 |
|
الغزالي |
لم
يكن الشيخ أحمد السقا – التاجر
البسيط – في قرية نكلا العنب،
محافظة البحيرة يظن أنه سينجب
عملاقا يجوب البلاد الإسلامية
ليبلغ كلمة الله . فقد رأى التاجر
البسيط في رؤيا من يبشره بغلام اسمه
محمد الغزالي، ورغم ذهول التاجر
ودهشته لهذه الرؤيا إلا أنه بقي على
أمل أن يوهب هذا الغلام "تيمنا
بقصة امرأة عمران، فلما جاءته
البشرى صدق الرؤيا، وأطلق عليه اسم
(محمد الغزالي) ليكون اسمه بالكامل (محمد
الغزالي أحمد السقا).
"الكُتاب"
بداية الجهاد
وعلى
الفور بدأ بتنفيذ عهده مع الله،
فأدخل ابنه كُتَّاب القرية ليحفظ
القرآن الكريم تمهيدا للالتحاق
بالأزهر الشريف، وبالفعل أتمه في
العاشرة من عمره.
ويقول
الإمام محمد الغزالي عن نفسه وقتئذ:
"كنت أتدرب على إجادة الحفظ
بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم
القرآن في تتابع صلواتي، وقبل
نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته
أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن
مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة".
ولما
كان الرزق محدودًا لوجود ستة من
الأبناء لوالد الشيخ الغزالي، فقد
كان رحمه الله يسكن حجرة ضيقة خشنة
الجدران، ينام على فراش رقيق على
أرض الغرفة، ولم يكن هدفه وهو صغير
سوى حفظ كلمة الله، منذ كان يشعر
أنها أمانة فائقة.
لم
يكن الشيخ محمد الغزالي أثناء
دراسته بالمعهد الأزهري يرضى ظلما
على أحد من زملائه، فكان المدافع
عنهم والصوت المعبر عن رغباتهم
وشكواهم. فلا يلوذ بالصمت إذا ضاع
حق زميل له أو تعرض لظلم ما، فكان
يناقش شيوخه ومعلميه بالحجة
البالغة.
وتخرج
في معهد الإسكندرية سنة 1938، ثم
التحق بكلية أصول الدين بجامعة
الأزهر، وأكمل الدراسات العليا
فيها حتى حصل على العالمية مع إجازة
الدعوة والإرشاد. ثم العالمية مع
إجازة التدريس، وعمره حوالي ست
وعشرين سنة.
وكانت
بداية عمله بالأوقاف عندما عمل عام
1943 إمامًا وخطيبًا بمسجد العتبة
الخضراء بالقاهرة، حتى وصل لمنصب
وكيل وزارة الأوقاف لشئون الدعوة
الإسلامية.
كما
عمل أستاذًا في جامعات السعودية،
والأزهر، وقطر، والجزائر،
ومحاضرًا وأستاذًا زائرًا في معظم
جامعات الدول العربية والإسلامية.
حياة
حافلة بالإنجازات
ألف
الشيخ الغزالي ما يقرب من 58 مؤلفًا،
بالإضافة للأبحاث والرسائل
العلمية والدراسات المتعددة، التي
حفلت بها معظم المؤتمرات الإسلامية
والعربية، هذا إلى جانب بعض
التحقيقات لكتب التراث الإسلامي،
ولا نغفل عددًا من رسائل الماجستير
والدكتوراه التي أشرف عليها
وناقشها، وبعض الآراء التي رد
عليها برسائل علمية راشدة، و قبيل
وفاته بأيام كان يعد منهاجًا
تصوريًّا للتعليم في الأزهر
الشريف، يواكب حركة التطور والتقدم
في العالم.
أما
المقالات الإسلامية بأنواعها فقد
امتلأت بها الصحف والمجلات المصرية
والعربية على السواء، فلم يدع
حادثة ألمت بالمسلمين إلا وأشار
إليها وبيَّن موقف الإسلام منها،
وكثيرًا ما كانت هذه المقالات تثير
الغضب عند البعض لأنها كانت تنطق
بالحق، والتي يقول عنها الإمام
محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ : "وددت
لو فرغت خواطري ومشاعري أولا بأول،
حتى ألقى الله ولست كاتمًا لعلم أو
لنصيحة".
حاز
الغزالي على تكريم كثير من الدول
العربية والإسلامية، فحصل على
جائزة الدولة التقديرية من جمهورية
مصر العربية، كما حصل على جائزة
الملك فيصل في مجال خدمة الإسلام،
وعلى أرفع وسام في موريتانيا،
وأرفع وسام في الجزائر، كما كرمته
السعودية، وقطر، والسودان.
وفي
نهاية 1990 حصل على جائزة دولية من
باكستان تقديرًا لجهوده في الدعوة
الإسلامية، ومنحته ماليزيا وسامها
الأول عام 1996.
ومع
ذلك فلم تزده كل هذه الأوسمة إلا
تواضعًا، فعندما تسلم جائزة الملك
فيصل العالمية لخدمة الإسلام ردد
قوله تعالى: (رب بما أنعمت عليَّ فلن
أكون ظهيرًا للمجرمين) القصص: 28.
كما
تُرجمت كثير من كتب الإمام محمد
الغزالي إلى الإنجليزية والفرنسية
والأوردية وغيرها، فكانت محاضر
دفاع عالية المستوى عن الإسلام ضد
خصومه والمفترين عليه، وقد أُلِّفت
في جامعة (هارفارد) الأمريكية رسالة
علمية عن نشاط الدعوة الإسلامية في
العصر الحديث، ورأى الباحث أن
مؤلفات الشيخ الغزالي تمثل فكرا
متميزًا، يتسم بالحوار المقنع
والميل إلى استعراض وجهات النظر
ومناقشتها، مع البعد عن التحريف
والقسوة في ملاقاة الجهات المعارضة.
كما
مثلت مناظرات الإمام محمد الغزالي
زادا علميًّا رائعًا، فكان خير
مدافع فيها عن الإسلام، وفي ذلك
يذكر الشيخ المجاهد: أني أكره أن
يكون الإسلام هو (الهفية) الذي يريد
طعنه كل وضيع ليعلو.
ويتحدث
الأستاذ محمد شلبي عن الشيخ قائلاً:
"قليل من الناس يعرف أن الداعية
الكبير قد يخرج من عمله في عصر
الخميس فإذا هو في العشاء (بالمنيا)
يحاضر الناس، وإذا هو في صلاة (الجمعة)
يخطب وهو في (منفلوط)، فإذا هو في
العصر يحاضر (بأسيوط) وبعد العشاء
يحاضر (بسوهاج)، و في الصباح الباكر
يكون في عمله (القاهرة) قبل
الموظفين.
أساتذة
الشيخ الغزالي
يقول
الإمام الغزالي: تأثرت بالشيخ عبد
العظيم الزرقاني المدرس بكلية أصول
الدين، وهو مؤلف مناهل العرفان في
علوم القرآن، وتأثرت كذلك بالشيخ
إبراهيم الغرباوي، والشيخ عبد
العزيز بلال، وقد كانا يشتغلان
بالتربية النفسية، فقد كانا دائمًا
التحذير من الزهو بالألقاب
العلمية، لأن بها طنينًا ربما يذهب
معه الإخلاص المنشود.
كذلك
الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ
الأزهر الأسبق، فله قدم راسخ في
علوم التفسير والفقه وأسلوبه يدل
على وعي وتفقه.
أما
أكثر من تأثر بهم الشيخ الغزالي فهو
الإمام الشيخ حسن البنا، ويقول
الإمام محمد الغزالي عنه: "تعلمت
من حسن البنا الإنصاف للغير مهما
خالف في الرأي، عندما أخالف أحدًا
في حكم ما فلا يجوز أن أهمل ما لديه
من صواب كثير، ومواهب قد أفاءها
الله عليه".
ويذكر
الشيخ الغزالي أيضا أستاذه الشيخ
العناني بالخير، كما وصف آراء
الإمام محمد أبي زهرة، بالجرأة
وعمق البصيرة والفقه الراسخ .
مواقف
من حياته
حينما
انعقد المؤتمر الوطني للقوى
الشعبية في مايو 1962 كان المؤتمر يضم
طوائف وفئات الدولة المختلفة، يروي
فضيلة الإمام محمد الغزالي عن ذلك
فيقول:
"...
أتاح الله لي فرصة كي أبسط وجهة
النظر الإسلامية، وأن أعرض آمال
الجماهير في العيش تحت لواء
الإسلام، وفي مناخ يمكن للتربية
الدينية أن تصوغ الأجيال الناشئة
وتوجهها، كما يمكن أن تحل الشريعة
الإسلامية وتصبغ سائر الحياة
والتقاليد، ورغم عظم العبء، لكن
الاعتماد على الله والثقة في عطفه،
يسر الأداء ومهد القبول.
والذي
أبغي إثباته هنا أن الكثرة العظمى
لم تؤيدني فيما قلت فحسب، بل اعتبرت
ما قلت، فكرتها ووجهتها، وصورة
لأملها، لكن العودة إلى الإسلام لا
يمكن أن يكون بهذه السهولة . لذا
أتوقع معارضين يضيقون ذرعًا بنا،
وقد أعددت العدة لمناقشات يستبين
فيها الصواب وتتبدد فيها غيوم
الريبة".
وصدق
حس الغزالي... إذ شن الشيوعيون
والعلمانيون عليه حربًا شعواء،
واشتدت الوطأة عليه .
ففي
أثناء خطاب الرئيس المصري في 21 مايو
1962 أمام المؤتمر الوطني للقوى
الشعبية تعرض لقضية مساواة المرأة
بالرجل في كل الأمور، فقام الشيخ
الغزالي وهو عضو في المؤتمر،
بالمطالبة بالالتزام بالشرع فيما
يخص المرأة والرجل، فطالب بتخفيف
العبء على المرأة، والحد من الأمور
التي تخرجها عن طبيعتها الأنثوية،
وكانت العاصفة، فصبت جريدة الأهرام
جام غضبها على الشيخ الجليل،
واتهموه بالرجعية، وتطاول رسام
الكاريكاتير الشيوعي صلاح جاهين
برسومات وزجل يلمز فيها الإمام.
ويروي
الشيخ حسين حسن الطويل، أحد علماء
الأزهر ومن تلاميذ الشيخ الإمام
".. أن الشيخ الجليل خطب الجمعة
حول موضوع "إن الذين أجرموا
كانوا من الذين آمنوا يضحكون" و
تناول أدب المعارضة والاختلاف، و
خرج الأزهر كله عقبها في مظاهرة
متوجها نحو مبنى جريدة الأهرام،
وادعت الصحيفة أن الشيخ قد حرض
الجماهير العريضة لمظاهرة عارمة".
ولكنه
– رحمه الله- ذهب للأهرام وقابل
الأستاذ محمد حسنين هيكل، حيث أبدى
كل ترحيب واحترام للشيخ الغزالي،
وأحضر السيد هيكل رسام الكاريكاتير
صلاح جاهين صاحب حملة التشهير ضد
الغزالي ودار حوار انتهى باعتذار
هيكل للشيخ الإمام، أما صلاح جاهين
فأعلن أنه سيحارب الدولة لو كان
شعارها ودينها الإسلام، فلقد كانت
مرحلة الستينيات أشد مراحل العصر
تنكيلاً بالإسلاميين.
كما
كوَّن الغزالي مع المجاهد حافظ
سلامة، بعد نكسة 1967 فريق عمل، يلتقي
بالجنود يثبت الهمم ويزرع الإيمان
في النفوس الهابطة، وقاما بتحريض
المؤمنين على القتال بعد كارثة 1967
يروي
الإمام عن تلك الأيام في كتاب هموم
داعية فيقول :
"...
بقينا سنين لا نسأم من التحشد
وتصعيد الروح المعنوية، وبين الحين
والحين كنت أذهب مع بعض الأخوة لنرى
اليهود قابعين على الضفة الشرقية،
فتسري الكآبة في فؤادي وأتراجع
مخترقًا الدور المهدمة، وأقول في
نفسي: لو كان هذا التخريب أثر
مقاومة شريفة في 1967 ما حزنت، ولكنه
عمل قادة صغار ضاعت عقولهم من فرط
الإدمان، وضاعت أخلاقهم من فرط
التهارش والأثرة" .
وبعد
فترة في شحذ الهمم، استدعى ملك
المغرب الإمام، لإلقاء محاضرات
ودروس دينية بالقصر الملكي، وكان
بصحبته الشيخ الكبير حسنين مخلوف،
مفتي مصر الأسبق، فقامت حرب العاشر
من رمضان وهما في المغرب ، فاستشعر
الشيخ من وكالات الأنباء حجم
النصر، وتعرف على صيحات التكبير
والتهليل والتمسك بعناصر الإيمان
والتحلي به.
ولا
ينسى الشيخ أن يسجل حزنه البالغ حين
تمت مؤامرة وقف إطلاق النار بعد أن
كان المسلمون قاب قوس أو أدنى من
وأد الجيش الذي لا يقهر.
قصة
قانون (الأحوال الشخصية)
وعندما
طرح قانون جديد للأحوال الشخصية،
في منتصف السبعينات، اعترض عليه
الشيخ الغزالي بالحجة والمنطق، مما
كان سببا في حرمانه من الخطبة في
مسجد عمرو بن العاص، ونقله إداريا
إلى مسجد صلاح الدين.
ويروي
الإمام عن تلك الفترة العصيبة
فيقول: "نقلت عنوة لمسجد صلاح
الدين مع المنع من الخطبة، وعندما
ذهبت للمسجد لم أجد مكانًا ولا حجرة
يمكن أن أجلس فيها، فلم أجد سوى (سندرة)
في حجرة خادم المسجد! افترشت أرضها
وبدأت في كتابة بعض الكتب. وسرعان
ما تركت مصر وذهبت للدعوة
الإسلامية في السعودية، حيث عينت
رئيسًا لقسم الدعوة وأصول الدين
بكلية الشريعة والدراسات
الإسلامية..".
ونتيجة
لرحيله، قامت الدنيا مطالبة بعودة
الغزالي، وقام خلفاؤه ومحبوه
بالتنديد بالقانون المشبوه، وفي
منازلة بين الطلاب والرئيس السادات
أعلن أن الشيخ في السعودية يتقاضى
الكثير ولا يريد العودة!.
فرد
الشيخ الكبير برسالة لجريدة
الأهرام المصرية يقول فيها: "إنني
أتقاضى أكثر مما قلت، ورغم ذلك أنا
على استعداد لترك الراتب الأعلى
للعودة لمسجد عمرو إمامًا وخطيبًا،
إن الفلوس لن تهمني وأنا أطالب
بالعمل في مصر، لكنني لن أسكت على
باطل..".
وفى
النهاية اضطر السيد ممدوح سالم
رئيس وزراء مصر إلى إغلاق ملف هذا
القانون وعدم مناقشته.
الغزالي
والإسلام في الجزائر
اعتاد
فضيلة الإمام محمد الغزالي أن يذهب
سنويًّا في ملتقى الفكر الإسلامي
بالجزائر، لكي يجدد الفكر الإسلامي
ويبصره بما يدبر له من مؤامرات
ومكائد تحاك ضده، وهناك قابله
الرئيس الشاذلي بن جديد عارضًا
عليه العمل بالجزائر قائلا له: إن
الحركة الإسلامية قادمة في الجزائر
وتحتاج لترشيد رأي، لذلك فالجزائر
تحتاج الإسلام الصحيح دون تشويش،
وأود لو أنشأت في الجزائر جامعة
إسلامية على غرار جامعة القاهرة.
واستجاب
الشيخ المجاهد، وبدأ رحلة جديدة في
الدعوة، ويروي فضيلة الإمام أن
الجزائر كانت تموج بالفتن، كما
كانت مظاهر الحضارة الأوروبية
الجامحة ما زالت مهيمنة. وبالفعل تم
إنشاء جامعة الأمير عبد القادر
الجزائري، وعين الإمام محمد
الغزالي مشرفًا عليها، وفتح المجال
للشيخ الجليل كي يدعو كيفما شاء،
فأتاح التلفاز للشيخ الجليل ساعات
كثيرة، ومواعيد أسبوعية ثابتة،
يقدم فيها كلمة الإسلام، كما كلفه
المعهد العالمي للفكر الإسلامي
بعمل دراسة عن السنة النبوية، فكتب
مؤلفه المتميز "السنة النبوية
بين أهل الفقه وأهل الحديث"،
الذي أثار حوله ضجة عارمة، وأقيمت
من أجله مؤتمرات، تناقش الكتاب
وتحدد معالمه.
وقد
التف حول الشيخ الملايين، وتجمع في
خطبه الألوف، وبدءوا يعلقون صوره
في الحوانيت والبيوت، ويتلمسون
أخباره في التلفاز، ويتابعونه في
حركة الإعلام المرئية والمسموعة . .
ويذكر البعض أن الشارع الجزائري
كان يخلو من المارة أثناء حديث
الشيخ في التلفاز.
وحتى
عندما أصيب بأزمة قلبية حادة بسبب
العمل المتواصل، أكمل الجهاد رغم
تحذير الأطباء له، وعندما شعر
بوجود الصوت الإسلامي في الجزائر،
ولمس بيده عودة اللغة العربية
لأرضها، عاد إلى مصر ليبدأ رحلة
جهاد إسلامية في أواخر حياته.
وقد
عم الحزن في القطر الجزائري عندما
تركه الإمام عائدًا لمصر، وتبادل
البعض التعازي لفراق الشيخ الذي
ملأ القلوب، وعندما عاد لمصر، كانت
الرسائل تلاحقه حتى لقي ربه.
ومما
يذكر أن الشيخ كان يدعو دائمًا لأهل
الجزائر بالسكينة والاستقرار،
ويردد ما أحوج العالم لرسالة محمد
صلى الله عليه وسلم، ويوصي في
رسائله للجزائريين بالسكينة
والموضوعية، والبعد عن مهلكات
النفس البشرية وعدم الصدام والعنف.
الشيخ
الغزالي وإيران
كان
للإمام دور بارز في عودة الأسرى
المصريين الذين ساندوا العراق في
حربه ضد إيران . فقد كانت كل
المشاورات مع إيران قد باءت
بالفشل، إذ رفض الإيرانيون مساعي
كل الزعماء ومسئولي الدول ومبعوثي
الأمم المتحدة، بينما شاع رضا
إيران في الفترة الأخيرة عن أسلوب
الشيخ الغزالي، إذ كان العالم
الوحيد الذي يسعى لتقارب وجهات
النظر دون الطعن في المذهب الشيعي،
وعلى هذا الأساس اختاره الإيرانيون
للتفاوض، وبالفعل نجح الإمام في
العودة بالأسرى المصريين في وقت
تعسرت مفاوضات الساسة
والدبلوماسيين.
مع
البوسنة والهرسك
ولم
ينس الشيخ أن يذكر دور الشيشان،
ويلوح بمجازر الروس في بلادهم،
ويحرض المسلمين على القتال ويثبتهم
بالمحاضرات أو المقالات التي تبعث
الحماس والحياة في النفوس الميتة.
وبنفس
المنطق المشارك للمسلمين أحزانهم،
ورغم سنه الكبيرة وصحته البالية،
سافر الشيخ إلى البوسنة والهرسك،
وشارك في المؤتمرات التي عقدت
لمناصرة الشعب المنكوب ويلفت النظر
إلى قضيتهم.
أضواء
على بعض مؤلفات الإمام
كانت
كل كلمة للشيخ الجليل رد فعل لموقف
أو هجومًا على لامز أو هامز، يجابه
التيار بكل ما ملك من قوة.
ففي
علو راية المظالم وانتشار الشيوعية
ألف كتاب "الإسلام المفترى عليه
بين الشيوعيين والرأسماليين"، و"الإسلام
والمناهج الاشتراكية"، و"الإسلام
والأوضاع الاقتصادية"، و"الإسلام
والاستبداد السياسي" ؟؟
وعندما
طعن مسئول مسيحي في الإسلام تصدى له
الشيخ بكتاب "التعصب والتسامح
بين المسيحية والإسلام"، وتعمد
الإمام ألا يذكر اسم الطاعن حتى
يموت في مهده ولا يحيا بذكره أبدًا.
أما
كتاب "فقه السيرة" فيروي الشيخ
الجليل أنه كتبه وهو دامع العين في
الروضة الشريفة في المسجد النبوي،
وبعضه في مكة أمام الحرم. وقد اعتمد
على الكتاب والصحيح من السنة
والعقل الراشد، وقد ضعف المحقق
السوري الشهير ناصر الدين الألباني
بعض أحاديث الكتاب. إلا أنها لم
تغير من المعتقدات أو من الأحداث.
وقد نوه الإمام محمد الغزالي بذلك
في المقدمة.
أما
كتاب "الإسلام والزحف الأحمر"
فإن الشيخ الجليل كتبه عندما كان
يجابه سماسرة الدب الروسي وأنصار
الشيوعية، في وقت تبنت كثير من
الشعوب العربية الشيوعية، ويتذكر
الإمام الجليل تلك الفترة فيقول:
"إنني رأيت أن أكتب هذه الصحائف
– يقصد كتاب "الإسلام والزحف
الأحمر" - بالحقائق العلمية
والتاريخية، وأودعتها صرخات قلب
غيور على دينه. وأعرف أنني بكتابتها
سأتعرض لعداوات مميتة، ولكن بئست
الحياة أن نبقى ويفنى الإسلام".
وعن
كتاب "من هنا نعلم" فقد رد به
على فكر العلمانية، حين ظهر كتاب
"من هنا نبدأ" الذي فرح به
النصارى والملحدون الشيوعيون، إذ
اعتبروه دستورًا لهم . وقد وقع
مؤلفه في فخ فصل الدين عن الدولة.
ولكن جاء رد الشيخ بالحجة والحكمة
والموعظة الحسنة. حتى لقد تراجع
مؤلف كتاب "من هنا نبدأ"، وألف
كتاب "الدولة في الإسلام". فقد
كان على صلة وثيقة بالإمام محمد
الغزالي حتى لقد رفض الشيخ الغزالي
موقف الأزهر حين جرد الشيخ خالد من
شهادة العالمية، ونفى الإمام عنه
تعمد طعن الدين، بل أنه كتب ما كتب
معتقدًا أنه الصواب.
وحين
وجد العالم الغربي العتيّ يدبر
للإسلام مكائد متنوعة، ووجد
المسلمين غرقى في مشاحنات وصراعات
فقهية تافهة، كتب "مشكلات في
طريق الحياة الإسلامية" و"هموم
داعية"، و"سر تأخر العرب
والمسلمين".
كما
رد الشيخ كثيرًا من الموروثات
المتخلفة، ظنها القوم أصولا راسخة،
وتناول ضرورة تنقية موروثاتنا في
كتابه "تراثنا في ميزان الشرع
والنقل".
وعن
"التفسير الموضوعي للقرآن
الكريم"، فقد كان حلم الشيخ
الإمام أن يتناول هذا النوع في
التفسير، فما أفقر المكتبة
الإسلامية لهذا التصنيف، ولذا قال
في مقدمة الجزء الثالث من هذا
التفسير: "أحمد الله ما تراخت
منيتي حتى أكملت هذا العمل".
يعتبر
ما تركه الإمام في المكتبة
الإسلامية زادًا ثقافيًّا، لا غنى
عنه للأئمة والعلماء قبل العامة من
الناس.
الغزالي
والفنون
الداعية
الكبير لم يكره الفن، بل كره ما
يؤدي إلى الفوضى والانهيار الخلقي
باسم الفن. فكان يستقبل كثيرًا من
الفنانين الملتزمين في بيته،
يتساءلون عن الدين والحياة، وقد
اختاره العاملون الجادون في هذا
المجال لأنه – رحمه الله - كان حسن
الخليقة، مبشرًا لا معسرًا.
كان
يحب الشعر ويقدر الأدب الراقي
النظيف، و يدعو إلى القصص الطاهر
العفيف البعيد عن الرذائل، وقد
أعلن موقفه هذا في كتابه "هموم
داعية"، و"مشكلات في طريق
الحياة الإسلامية"، كما احترم
العقاد في أسلوب بحثه في
الإسلاميات، واحترم طه حسين في
تقديره للعربية، وإن صد عنه في
مواقفه من بعض قضايا الإسلام. لم
يسترح لشعر "قباني" لأنه خارج
مبتذل، واستعيب شعراء العامية
لأنهم ينزلون باللغة في الدرك
الأسفل.
والإمام
الراحل لم يعادِ شخصًا لذاته، بل
لمواقفه، لذلك زار الأديب نجيب
محفوظ عندما أصابه حادث الاعتداء،
وتلاقيا لقاء الأحبة، وأعلن الشيخ
الغزالي أنه يقدر في نجيب محفوظ أنه
احترم رأي الأزهر، ولم ينشر رواية
"أولاد حارتنا" التي نضحت
إلحادًا.
وقبل
وفاة الكاتب زكي نجيب محمود زاره
الشيخ الغزالي في البيت، ودار
بينهما حوار فيه روح المحبة
والإخاء. فالشيخ يطالب بتشجيع
المواهب، ولكنه يرى أن للفنون
حدودًا لا تخترق فيها آداب الإسلام
وشرائعه.
الغزالي
والنقد
يذكر
الدكتور القرضاوي عن الإمام
الغزالي قائلاً: "قد تخالف
الغزالي أو يخالفك، ولكنك إذ عرفته
حق المعرفة لا تستطيع إلا أن تحبه
وتقدره، لما تحسه وتلمسه من إخلاص
لله، وتجرد للحق، واستقامة في
الاتجاه، وغيرة صادقة على الإسلام".
وقد
نال الغزالي نقدًا وقف أمامه راسخ
القدم ثابت اليقين، وعندما قامت
زوابع سياسية عليه لم يفر منها، بل
ذهب ليجابه.
أما
النقد العلمي فيسمعه ليرد عليه بما
ملَّكه الله من أدب وتهذيب، فهو
يقبل أي أنواع النقد، ولا تحدث به
عاهة نفسية تمنعه من الذود عن
النفس، بل يفند، ويوضح، ويبين،
وينازل، ويناظر.
وعندما
هاجمه البعض بإنكار أحاديث اشتهرت
على الألسنة، رد بمنتهى القوة وذكر
أعدادًا كبيرة من الأحاديث التي
أوردها فقط في كتابين هما "فقه
السيرة"، و"جدد حياتك"،
يضاف لذلك كتب "فن الذكر والدعاء
عند خاتم الأنبياء" أو "مع
الله"، أو "دفاع عن العقيدة
والشريعة ضد مطاعن المستشرقين"
وختم حياته بكتاب "كنوز من السنة"،
فهل عادى السنة حقًّا؟!.
وعندما
نقد الشيخ ابن باز كتاب "السنة
النبوية"، رد الإمام الكبير
قائلاً: لك هذا، أكتب ما تراه
صوابًا، شريطة ألا يكون هناك رأي
صحيح آخر، فإذا وجدت آراء صحيحة مع
ما تقول، فلا معنى أن تلزمني برأي
يفرض علي، وللمسلمين رأي أيسر لهم
وأقرب للتقوى.
كان
يقبل النقد و لو من صغير، إذ رد
يومًا على نقد لطيف بحب جارف وثقة
بالله قائلاً: "... أنا أعمل
للإسلام ودعوته من أمد بعيد، وربما
استوحشت وربما كبوت، ولكني واثق من
أن الله لن يضيعني".
منزل
الغزالي قبلة السائل والمكروب
كان
بيت الإمام قبلة يتوافد عليه الناس
ليسألوا، ويجدوا ضالتهم المنشودة،
فقد تميز الإمام بالسماحة، يرى
الأيسر على السائل ويفتي به ويفك
كروب المكروبين، وقد يفك الدَّين
عن المدينين، يسمع الشكوى ويتابع
أحوال صاحبها.
وجد
يومًا أحد الأئمة قد أخرج زوجة من
بيتها طلقت طلقة رجعية، وقال
تحرمين عليه، فغضب الشيخ وقال
للرجل: كيف هذا "يا أيها النبي
إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن و
أحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا
تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن.."
والآية صريحة ببقاء المعتدة في
منزلها عند الطلقة الرجعية. وكان
يقوم رغم مرضه بالرد على الخطابات
وبالهاتف، وجعل من منزله دارًا
للفتوى ومؤسسة خيرية للسائلين.
ويستقبل
كثيرًا من العلماء والعاملين في
حقل الدعوة يتساءلون عن دينهم
ويتدارسون أحوال العالم الإسلامي.
وفي الفترة الأخيرة كان يعطي
محاضرات في الدفاع عن الإسلام
للأئمة، ولا يمانع من المناظرة
التي يستثمر فيها الإسلام.
كما
كان للشيخ الكبير منتدى فكري، يفد
عليه كبار العلماء يسألونه في
الأرجح من الآراء التي يفتون بها،
كما كان مرجعًا للأساتذة والباحثين
في الأزهر والجامعات الأخرى.
الإمام
يتحدث عن نفسه
يقول
الإمام الجليل عن نفسه: "لم أكن
أتخيل في طفولتي ولا يفاعتي أنني
سأكون يومًا ما داعية. وما حسبت ولا
حسب القريبون مني أنني أصلح للعمل
في هذا الميدان.
إنني
لا أطيق التزمت، ولو تكلفته ما
أحسنته! وأحب أن أسترسل مع سجيتي في
أخذ الأمور وتركها، وقلما أكترث
للتقاليد الموضوعة، والمفروض أن
اللازم الأولي في رجال الدين – كما
يسمون - أنهم أهل توقر وسكون.
وأنا
أجنح إلى المرح عن رغبة عميقة،
وأتلمس الجوانب الضاحكة في كل شيء،
وأود لو استطعت أن أعيش هاشًّا
باشًّا، والمفروض أن الناس يتوقعون
من أمثالنا تواصل الأحزان، وإطراق
الكآبة.
ثم
إنني شعبي في تصرفي، لو كنت ملكًا
لأبيت إلا الانتظام في سلك الأخوة
المطلقة مع الجماهير الدنيا،
أخدمهم ويخدمونني على سواء!.
وقد
تكون الأيام غيرت مني، والتجارب
القاسية علمتني، فجعلتني – وأنا
الضحوك المبتهج - أغوص في بحار من
الأكدار، أو أتحرى موضع قدمي، وأنا
أسير بين الناس، كأنما أحاذر
شراكًا منصوبة، أو أصعر خدي – علم
الله لا عن كبر - بل إحجامًا عن قبول
الدنية ورفضًا لهضم الحقوق!.
وما
اضطررت إليه من عمل ينافي طبعي، فإن
مرده طبيعة الأحوال التي أحيا
فيها، وليس البتة من طبيعة الرسالة
التي أؤديها بعد ما صرت إلى ما خطه
القدر لي، أي رجلاً من الدعاة إلى
الله، وهمزة وصل بين الأرض والسماء!".
إنه
الرجل الذي أرخ للأوضاع
الاقتصادية، وتأمل في الدين
والحياة، وصد الزحف الأحمر عن
الإسلام، وقابل مشكلات في طريق
الحياة الإسلامية، وأنصف الإسلام
من المناهج الاشتراكية
والرأسمالية، ونطق الحق المر،
وتعمق بنظرات في القرآن، وأفهم
السنة لضعاف البصيرة، وعلمنا من
هنا نعلم، واستبعد ما ليس من
الإسلام، وحدد معالم الحق، وعاش مع
الله، في الدعوة والدعاة، ووقف
مجاهدًا في معركة المصحف في
العالم، وعرفنا كفاح الدين، وأجاد
الدفاع عن العقيدة والشريعة، ورسخ
ركائز الإيمان بين العقل والقلب،
وحذر من حصاد الغرور، وأطلق قذائف
الحق، وأوفي الجانب العاطفي من
الإسلام حقه، عرف فن الذكر
والدعاء، ووضع دستور الوحدة
الثقافية بين المسلمين، وحمل هموم
الداعية، وسقط والقلم السيف في يده.
|