last_top_01

بحث متقدم

الصفحة الرئيسية

 
index_02

السيرة الذاتية

فقيه الدعاة

الفكر الفقهي لدى الشيخ الغزالي

مسعود صبري *

كتاب مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

إذا كان البعض يرى أن الشيخ الغزالي ليس له فقه؛ لأنه لم يترك لنا كتبا اختصها بالتأليف الفقهي فإن البعض يرى أن الغزالي يمكن أن نسمي فقهه بفقه النفس، كما يرى ذلك الشيخ القرضاوي، فإن الشيخ رحمه الله كان فقيهًا، وهبه الله المَلكَة الفقهية، ولكنه آثر ألا يكون فقهه نظريا، فارتبط فقهه بالجانب العملي من الإسلام، بما يخدم حياة الناس في عصره، كما جعله وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، وهو في هذا يجعل الفقه حيا ينبض بالحياة في واقع الناس.

مثلما كان الإمام البلقيني، أحد المجددين في الإسلام، فقد كان فقيها من الطراز الأول، ولكنه لم يؤثر عنه كتب كاملة في الفقه؛ لأنه اشتغل بالتدريس والاهتمام بحياة الناس.

كما اشتغل الشيخ الغزالي بآلام الأمم وآمالها، والتفكير في مستقبل أفضل لها، فكان يسوق من الفقه ما يخدم قضيته، فظهر فقهه حيا، فما رضي لنفسه أن يكون منهجه نظريا، أو يكتب فيما كتب فيه كثير من علماء الأمة على مر العصور، إلا ما كان يستدعيه، ليخدم واقع المسلمين، أو يدافع به عن الإسلام، أو يظهر وجهة نظر رأى أنها اندثرت، و هي في حاجة إلى الظهور والبروز في حياة المسلمين، أو يصحح بعض المفاهيم السائدة، فلم يكن هدفه التأليف الفقهي في حد ذاته. ولكن هذا لم يمنع أن يؤلف كتابا يعالج فيه قضية فقهية، أو يخصص بعض الفصول في بعض كتبه لبعض القضايا.

ويمكن تناول الفكر الفقهي لدى الشيخ الغزالي في المرتكزات الآتية :

مفهوم الفقه عند الشيخ الغزالي

كتاب فقه السيرة

يوضح الدكتور علي الصوا نائب عميد كلية الشريعة، بالجامعة الأردنية مفهوم الفقه عند الشيخ الغزالي أنه يقوم على معرفتين:

الأولى: معرفة أحكام الله في قضايا الناس، وهي ما لا يحتاج إلى جهد، والعلم بها قدر مشترك بين كثيرين.

الثانية: معرفة أحوال الناس، وقضاياهم الواقعية، وهذه تحتاج إلى جهد عسير؛ لأن استكشاف الحقيقة ليس أمرًا سهلاً؛ فإن للناس حيلاً في إخفاء ما يرتكبون من آثام لمنع ايقاع العقاب الصحيح. وقد استدل الامام بقوله تعالى: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا" (الأنبياء 77/78). وقال الشيخ بعد أن ساق النص: "هذا الفهم الخاص وسيلة لاستبانة الواقع وضبط الحكم عليه، لذلك فإن الفقيه الذي له الحق في الاجتهاد في نظر الشيخ الغزالي هو من عايش الوحي وخبر حكمته وأحكامه، وتدبر القرآن الكريم، وصحب الرسول في سيرته صلى الله عليه وسلم، واستبطن سنته من أقوال وأفعال وتقريرات، وتأثر به، وله قدرة على تصريف أحوال الحياة وفق أحكام الدين، وإلحاق أحكام الحوادث بما علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما وعى من مقاصد الإسلام وأهدافه .

موقف الإمام من التراث الفقهي

والشيخ رحمه الله كان يقدر هذا المجهود التراثي العظيم الذي تركه الأئمة، غير أنه لا يعتبره مقدسا، فأخذ ما كان موافقا لطبيعة عصرنا الذي نعيش فيه، فيرى أن الفقهاء اجتهدوا لعصرهم، وعلينا أن نسلك نهجهم، وأن نجتهد لعصرنا مع الاستفادة من التراث الزاخر.

ويمكن الوقوف بشيء من الوضوح من موقف الشيخ الغزالي من التراث في النقاط الآتية:

1- شمولية النظرة الفقهية:

فالشيخ الغزالي يرى أن الفقه الإسلامي جاء بنظرة شمولية، فتناول جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، فهو يضبط علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بغيره، كما يضبط علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة، ويوضح كيفية تعامل الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول.

2- محدودية المصادر وتنوع أساليب الاجتهاد:

والشيخ يركز على أن التراث الإسلامي مع ضخامة ما ورد فيه من مسائل جزئية كثيرة، فإنه محصور المصادر.

أما سر التنوع الدافق بهذه الأحكام المتجددة، فينبجس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومع أن النصوص والقواعد التي تعتبر دعائم هذا الفقه محدودة يمكن استيعابها، لكن أساليب الاجتهاد في تنزيل صور الحياة عليها، ووزن أعمال المكلفين بها، هي التي وسعت دائرة الفقه، وقد بدأ الاجتهاد مع ابتداء الإسلام نفسه.

3- قبول الاختلاف الفقهي:

والاختلاف الفقهي من أكبر القضايا الفقهية التي ناقشها الشيخ الغزالي في كثير من كتبه، وخاصة في كتابه دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، حيث أفرد له عشرات الصفحات، ويتلخص رأي الشيخ فيه أنه يقبل الاختلاف الفقهي، ويرجع الشيخ الغزالي هذا الاختلاف لعدة أسباب، منها:

- الاختلاف الفكري للبشر:

 فهو شيء فطري عند البشر، وذلك لاختلاف طرق التفكير، وأساليب التنظير، وبالتالي هو سبب للاختلاف الفقهي. فيقول الإمام: "اختلاف العقول أمر طبيعي، ومن العسير جمع الناس على مذهب واحد في الفكر والاستنتاج، و هو شيء مستحيل أو قريب من الاستحالة".

- طبيعة النصوص الشرعية:

فطبيعة النصوص الشرعية تدعو إلى الاختلاف الفقهي في فروع الأحكام، فمنها ما هو ظني الدلالة، ومع اختلاف طبيعة التفكير، ينشأ اختلاف الفقه لهذه النصوص، فإن القرآن حمَّال أوجُه، وفي السنن والأسانيد التي رويت كلام طويل.

ويرى الشيخ الغزالي أن الاختلاف الفقهي أمر طبعي، فهو وجهة نظر فقيه ما، في فهم النص السماوي، وهذا الاختلاف إنما هو في فروع المسائل لا في أصول الدين، ومع ذلك فهو ضرورة؛ لأن الحياة أعقد من أن تسيرها المبادئ القريبة.

ويستدل الشيخ الغزالي على أهمية وجود هذه المذاهب في فهم النص السماوي بقوله تعالى: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" [النساء: 83].

وأن الرجوع إلى أهل التخصص أمر قرره القرآن حين قال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "[النحل :43].

ويذهب الشيخ الغزالي إلى أن الاختلاف في المسائل الفرعية باق ما بقيت الحياة، ويجب ألا نتطير منه، وألا نحاول قتله أو تجاهله، و أن "الإسلام صائغ أولئك الرجال كلهم، وهم لم يصوغوه.

وأن مصادر الإسلام معصومة لأنها من عند الله، ولكن التفكير فيها والاستنباط منها غير معصوم؛ لأنه من عند الناس.

4- تضخيم الخلافات مرفوض:

وهو ينكر تضخيم تلك الأمور الخلافية، ويراها نوعا من الشطط في التفكير، فـ" إن العقائد والعبادات الرئيسية والسنن العملية جاءت كلها عن طريق التواتر القاطع، وإن أصول الدين والأركان و القواعد لا يرتقي إليها لبس أو تفاوت، وإنما يحدث الخلاف في أمور ثانوية لا يضخمها إلا أصحاب الفكر المختل".

كما يرى الشيخ أن هناك أنواعًا من الخلاف الفقهي واللغوي يعدها نتيجة لطبيعة البشر الذهنية والنفسية ولا يخشى منها، أما الخلاف المولود على مصاطب الفراغ والثرثرة، الشاغل لمجالس اللهو والبطالة، فهو معصية لله، وتوهين للأمة، ولم يكن هذا موجودًا عندما شغلت الأمة برسالتها، وعبأت قواها كلها لمواجهة أعداء الإسلام، فلما استراحت من هذه الأعباء أخذت تتحدث في دينها، وتتقعر في فهم عالم الغيب، و ضرب على ذلك مثلا بالخلاف حول مسألة أين الله.

و لذلك يضع الغزالي - رحمه الله - بعض المقررات في مجال الاختلاف الفقهي، من ذلك:

1- أن الأمور المتفق عليها في الإسلام كثيرة، سواء في مجال العبادات والمحظورات والأخلاق والتقاليد، وأن هذا المتفق عليه يقيم أمة لها مكانتها في الدنيا والآخرة، ولكن انشغل الكثيرون بالخلافات العارضة، وترك استثمار المتفق عليه.

2- أن المذاهب الكبرى اختلفت في الفروع لا في الأصول، وكان من الواجب التعاون فيما اتفق عليه، وقبول العذر فيما اختلف فيه، ولكن انشغلوا بالخلافات الفقهية الخاصة بالعبادات، وكان من الأولى أن نوفر قوانا في البناء على الأركان الممهدة التي بنيت عليها حضارة الإسلام.

3- ويرجع الشيخ الغزالي جزءًا من الخلاف الفقهي إلى الترف العقلي، وهناك جزء الخلاف فيه لفظي، وأن الاستبداد السياسي أشعل نار الخلاف في بعض القضايا، وأن بعض هذا الخلاف يجب أن يكون بين الخاصة ولا تشغل به العامة، وأن طرفًا من هذا الخلاف يرجع إلى جمود التقليد المذهبي.

كما يعيب الشيخ الغزالي على أتباع الأئمة الأربعة أنهم قدسوا أقوالهم، وأنزلوا أقوال أئمتهم منزلة القرآن والسنة، فقال: "جاء الأتباع أخيرًا، فأخذوا أقوال أئمتهم على أنها الأصل الذي يشرح، ونظروا إليها كأنها الدين الذي يتبع.

ونشأ عن هذه جفوة بين مقلدي المذاهب المختلفة، كما نشأت جفوة بين كتب الحديث وكتب الفقه. مما أضر في النهاية بالأمة الإسلامية.

ومن الظواهر التي جعلت الشيخ الغزالي يقبل الخلاف بين الفقهاء، أنه وجد هذا الخلاف بين المشتغلين بالحديث، فيقول: "ولقد تتبعت خلافًا نشب بين المشتغلين بالسنة، فوجدته لا يقل عما يجري بين الفقهاء، فابن حزم يوقع الطلاق الثلاث، ويرى هذا الحكم ما تدل عليه السنة ولو بكلمة واحدة، وابن تيميه يرى غير ذلك، ويعد الثلاث واحدة ما دامت في المجلس أو بلفظ واحد، ويبني على ذلك جواز الرجعة، بينما يرى ابن حزم أنه لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.

وابن حزم يرى الغناء – الحسن - مباحًا، ويجيز بيع آلاته من معازف ومزامير، بينما يرى ابن الجوزي وابن تيميه وابن القيم تحريم هذا كله.

ولو تتبعنا ما اختلف فيه المعتمدون على الأحاديث لطال بنا الإحصاء.

طرق لترشيد الخلاف:

ولا يقف الشيخ الغزالي عند احترام الخلاف الفقهي، ولكنه يسعى إلى تقليله والتقليل من آثاره السلبية، ويرى لو أنهم اجتمعوا على التعاون في المتفق عليه، لما بقي لديهم وقت للخلاف على الفرعيات، ولو اختلفوا عليها ما بقي وقت لتحويل الخلاف إلى حرب باردة أو ساخنة.

ومن الوسائل التي طرحها الغزالي لترشيد الخلاف أن ينشغل كل إنسان بما يحسن في تخصصه، وأن يترك الخلاف لأهل البحث والاجتهاد.

نظرة الشيخ الغزالي للمدارس الفقهية

رغم احترام الإمام الغزالي للمدارس الفقهية، فلا يمنعه ذلك من إبراز ما وقعت فيه هذه المدارس من خطأ، أو ما جانبها فيه الصواب حسب اجتهاد الشيخ، سواء في ذلك المدارس الفقهية القديمة، أو المدارس الفقهية الحديثة.

فيظهر احترام الشيخ الغزالي وتقديره للأئمة الأربعة في كثير مما كتب، فهو يشير إليهم تحت عنوان "الأئمة الأربعة رجال لا نظير لهم"، ويقول تحته: درست سير الأئمة الأربعة، فوجدت نفسي أمام رجال ليس لهم في التاريخ الإنساني نظائر.

ويرى أن الشهرة التي تمتعوا بها لم تكن بالصدفة، بل أتتهم عن جدارة، و يوضح الشيخ الغزالي الأسباب التي جعلتهم يتمتعون بهذه الصدارة في سببين رئيسين:

الأول: اعتماد الفقهاء في آرائهم على السنة مع القرآن، إضافة إلى الإحاطة بالمعاني والغايات المشتملة في الكتاب والسنة.

الثاني: انشغال كثير من أهل الحديث بالاهتمام بالأسانيد أكثر من المتون، وشغلتهم العنعنة عن الفقه الرحب، فلم يحسنوا تقرير الأحكام والمصالح.

ويرى الشيخ الغزالي أنه لا بد من الالتحام بين الفقه والسنة، فإنه لا فقه بلا سنة، ولا سنة بلا فقه، فهما وجهان لعملة واحدة.

مدرسة الرأي ومدرسة الأثر هما من أقدم مدارس الفقه في تاريخ المسلمين، وترجع بذورهما إلى عصر الصحابة، ولكنهما تبلورا في عصر انتشار المدارس الفقهية على يد كبار الفقهاء كالأئمة الأربعة وغيرهم.

ويرى الشيخ الغزالي أن القول بأن هناك فقهاء يطرحون النص ويتبعون رأيهم، وأن هناك فقهاء يلتزمون النص دون إعمال فكر، فهذا كلام يحتاج إلى تفسير، ولا يمكن أخذه على ظاهره.

فمدرسة الرأي أو أهل المعنى كما يسميهم الشيخ الغزالي لا تلغي الآثار الواردة في مسألة من المسائل، ولكنها تنظر إلى الأحاديث والآثار في ضوء الملابسات التي تحيط بها، ويفسرونها على ضوئها، وهو ما يعرف بأسباب ورود الحديث، وهم يجعلون الكتاب حاكمًا على ما جاء في السنة من آثار، محددًا لمعانيها، كما أنهم يجمعون النصوص الكثيرة في المسألة الواحدة، ثم يرجحون ما يرونه أصوب في نظرهم.

ومدرسة الأثر، أو أهل النص – كما يسميهم الشيخ الغزالي- يغلب عليها إمضاء ظاهر النص، مع البعد عن الحرفية كالتي عرفت عن ابن حزم، وإن كانت الحرفية تظهر في ترجيحهم لبعض الآراء في عدد من القضايا.

ويرجع اختلاف المدرستين – كما يرى الشيخ الغزالي - إلى الطبيعة العقلية للناس، فاختلاف الطبائع العقلية لبني البشر أمر مقرر، وقد ظهر منذ العصر النبوي، ولا يزال إلى يومنا هذا .

ومع تقدير الشيخ الغزالي للمدرستين: الأثر والرأي، فإنه يأخذ على كل منهما بعض الصفات، فهو يأخذ على مدرسة الرأي تجاوزها بعض الأحاديث الصحيحة، ويرى أنه لا معنى لتركها، وليست هناك مصلحة تدعو لتجاوزها ؛ ويضرب على ذلك مثلاً أن الأحناف يرون الخمر محرمة لذاتها، ما أسكر منها وما لم يسكر.

كما يأخذ الشيخ الغزالي على بعض المنتسبين لمدرسة الأثر عدم الموازنة بين الأمور، فقد يجعل المكروه حرامًا، والمباح مكروهًا، والنافلة فريضة، ويضرب مثالاً على ذلك مسألة مصافحة بعض الرؤساء والأمراء لملكة إنجلترا، فكان الرجل منهم يرى أنها من الكبائر، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

ومع أن الشيخ الغزالي لا يستحب التقاليد الغربية في مصافحة الأجنبيات لسبب أو لغيره، فإنه يرى أن المصافحة في موقف يغلب على الإنسان لا يعد جرمًا، فهي في موضع الريبة من الصغائر، كما يرد بأن المس المقصود منه الاتصال الجنسي مستشهدًا بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" (الأحزاب: 39)، وبقوله تعالى في كفارة الظهار: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا". (المجادلة: 4).

وهو – أيضًا - يأخذ على بعض الطلاب الذين ينتسبون لمدرسة النص سوء فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس"، ويرى (أن المقصود جرس يتخذ للعبادة كما تفعل النصارى، فأما جرس الهاتف، أو جرس المنبه، أو جرس محطات السكك الحديدية، أو جرس البيوت الذي يستخدم في الاستئذان، فلا حرج عليه..).

وعن مدرسة الموازنة والترجيح التي نشأت في القرن السابع على يد الإمام ابن تيميه وتلاميذه، فيرجع الشيخ الأسباب التي دعت إلى ظهور هذه المدرسة، بعد أن ظل الانفصال بين مدرستي الرأي والأثر باقيًا لمدة طويلة إلى:

- انتشار مراجع السنة، مما ساعد على الاطلاع على مجموع الآثار المروية في المسائل، مما يؤدي إلى الوقوف على رأي أقرب للصواب .

- امتزاج الحضارة الإسلامية بغيرها، من خلال الفتوحات الإسلامية، والانفتاح على حضارات وشعوب جديدة، مما أثر في عقول علماء المسلمين.

ويوضح الشيخ الغزالي أهم معالم هذه المدرسة:

- أنها مدرسة استوعبت الأخبار المروية، وأفادت من الرأي والأثر معًا، وإن كان انتصارها للأثر أظهر، كما أنها اهتمت بالموازنة والترجيح بين الآراء.

ومؤسس هذه المدرسة – وهو الإمام ابن تيميه - مع كونه حنبلي المذهب، إلا أنه كان صاحب اجتهاد، جعله مستقلا بآراء لم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة، كإبطاله الطلاق البدعي.

أما عن المدارس الفقهية المتأخرة فيقسمها الشيخ الغزالي إلى مدرستين، مدرسة تعد امتدادًا لمدرسة الأثر، وأخرى تعد امتدادًا لمدرسة الرأي، غير أن هناك اختلافًا بين كل من المدرستين عن أصيلتها الأولى.

أهم ملامح مدرسة الأثر الحديثة يتجلى في:

- عرض الفقه الإسلامي من الكتاب والسنة مباشرة.

- الإفادة من الجهد العقلي لرجال المذاهب التقليدية والظاهرية.

- الانتفاع من مدرسة الموازنة والترجيح.

- إحياء أسماء كثير من فقهاء الأثر والرأي، كانت أسماؤهم مغمورة، حيث تسعى إلى عرض الفقه من أصوله الأولى.

ومن أبرز أعلامها والكتب التي تمثلها:

- الإمام الصنعاني في كتاب سبل السلام.

- الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار.

- الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة.

- الشيخ صديق خان في مؤلفاته.

- الشيخ الألباني في مؤلفاته ورسائله.

ومع تقدير الشيخ لهم، فهو يرى أنهم يؤخذ منهم ويترك، فهم يخطئون ويصيبون، وانتماؤهم للسنة لا يجعل التسليم بقولهم واجبًا، بل إن بعضهم قد يخالف بعضًا في كثير من الأحكام.

وأما مدرسة الرأي الحديثة فتظهر الملامح المنهجية لها فيما يلي:

- قيامها على النقل، مع ترويجها للعقل، وجعل العقل أصلاً للنقل.

- تقديم الكتاب على السنة، وجعل إيماءات الكتاب أولى بالأخذ من أحاديث الآحاد.

- رفض النسخ في القرآن، أو القول بأن هناك نصوصًا من القرآن انتهى أمدها.

- إنكار التقليد المذهبي مع احترام علم الأئمة، وجعل المذاهب الفقهية فكرًا إسلاميًا ينتفع به، ولكنه غير ملزم.

- العمل على أن يسود الإسلام العالم بعقائده وقيمه الأساسية، ولا تلقي بالاً إلى مقالات الفرق والمذاهب القديمة أو الحديثة.

ومن أبرز أعلام هذه المدرسة:

- الشيخ محمد عبده، وهو يعتبر المؤسس لها.

- الشيخ رشيد رضا.

- الشيخ محمود شلتوت.

- الشيخ محمد عبد الله دراز.

- الشيخ محمد البهي.

- الشيخ محمد المدني.

- الشيخ محمد الخضري.

- الشيخ أبو زهرة.

وقد كانت هذه المدرسة تسعى إلى قيادة الأزهر، ومنه إلى قيادة العالم، لكن التيارات العاصفة كانت أقوى منها، فأوقفتها .

ومع تقدير الشيخ الغزالي لهذه المدرسة، إلا أنه يأخذ عليها بعض الآراء، فهو يرفض تفسير الشيخ محمد عبده للملائكة، كما يرفض رأي الشيخ أبو زهرة في الرجم، ويرى أن في فتاوى الشيخ شلتوت ما يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة، ولكن هذه المآخذ لا تقلل من شأن هذه المدرسة العظيمة.

ثم يعقب الشيخ الغزالي أن آراء الرجال لا عصمة لها، وإنما العصمة لمصادر الشريعة، فالتفكير البشري يخطئ ويصيب، و خطأ البعض في الاجتهاد لا يقلل من شأنهم، فهذه طبيعة بشرية.

موقع الشيخ الغزالي من المدارس الفقهية

ويعتبر بعض العلماء - كالدكتور محمد عمارة - الشيخ الغزالي من مدرسة الرأي الحديثة التي يرأسها الإمام محمد عبده، وإن كان يأخذ هو عليها بعض المآخذ، فإن الاختلاف داخل المذهب الواحد والمدرسة الواحدة أمر مقرر، ومشتهر بين الدارسين للمذاهب الفقهية . كما أن الشيخ متأثر بالمذهب الحنفي، وهو يأخذ أحيانا برأي الظاهرية.

نظرة الغزالي للدراسات الفقهية:

يرى الشيخ الغزالي أن التأليف الفقهي اهتم اهتماما بالغا بالعبادات، وبعض جوانب المعاملات، بينما ما يزال ضامرا في كثير من الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية وما يتعلق بحقوق الإنسان والعمال وغيرها.

فقد اهتم العلماء بالتأليف الفقهي، فظهرت الكتابات الفقهية المتنوعة والمتعددة، فاهتمام الأمة بالتأليف الفقهي لا يوازيه اهتمام أمة أخرى بالفقه والتشريع فيها.

فـ(الفقه الإسلامي يمثل على الأقل 50% من المكتبة الإسلامية، و لا توجد حضارة عالمية استبحر فيها الفقه كما استبحر في حضارتنا).

كما يقرر الشيخ الغزالي ضرورة احترام النصوص الشرعية الواردة في العبادات والمعاملات، وأنه من حسن الفقه أن تعرف المحور الذي تدور عليه التعليمات الدينية في كلا المجالين، ويستشهد بقول الشيخ حسن البنا - رحمه الله -: "الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العادات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد".

ويوضح أنه وإن كان المطلوب منا معرفة الله وحبه بفطرتنا السلمية، ولكن الترجمة لهذا الحق ليست حقًّا لنا، فهي حق لله وحده، فهو الذي يعرفنا بذاته، ويرشدنا إلى كيفية عبادته.

أما في مجال المعاملات، فقد كان دور الإسلام فيها إرشاديًّا لما فيه مصلحة الناس، فوضع الضوابط الحاكمة للسلوك السوي، بما يضمن تحقيق درء المفسدة وجلب المصلحة، ففي مجال الزواج حرم الزواج بالمحارم، وبنى الأسرة على الاختيار لا الإجبار، وأوضح آداب المعاشرة الزوجية.

وفي مجال المعاملات التجارية أمر بصيانتها من الغش والقسر والربا والاحتكار وغير ذلك من تطلعات الأثرة والجشع.

ومن وجهة نظرة الشيخ الغزالي، فإن الجهود التي بذلت في التأليف الفقهي كان من الواجب استثمارها في مجالات أخرى كانت الأمة في حاجة إليها.

بل يرى أن القول بوقف الاجتهاد كان يجب أن يكون في التأليف الفقهي الخاص بالعبادات، فإنه قد جنح إلى التفريع والاهتمام بالجانب النظري على حساب العمل، "وهذا المسلك ضرب من البطالة المقنعة، وقد شاع في عصور شتى اعتبار الكلام في الإسلام هو العمل الأول والأخير به".

وإن كان الشيخ يدعو إلى وقف نزيف الكتابة في العبادات، لكنه يرى أن هناك بعض الجوانب تحتاج إلى اجتهاد معاصر، وينظر في ذلك إلى حاجة الناس، كمثل وقت الرمي في الحج، أو اعتبار جدة ميقات للمسافرين بالطائرة، وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى إعادة نظر. لهذا قامت في العصر الحديث بعض المحاولات من التأليف التيسيري في العبادات وغيرها، وخاصة أن لغة العصر قد اختلفت عن التي كتب الفقهاء قديما بها، ولا يعني ذلك البعد السحيق بين اللغتين، بقدر ما أن هناك كلمات ومترادفات سادت في عصرهم، وليس لها استعمال في عصرنا، لذلك من الواجب أن يقوم تأليف تيسيري، حتى يعرف الناس أمور دينهم.

وقد انتشرت مثل هذه المحاولات حتى أصبحنا في حاجة إلى الانتقاء منها وترشيدها، ثم النظر إلى الجوانب التي نفتقر إليها في التراث الفقهي.

ولعل مما تسبب في هذا الإسراف في التأليف الفقهي الخاص بالعبادات، غياب العمل المؤسسي قديما وحديثا، فقد كان التأليف وما يزال – إلى حد بعيد – يأخذ النظرة الفردية لا الجماعية ولا المؤسسية.

وهناك من المجامع الفقهية والمؤسسات التي تعنى بالتأليف الفقهي ما يمكن أن تقوم بدور التنسيق، بحيث تخرج لنا مؤلفات تجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما أنها تحدد ما تحتاجه الأمة في التأليف، ويكون بإشراف متخصصين في المجالات التي سيؤلف فيها.

ويمكن لكل مؤسسة أن تعتني بالفرع العلمي الذي تهتم به، فتقوم مؤسسة بالتأليف في مجال الفقه، وأخرى في الحديث، وثالثة في التفسير وعلوم القرآن، ورابعة في العقيدة وغيرها من فروع العلم الشرعي.

وأن تكون هناك لجنة عليا تتابع سير التأليف حسب منهج موضوع ومدروس.

جوانب التأليف التي تنقص الأمة

ألف الغزالى الكثير من الكتب دفاعا عن السنة

وقد طرح الشيخ الغزالي – رحمه الله - جوانب عديدة، رأى أن الأمة تخلفت فيها، وأن أمما غيرنا سبقتنا في هذا المضمار، ومن ذلك السياسة المالية.

فـ "لا شك أن في الأمة الإسلامية تخلفًا في سياسة الحكم وسياسة المال، فمعروف أن فتنة أمتنا المال كما جاء في الحديث: "فتنة أمتي المال".. والفتنة تجيء من مصادر الكسب ومن طرق الإنفاق، فلا مصادر الكسب وضعنا لها مصافي تحجب الحرام وتتيح مرور الحلال، ولا طرق الإنفاق وضعنا عليها رقابة قانونية تمنع التبذير والسفه في إراقة المال في غير موضعه، وربما سبقتنا الآن أمم كثيرة في هذا، فوضعت سياسات دقيقة في الإنفاق وفي الكسب، تظهر في الموازنات العامة التي تضعها الدول، فالدول تفرض على الحكومات ألا يؤخذ من الشعب قرش واحد إلا بقانون أو إلا بتشريع واضح يرى أن الدولة محتاجة، ولا ينفق شيء إلا بالدقة نفسها، وإعلان الحرب كذلك لا يترك لنزوات فرد يخاصم أو يسالم كيف يشاء، وإنما الأمة التي تدفع من دمها ثمن الحروب وتضحيات القتال هي التي تبت في مثل هذه الأمور..".

والإسلام منذ تشريعاته الأولى، وضع ضوابط عامة للكسب والإنفاق، وحاول أن يبث في نفس المسلم أن يكون حريصا في كسبه وإنفاقه، يراقب الله تعالى فيه، كما جاء في الحديث :"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله، من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه، ماذا عمل فيه".

كما حرم الإسلام الإسراف والتبذير في غير آية وحديث مما ورد عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولكن الذي يشير إليه الشيخ الغزالي، هو وضع قوانين لما استُحدِث في عصرنا من أمور لم تكن موجودة، فالفقه جاء بالضوابط العامة، وترك للناس أن ينظروا ما يناسب عصرهم، حسب هذه الضوابط العامة التي وضعت لهم.

ومن الجوانب التي يرى الشيخ الغزالي أن التأليف فيها لم يأخذ حظه الواجب، الفقه الجنائي، وخاصة ما يتعلق بالتعزيرات، فإن الحدود الشرعية واضحة لا لبس فيها، فقد أوضحها الشارع في وجوبها، وشروطها، وكيفية تطبيقها، أما الأمور التي لم يرد فيها حد، وما يدخل في باب التعزير الشرعي، فإن هناك ضمورا في التأليف فيه، فهناك على سبيل المثال نحو (25) كبيرة من الكبائر لم توضع لها عقوبات، نحن لم نضع عقوبات للتعامل بالربا أو للغصب، أو للفرار من الزحف، أو لأكل مال اليتيم، أو للغش، أو لما يقع من مخالفات كثيرة.

هذا الأمر في غاية الأهمية والحقيقة، فإن تحديد التعزيرات في الكبائر والمخالفات التي لم يرد فيها عقوبة دنيوية، كان أرفع للخلاف، وأبعد عن التلاعب، والتشريع في دين الله تعالى بالهوى، أو حسب ما يملى على العلماء من رغبات السادة الحكام .

كما أن في تحديد هذه العقوبات يجعل الشرع واضحا في تطبيقه، فيكون أيسر في الحكم على من يرتكب هذه المخالفات، و يحمي المجتمع من الوقوع في مثل هذه الرذائل.

كما يرى الشيخ الغزالي أن التأليف الفقهي في أحكام الأسرة مقصورا على آراء بعض الفقهاء الذين اشتهروا، دون النظر إلى غيرهم، فيقول : " وجدنا أن الفقه الإسلامي – حتى في ميدان الأسرة قد احتبس في حدود المذاهب الأربعة، حتى جاء ابن تيميه واستطاع أن يصنع عملاً هائلاً عندما رفض طلاق البدعة ودخل بهذا مدخلاً كريمًا في المحافظة على الأسرة الإسلامية، وإن كان بعضهم يرفض كلامه في هذا الموضوع، لكن انفتاح باب الاجتهاد أمام الرجل جعله يضع ضوابط للأسرة الإسلامية، و هذا شيء حسن " .

كما أن هناك مشكلات جدت في المجال الأسري، في حاجة إلى نظر وتدقيق، وبحث وتأليف، فقد ظهرت أنواع كثيرة من الزواج، كما ظهرت عادات اجتماعية في الطلاق كالاحتفال بالطلاق مثلا، وغيرها من الأمور التي تجد يوما بعد يوم، وهي بحاجة إلى التأليف والاجتهاد الجماعي، مما يجعل حركة التأليف الفقهي مسايرة لمستجدات الحياة.

ومن الجوانب التي يرى الشيخ الغزالي تقصير التأليف فيها قوانين العمل والعمال فيرى أنها لا تزال صفرًا عندنا ونستوردها الآن من الخارج، وهذا لا يجوز.

أسباب ضمور التأليف الفقهي

يوضح الشيخ الغزالي الأسباب التي أدت إلى ضمور التأليف الفقهي، فيرجعها إلى الحالة الاجتماعية للأمة التي تعيش فيها من الانحلال الأخلاقي، و طغيان المادة والجري وراءها، فهذا الواقع يجعل الأمة في حالة تدهور في جميع نواحي الحياة فيها، فصُرف الناس إلى الفقه التشريعي، وتناسوا الفقه الاجتماعي الذي يعد صلب الحياة، فإن "الإنسان يلمح بأن الآية التي استدل بها الفقهاء على حجية القياس – وهي قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (الحشر:2)، بعد أن تكلم عن الحال التي كان عليها بنو النضير – وكيف أخذهم الله بسبب واقع اجتماعي معين – وأن كل مَن يصيبه هذا الواقع سينتهي إلى النهاية نفسها، وهي أقرب للفقه الاجتماعي منها إلى الفقه التشريعي، ونلمح بأن هذا لون من الفقه للسنن الاجتماعية – عمليًّا - صرف إلى الفقه التشريعي وبقيت القضية الاجتماعية أو الفقه الاجتماعي أو السنن المتعلقة بقيام الأمم وسقوط وقضايا المال بقيت قضايا ضامرة".

والسبب الثاني بعد انصراف الناس عن الفقه الاجتماعي هو انفصال القرآن عن السلطان، أو بتعبير حديث انفصال القيادة الفكرية عن القيادة السياسية، بل كان هناك انفصال بين القيادة الثقافية نفسها، فالضمور سببه الخلاف بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية إذا صح التعبير.

لذلك يجب أن نعقد صلحًا بين الاتجاهين، بين الاتجاه الثقافي والاتجاه السياسي، ويمكن أن نعتبر أن التخلف يمكن أن يكرس ويستمر طالما أن هذا الافتراق حاصل بين القيادة الفكرية و القيادة السياسية .

و هناك أيضا انفصال بين الفقه التربوي الذي يعني بتربية الأفراد والمجتمع، وبين الفقه التشريعي، فرغم وجود عشرات من الطرق الصوفية، والتي تمثل مساحة غير قليلة في المجتمع المسلم، وإلا أنها لا تأخذ من الفقه التشريعي ما يضبط حركتها، بل يمكن الاستغناء عن هذه الطرق، شريطة أن يكون هناك اهتمام بالروح، وقد ضرب الشيخ نماذج ناجحة من العلماء الذين جمعوا بين الفقه التربوي والفقه التشريعي، فقال: "عندما تتأمل تراث ابن تيميه أو ابن القيم تلميذه، فإنك ترى أن ابن تيميه رصد جزأين من فتاواه تقريبًا في القلوب والحديث عن الله وخشيته والعمل له والإخلاص والإحسان، وما إلى ذلك من المعاني التي خاض فيها المتصوفة بدون وعي فقهي.

وجاء تلميذه ابن القيم وفصَّل هذا في كتابه "طريق الهجرتين" وكتابه "مدارج السالكين".. وكتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" على ما أظن – وكتب كثيرة.. وكان أكثر من أستاذه توسعًا في هذه النواحي.

هذه المعاني معدومة الآن، ونجد من يعلم حركات الصلاة من ركوع وسجود ولا يحسن تعليم الخشوع وتقديس الله وسجود القلب مع سجود الجوارح.. وهذا خطأ هائل.." .

والنماذج التي ضربها الشيخ الغزالي لمن جمع بين الفقه التربوي والفقه التشريعي ليست محصورة في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، فإن تصنيفهما في الفقه –التربوي والتشريعي – كان منفصلا، فهناك كتب لهما في الفقه التشريع، وكتب في الفقه التربوي، ولعل من المعلوم أن كثيرا من فقهاء المالكية كانوا يبدأون تصانيفهم بالفقه التربوي، كمقدمة للفقه التشريعي.

وما قام به الإمام أبو حامد الغزالي –رحمه الله – في كتابه إحياء علوم الدين، كان –في ظني – النموذج الأول للتصنيف في الفقه التربوي والتشريعي معا، فأنت تقرأ فيه الأحكام الفقهية، بجوار إبراز الجانب التربوي للفقه، وهو ما يظهر الحياة في الفقه، ولذا سماه "إحياء علوم الدين " إشارة إلى أن علوم الدين والشريعة لن تحيا إلا بجوار الفقه التربوي، الذي يجعل لها واقعا في الحياة، وليس مجرد سطور وضعت للقراءة والرياضة الذهنية .

وبهذا التشخيص الدقيق أوضح الشيخ الغزالي رحمه الله الطريق في التصنيف الفقهي، والتحدي الذي يقابل الأمة، وما هي الجوانب التي تنقص الأمة في التأليف، و السبيل لعلاج هذا الضمور .

نتائج التخلف في مجال التأليف الفقهي

ويوضح الشيخ الغزالي نتائج التخلف في التأليف الفقهي، من ضياع مكانة الأمة، وتيه المسلمين في المجتمع، ووقوفهم دون إتمام رسالتهم في الحياة، ويعبر الشيخ الغزالي عن ذلك قائلا:

"لقد جأرت بالشكوى في هذا الكتاب وفي كتب أخرى من تخلفنا الفقهي والعملي في الشئون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن انحسار الفقه الإسلامي داخل حدود ضيقة إن تجاوزت بيوت الماء، فإلى ساحة المسجد، وقد تتدخل في شئون الحارة أو القرية ..أما دواوين السلطة، ومشكلات المال، ومفاصل الحياة الحقيقية للمجتمع والدولة، فإن الفقه لا علاقة له بها..

ونتج عن هذا أن الاستبداد السياسي عربد دون حذر، وأن الخلل الاقتصادي شاع دون علاج.

وأن الأعصاب التي تشد الكيان الإسلامي استرخت ثم انقطعت، وتاه المسلمون بعضهم عن بعض.

وأن الشخصية المعنوية للأمة الإسلامية ولرسالتها الكبرى تلاشت في طول الدنيا وعرضها".

معالم المنهج الفقهي للشيخ الغزالي

هناك معالم واضحة لمنهج الغزالي الفقهي، فالشيخ الغزالي كان يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للأحكام، فهو دستور الأمة الأول، والسنة النبوية هي شارحة هذا الدستور، والرسول صلى الله عليه وسلم هو أقدر الناس على فهم كلام الله تعالى، وبيان مراده لخلقه، وهو دائم التأكيد على أنه إنه لا فقه بغير سنة ولا سنة بغير فقه، وقوام الإسلام بركنيه كليهما من كتاب وسنة.

 كما كان الشيخ يعتبر المصلحة من المرتكزات الفقهية التي يستند عليها في الحكم على كثير من الأمور الشرعية، أو ترجيح رأي من الآراء الفقهية، فيقول: "إن المصلحة لا بد من رعايتها، ومعنى النص الشرعي أن المصلحة قد ارتبطت به أبدًا، فهو دليلها وضمانها، وأي تعطيل له فهو خدش للمصلحة أو تطويح لها.

والفقه الصحيح أن نتعرف على المصلحة حيث لا نص، وأن نجتهد في فهمها، ثم في تحقيقها.

والمساحات التي يمكن إيجاد أحكام لها على أساس المصلحة المرسلة كثيرة في العقوبات التعزيرية، وفي أسلوب الحكم. وفي مجال المصالح المرسلة يستطيع الساسة المسلمون أن يصنعوا الكثير لأمتهم، على أن لا يصطدموا بنص قائم فإن هذه النصوص معاقد المصلحة وإن عميت عن ذلك أنظار.

وعلى ضوء هذا يفهم ما ذهب إليه الشيخ من أن الجهاد المطلوب هو جهاد دفع، لا جهاد طلب، وأنه يقبل الديمقراطية ويفضلها على الاستبداد السياسي وغير ذلك مما رجحه على أساس المصلحة.

ويقول الدكتور القرضاوي:

ومن مرتكزات فقه الشيخ الغزالي: أنه يأخذ بالمصالح المرسلة، ويجعل لها اعتبارًا، بشروطها المعتبرة شرعًا، وأولها: ألا تعارض نصًا صحيحًا صريحًا.

وقد كتب الشيخ بحثًا جيدًا تحت عنوان: (بين النص والمصلحة) في كتاب: (دستور الوحدة الثقافية) رد فيه على الذين يأخذون بالمصالح المزعومة وإن عارضت النصوص.

كما ربط الشيخ الغزالي الأحكام بعللها، فكان ينظر إلى مآلات الأفعال والأحكام، يقول الدكتور علي الصوا:

ومن منهجه النظر في مآلات الأفعال والأحكام الضابطة لها، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح ضرورية وتحسينية، ولا يجوز أن تتناقض فروع الشريعة مع كلياتها لأن المناقضة باطلة، لذلك نجده يؤكد على أن حفظ الدين في الداخل والخارج مقصود للشارع، فما ساعد على حفظه من خلال التربية والتعليم، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان مطلوبًا ؛ وما أدى من الأعمال والأقوال والأحكام إلى خدش الدين والإساءة إليه وتنفير الناس عنه، فهو ممنوع، حفاظًا على اتساق أحكام الشريعة في تحقيق مقاصدها في الخلق.

الفقه في خدمة الدعوة

ومن منطلقات الشيخ الغزالي في الجانب الفقهي: أن الفقه ينبغي أن يكون في خدمة الدعوة إلى الإسلام، وألا تستخدم الفتاوى الجزئية للتنفير من قبول الإسلام من غير المسلمين، أو من التوبة والهداية للعصاة والشاردين من المسلمين.

ومن هنا يرفض الشيخ ما رفض شيخه الإمام حسن البنا من التقليد الأعمى والمطلق للأئمة السابقين، لا سيما من أهل العلم، بل عليهم أن يستكملوا نقصهم العلمي، وأدواتهم الثقافية، حتى يبلغوا الدرجة التي يتمكنوا فيها من النظر والترجيح بين الأقوال، وأن يجتهدوا لزمنهم وبيئتهم كما اجتهد الأولون لأزمانهم وبيئاتهم.

ولا بد للفقيه المعاصر أن ينظر في الميراث العلمي للعلماء المتقدمين في أعصار الإسلام المختلفة، نظرة جديدة، في ضوء مقررات الكتاب والسنة، ومقاصد الإسلام، وكلياته القطعية، فالنصوص معصومة، ولكن أفهام الشراح وأقوالهم في تفسيرها غير معصومة.

ويقول الشيخ الغزالي: إنه يريد أن يكتب بحثًا عنوانه: قال الشارع، وقال الشارح:! يكشف فيه النقاب عن كثير من الأقوال التي ارتضاها الشراح، وهي مخالفة لجوهر الهدي الإلهي، والهدي النبوي، وهو ما جاء به الشارع.

المراجع :

العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالي (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)

الشيخ الغزالي كما عرفته للشيخ القرضاوي

ومن مؤلفات الشيخ الغزالي:

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين

ليس من الإسلام

دفاع عن العقيدة والشريعة

فقه السيرة

نظرات في القرآن

من هنا نعلم

كيف نفهم الإسلام

الإسلام والطاقات المعطلة

دفاع عن العقيدة والشريعة

قذائف الحق

مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

مائة سؤال عن الإسلام

جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج

ركائز الإيمان بين العقل والقلب

المحاور الخمسة للقرآن الكريم

 هذا ديننا

الإسلام وإعلان الأمم المتحدة


* محرر بالقسم الشرعي بالموقع

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع