New Page 1
 

الخميس 1 ذو القعدة 1424 - 25/12/2003

New Page 1

 
New Page 1

مدير المركز الإسلامي بتكساس

زواج فريند.. انتصار للشرع على العرف

2003/12/18

محمد بن المختار الشنقيطي**

محمد بن المختار الشنقيطي

منذ بضعة أسابيع دخل علي طالب مسلم في زهرة شبابه، يعيش ويدرس في أمريكا، وطلب رأيا في علاقته بفتاة مسلمة أمريكية، ينوي الزواج منها، وقد ارتبط بها بعلاقة "حب"، لكن الزواج غير ممكن -حسب تقديره- إلا بعد ست سنوات!! نعم! ست سنوات من العلاقات المحرمة قبل أن يتخرج الفتى والفتاة.. وكان من الواضح أن الفتى يحس بتأنيب الضمير من هذه العلاقة، ويتحسر على عدم قدرته على الزواج وهو طالب.

من الحرام إلى الحلال

تذكرت رأي الشيخ الزنداني الذي سمعته منه عام 1998 يوم كنت مدرسا بجامعة الإيمان في اليمن التي يرأسها الشيخ، فقلت للفتى: يا أخي أتريد تحويل علاقتك بهذه الفتاة من الحرام إلى الحلال، ومن الريبة إلى العفاف؟ هذا هو الحل: تعالَ إلى المركز الإسلامي وسنعقد بينكما عقدا شرعيا، فتصبح الخلوة بينكما جائزة، والاستمتاع جائزا، ثم تبدآن معا رحلة التخطيط والعمل لتوفير المال اللازم لبناء بيت الزوجية.

أليس هذا أفضل من علاقة محرمة تدوم ست سنين، وتشمل اللقاء يوميا بين فتى وفتاة في أروقة جامعة أمريكية كل شيء فيها مباح، أو في المقاهي والمكتبات والمنتزهات، بل وفي بيت أهل الفتاة وتحت سمعهم وبصرهم؟

لم تكن هذه أول مرة أنصح بها فتى وفتاة مسلمة بتبني الحل الذي اقترحه الشيخ الزنداني، وقد اقتنع بعضهم وتزوج هذا الزواج الميسر الشرعي، وتغلب على أزمته الأخلاقية والاجتماعية، ولم يقتنع آخرون واستمروا فيما هم فيه.

لقد سمعت من الشيخ الزنداني رأيه مشافهة بمنزله في صنعاء، فلم ألتقطه من وسيلة إعلام تؤْثر الإثارة على الدقة، ثم عشت في أمريكا بعدها خمس سنين، فرأيت صلاحية هذا الحل وصحته، وحاجة الناس إليه، وليس من رأى كمن سمع.

سوء فهم

لكن رأي الشيخ الزنداني تعرض للتحريف والتبديل، ومن أسباب سوء الفهم الذي تعرض له هذا الرأي، وعدم استيعاب البعض له:

أولا: ورد مصطلح "زواج فريند" ملتبسا، وترجمه البعض خطأ بـ"زواج الأصدقاء"، مما أعطى إيحاء بأن هذا الزواج لا يختلف في جوهره عن العلاقة المحرمة المعروفة بالإنجليزية بمصطلح "بوي فريند" و"جيرل فريند"، وبالعربية بـ"الخلان" و"الأخدان". وقد أحسن الشيخ الزنداني صنعا؛ إذ سحب مصطلح "زواج فريند" مؤخرا، واستبدله بمصطلح "الزواج الميسر". وقد قال الشاعر:

تقول هذا مجاج النحل تمدحه***وإن ذممتَ فقلْ قيء الزنابيرِ

ثانيا: ينطلق المعترضون من المقابلة بين الزواج المعتاد الذي يستكمل الشروط الشرعية والمقتضيات المادية، وبين "الزواج الميسر" الذي يستكمل الشروط الشرعية وتنقصه بعض المقتضيات –وليست الشروط– المادية، وهذا منطلق خاطئ من البداية. فرأي الشيخ الزنداني لا يتعلق بهذه المقابلة، بل هو منصب على الاختيار بين علاقة شرعية وعلاقة محرمة في ضوء عدم القدرة على استكمال المقتضيات المادية.

ثالثا: انساق بعض المعترضين مع شعارات وتهويمات لا تقدم حلا عمليا، مثل القول إن هدف الزواج هو الديمومة والاستمرار، مع أن الشيخ الزنداني لم يُرِده مؤقتا، بل تبرأ من ذلك القول. ومثل القول إن من حق المرأة السكن والنفقة، مع الغفلة عن أن ذلك حق لها وليس واجبا عليها. وجاءت بعض الاعتراضات على رأي الشيخ متأثرة بالنزعات النسوية المعاصرة التي تهتم بحقوق المرأة المادية أكثر مما تهتم بعفافها وبصيانة المجتمع وطهارته. وذلك اختلال في الأولويات الشرعية.

ومع ذلك يظل رأي الشيخ الزنداني يحتاج توسيعا وتعميقا، يراعي التطبيق العملي ونتاجه. ومن أمثلة ذلك أن بعض الإشكالات العملية قد تترتب على تبني هذا الحل في دول الغرب، وأهمها في رأيي ليس سكن الزوجة ونفقتها، فمن حق الزوجة التنازل عن حقها في ذلك، وهي في دول الغرب غالبا امرأة عاملة لديها من المال ما يمكنها من التنازل عن هذا الحق. والطريف في الأمر أن القانون الأمريكي يجعل الإنفاق على الأسرة مسئولية مشتركة بالتساوي بين الرجل والمرأة. فالقانون الأمريكي يُكره المرأة على التنازل عن 50% من حقها، فلماذا نمنعها نحن من التنازل اختيارا عن النصف الباقي.

إشكال جوهري

إن الإشكال الأهم الذي قد يترتب على هذا الزواج الميسر إذن ليس فقدان الزوجة حقا تنازلت عنه اختيارا، فليس في ذلك إشكال أصلا، وإنما الإشكال الجوهري هو الأولاد. فماذا لو أنجب الزوجان أولادا في هذه المرحلة ثم تطلقا. فالقوانين الغربية لا تعتبر هؤلاء الأولاد أولادا شرعيين، ولا تجعل الأب ملزما برعايتهم أو الإنفاق عليهم، ما دام الزواج لم يتم في محكمة. وقد يؤدي ذلك إلى تضييع الأب حقوق أولاده، دون أن تطاله يد القانون. وليس من حق الزوجة التنازل عن هذه الحقوق؛ إذ ليست حقوقا شخصية لها.. لكن هذه حالة افتراضية نادرة الوقوع. والسبب هو الذين يلجئون إلى هذا الزواج الميسر هم دائما من المتدينين الذين يخشون ربهم، ولو لم يكونوا كذلك لرتعوا في الرذيلة كما يفعل المجتمع من حولهم، دون إحساس بإثم، أو تأنيب من ضمير، أو بحث عن حل شرعي.. والغالب أن هؤلاء لن يضيعوا أولادهم ولن ينكروا أبوتهم لهم، مهما يكن مصير الزواج.

كما لا ننسى أن الخيار المقابل قد ينتهي بإنجاب أولاد لا يُعرف لهم أب أصلا. وفي ذلك من الإثم والعار ومحنة الأولاد ما فيه. وقد تلجأ الفتاة الحامل إلى قتل النفس التي حرم الله من خلال الإجهاض. فالخيارات ليست متسعة، والأمر ليس خلافا فلسفيا، بل اختيارا بين خيارات غير مريحة، بعضها شرعي وبعضها غير شرعي.

ومهما يكن فإن الشيخ الزنداني لا يُلام على عدم اعتبار هذه الإشكالات العملية، فهو تقدم بحل شرعي، وترك تطبيقه الاجتماعي لمن يعايشونه؛ ولذلك دعا المجامع الفقهية في الغرب إلى دراسة الموضوع من جميع جوانبه، والنظر في صلاحيته العملية بعد أن تبينت صحته الشرعية. فعلى هذه المجامع الآن تقع مسئولية النظر في تفصيلات الموضوع.

والخلاصة أن رأي الشيخ الزنداني حل شرعي يعين على العفاف، ويقوي الترابط بين الوالدين وأولادهم البالغين، ويحمي الشباب المسلم من حياة الإباحية والرذيلة السائدة في مجتمعات الغرب.. وهو إلى ذلك انتصار للشرع على العرف، وللروح على الماديات.

فإذا كان العرف المادي يعرف الزواج بأنه بيت وسيارة، ويجعل من لم يملكوا ذلك غير أزواج، فهذا حل يرجع بالزواج إلى تعريفه الشرعي الأصلي، وهو أنه إعفاف وإحصان، وترويض للغرائز بحدود الله.. قبل أي شيء آخر.

ولا ينقص هذا الحل المبارك سوى شيء من التوسيع والتعميق يراعي النتائج العملية المترتبة عليه من كل الوجوه، ويضمن حقوق الوالدين والأولاد جميعا.

اقرأ أيضا:


**مدير المركز الإسلامي في ساوث بلين (تكساس - الولايات المتحدة)

 

  New Page 1

 

 

New Page 1

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع