعامل الأمريكي مع عملية التفتيش على الأسلحة العراقية المحظورة، فقد طرأت تحولات هامة، حيث سعت في البداية إلى استغلال تقارير المفتشين من أجل التأكيد على عدم امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، كما حاولت من جانبها إقناع مجلس الأمن باستمرار العراق في محاولة خداع فرق المفتشين. وعندما لم تنجح هذه المحاولة، لم تعد الإدارة الأمريكية تنظر إلى لجنة الأنموفيك باعتبارها حصان طروادة الذي سوف يوفر لها الحجة الدامغة لبدء الحرب على العراق، وإنما أصبحت المسألة مرهونة فقط بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على حشد الأصوات اللازمة في مجلس الأمن لاستصدار قرار ثان يدين العراق، ويمهد الطريق أمام استخدام القوة العسكرية ضده، بغض النظر عن مدى توافر أو عدم توافر أدلة مقنعة على هذه الاتهامات. وعندما لم تنجح حتى في حشد الأصوات اللازمة لاستصدار هذا القرار، لم يكن ذلك عائقا أمام الخطط الأمريكية الرامية لضرب العراق، لاسيما أن قرارا جديدا من مجلس الأمن لا يعتبر حيويا للإدارة الأمريكية، على عكس الحال مع حلفائها في هذه الحرب، مثل بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا، فإن الموقف الأمريكي من الأزمة العراقية بات محكوما بمتغير استكمال الحشد العسكري فقط.

النتائج الرئيسية لعمليات لجنة اليونسكوم في العراق

في مجال الصواريخ الباليستية

 

في المجال الكيميائي

- تدمير 45 صاروخا بعيد المدى.

 - تدمير 14 رأسا تقليديا. 

- تدمير 6 منصات إطلاق متحركة.

- تدمير 28 منصة إطلاق ثابتة. 

- تدمير 32 أرضية ثابتة للإطلاق. 

- تدمير 30 رأسا كيميائيا. 

- تدمير العديد من معدات الدعم

 

- تدمير 38.537 ذخيرة كيميائية. 

- تدمير 600 طن من العوامل الكيميائية.

- تدمير أكثر من 3 آلاف طن من المواد الأولية. 

- تدمير 426 من المعدات الكيميائية.

- تدمير 91 قطعة معدات إضافية.

 

 

 

في المجال النووي

 

في المجال البيولوجى

انتهت وكالة الطاقة الذرية من تدمير مكونات البرنامج النووي العراقي في 1992، كما قامت حتى عام 1994 بنقل جميع المواد النووية الصالحة للاستخدام إلى الخارج، ولاسيما وقود مفاعلات الأبحاث.

 

- تدمير المنشأة البيولوجية الرئيسية (منشأة الحكم).

 - تدمير طائفة متنوعة من معدات ومواد الإنتاج.

اقرأ أيضًا:

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين