بريدك الالكتروني


English

 

آخر تحديث: 08:00(غرينتش)، 11:00(مكة) االإثنين 25 جمادى الأولى 1428هـ - 11/06/2007م

تيتو

»

أطفال الشوارع

»

حواء وآدم

»

ملفات وصفحات خاصة

طفولة تونس.. ليست سوى كلمة

د.محسن بو عزيزي**

يتعلّق بوعد في مستقبل أفضل يسكن في هواجسه المحمومة

طالع البحث كاملا

وجد بيار بورديو أن اللغة تتراوح بين الرقّة والخشونة، بين الصفاء والغموض، من الأعلى إلى الأسفل، فكلّما اقتربنا من الطبقات العليا كانت اللغة نقيّة، صافية. وكلّما انحدرنا في السلم الاجتماعي نحو الطبقات الشعبية والمهمَّشة اشتدّ عنف اللغة وتوحُّشها وقتامتها، وهي النتيجة تقريبا التي توصلنا إليها في بحث " طفولة مقصيّة: بحث في العلاقة بين اللوغوس والإيتوس"، ويدور حول لغة أطفال الشوارع في تونس، حينما وجدنا أن الاتصال اللغوي في السياق الاجتماعي التونسي تحلّل حتى لا يكاد ينطق الأشدّ فقرا بلغة مفهومة.

فاللغة تعد مدخلا مناسبا لتعرية واقع الطفولة المقصيّة والمطاردة؛ فتتحصّن بالكلمة لتخفي معيشتها اليومية بجموحها وجنوحها في تعبيراتها واستعمالاتها الاجتماعية للغة بمجازاتها واستعاراتها، كما وجدت الدراسة فيما أجرته من مقابلات مع اثنين وعشرين طفلا ممن ينتمون للطفولة المقموعة عجزا عميقا عن التعبير ما عدا بعض الألفاظ المحدودة، القاتمة، الماكرة، المستترة والعميقة في تعبيرها عن البؤس، وفيما يلي موجز للدراسة.

كلمة..

بقدر ما كان الموضوع دقيقا وضيّقا، كانت نتائجه مفاجئة ونافية لفرضياته؛ فقد فوجئ الباحث وهو يخوض غمار هذا العالم الطفولي، في تفاعلاته العفوية، الطبيعية، ولحظة مغامراته الجانحة وحين تسكعه في الشارع، أن الطفولة "ليست سوى كلمة" وأن الغائب الأساسي فيها هو الطفل نفسه؛ فليس ثمّة ما يحيل إليه إلا في السّن وقصر القامة، أما في ممارسته ومناورته وإستراتيجياته فهو أقرب إلى الكهولة منها إلى غيرها، هذا القفز فوق المراحل العمرية مردُّه إلى ما تواجهه هذه الفئة -موضوع الدراسة- من قمع اجتماعي ومطاردة وتفكُّك وحرمان، أكسبها قدرة على المواربة والتخفي خلف شبكة من الألفاظ الخاصة، المقنّنة (codés)، المتمرّدة على اللغة الشرعية بغياب الأصل الاشتقاقي فيها؛ فكأنما للبؤس خطابه الخاص الذي يكشف عن ضروب من المكر والعمق والتستر خلف المبهم من الألفاظ التي لا يمكن فك شفراتها (décoder) إلا لمن اقتحم عالمها الخاص.

اللغة المتوحشة

ومن المثير ملاحظة أن قاموس هذه الفئة -الأطفال الفقراء- ليس سوى جملة من الكلمات المقصيّة من اللغة الشرعية، تتكوّن في زوايا قصّية من الشارع، من كلمات ليس لها أصل اشتقاقي أو معجمي من قبيل "قرجة"، "شبش"، "فصع"، يتعمد فيها الغموض وتكسّر قواعد اللغة نحوا وصرفا وصوتا، إنه نظام محدود من اللغة خفي، لا تعاقدي، إلا لمن عايش عالمه من الداخل، إذ هو وليد كم هائل من التفاعلات الاجتماعية والنفسية بين أطفال تشابهوا في البؤس، فجمعهم على توليد استعمالاتهم اللغوية المحدودة. ويبدو أن الاستعمال الجامح المتوحش، الخارق لقواعد اللغة الشرعية قد نتج عن حالة من عدم الشعور بالانتماء إلى أي فئة اجتماعية بعينها، إذ ظلت خارج التصنيف، فكان احتجاجهم جذريا، إلى حد خلق إستراتيجية مغايرة للتسمية تلغي الاسم الموجود في بطاقة الهوية، وتستبدله بتسميات أخرى أكثر انسجاما مع أوضاعها الخاصة، فيتحول "طارق" إلى "حنك" ويتحول "أيمن" إلى "العزلوك" ويصبح المنذر "مسمارا"، ولعل إعادة تعريف الطفل لذاته وإلغاء التسمية الشرعية من التداول تمثل ضربا من ضروب الحاجة إلى التّخفي، ولعلّه كذلك شكل من أشكال الاحتجاج والرفض لما هو شرعي.

ومن ضروب التمرّد على ما هو شرعي، تحويل مدرسة مهجورة في حي من أكثر الأحياء شعبية في مدينة تونس، إلى فضاء تراتبيّ يستوعب عالمهم الهامشي، فوزعت أقسامها بحسب احتياجاتهم الخاصة: قسم للجنس وثان للخمر، وثالث للمخدّرات ورابع "للكلفرة" (مادّة لاصقة، قويّة تستعمل مخدرا للاستنشاق). إن هذا المشهد ليس اعتباطيا بصرف النظر عن النوايا، خاصة أنّ صاحبه أطفال تذكّرهم المدرسة بفشلهم في تعلّم قواعدها وتذكّرهم بالقهر واللاّمساواة في حظوظ النجاح، ومعروف أن أبرز أطروحة دافعت عنها كتابات عالم الاجتماع الفرنسي "بيار بورديو" تكشف فكرة تشريع الهيمنة وإعادة إنتاج المدرسة للتمايز الاجتماعي، وقد يكون هذا السلوك الانقلابي للأطفال على رمز الثقافة الشرعية يرد إلى هذا العنف الشرعي الذي طالما كرّسته المدرسة ضد الفقراء، ولقد أثبت بيار بورديو في "الورثة: الطلبة والثقافة" أن الجامعة تقصي أبناء الطبقات الضعيفة وتحتضن أبناء الطبقات العليا، ذلك أن 6% فقط من أبناء العمّال يتمتّعون بفرصة دخول الجامعة، لكن المقموع في هذا المشهد يثأر من القامع بهتك ستر شرعيته وفكّ السّحر عنه.

إن أبرز حقل دلالي يصوغه الأطفال ويتداولونه في تفاعلاتهم وذبذباتهم الجماعية يحيل إلى المواربة والتخفي، وتبرر فيه بلاغة المجاز والكناية، بما فيه من استعارة منحرفة مراوغة كما هو واضح في الاستعمالات التالية:
الشرطة           ß حنش
"عْنَينَهْ"            ß أُهرب
"الحمام يدور"     ß  الشرطة اقتربت.
"اللعبة"           ß المخدّرات
"الفْرَاكْ"          ß البنات
عَوْ              ß  السرقة
فيه الصَّنْعَهْ      ß لوطيّ

ثقافة "تحت – أرضية"

ما ينسجه الأطفال في تفاعلاتهم وعلاقاتهم ينزع نحو صياغة ثقافة صغرى، تحت - أرضية (Underground) تقوم على نكث المعايير المتداولة وخرقها، فالسرقة والخطف هما من بين الممارسات الأكثر شيوعا بين أطفال الشوارع، مع ميل عدواني وعنيف في السلوك والممارسة والتصور تحكمها نزعة لا معيارية أحيانا، تدفع الطفل إلى إطلاق عنان الرغبة وعدم كبح جماح اللّذة بكل الطرق الخفية الماكرة، وفي صورة كبتها يظهر السلوك العدواني الذي هو نتاج: "عدم التسامح إزاء الحرمان".

يسمّى الطفل الأكثر لا معيارية في السلوك والممارسة "خليقة"، وهذه ليست صفة سلبية لدى الأطفال الفقراء، بل عادة ما تمنح صاحبها مكانة قيادية ضمن مجموعته، وتخلق ضربا من السلطة التي تقوم على التراتب، وتشعر المجموعة بنوع من التوازن والتضامن الداخلي. وإدراكا لهذا الامتياز يسعى القائد "الخليقة" إلى المبالغة في إبراز لا معياريته التي تبدو خاصة في علامات الوشم ودلالاته وفي ندبات الوجه وحلاقة الشعر، إنها ملامح ثقافة صغرى، مضادّة، متمرّدة على قواعد المدرسة ولغتها، ما دامت هذه الأخيرة كانت رمز الفشل والإقصاء من مقاعدها.

الطفولة المطاردة

الطفل "منتصر" إحدى الحالات التي مزّقتها الحياة منذ نعومة أظفاره، فاكتسب شخصية تجمع الحيرة والألم والشغف المفقود والرأفة المرجوّة، كان يعيش مع أبيه وأمّه وإخوته السبعة، قبل أن تتفكّك هذه الأسرة جرّاء "حبّ بدويّ" عاشته أمّه مع غير أبيه؛ فأنجبت طفلا كان سببا في الطلاق، فودّع منتصر طفولته باكرا؛ ليرى نفسه رجلا قبل أوانه –كما يقول عن نفسه- يُخفي كآبة مزاجه بتصنّع المرح والفكاهة، ولكنه يعود يشدّ رأسه بين كفيه، كأنه يخشى وقوعه، ليقول أنا لا أنام ليلا، أعلم أن أمّي أنجبت مرّة أخرى أختا لي "لقيطة" لا أعرفها ولا أدري هل سأحبّها أم لا، كما أن علاقتي بأمّي تهت في تحديد معناها خاصّة بعد أن توعّدني والدي بعدم "السّماح في الدنيا وفي الآخرة" إذا ما بَحثت عنها. يحدث هذا في اللحظة التي تقولون لنا: إن "الجنّة تحت أقدام الأمهات". يتذكّر "منتصر" ما كان يلاقيه من شتّى أصناف التعذيب من أمّه التي يعرف الآن من والده أنها بين أحضان رجل آخر في أحد الأحياء الشعبية في مدينة تونس، تفرّقت الأسرة وظلّت القصص تدور على الألسن يستحضرها ويعيشها من جديد كلّما وجّهت إليه شتيمة تعرّض بشرف أمه فتنال منه، وتقض مضجعه. 

وهنا يتذكّر بوجع -ويخفي دموعا تهمّ بالانفلات من محبسها- قاموسا لفظيا يفزعه، يهتك ستر أمّه وينكّل ببراءته. فهو بسبب هذا لا مكان له وسط المجموعة فيفضّل الهرب إلى الشارع لحفظ ماء الوجه، ولكنه برغم كل هذا يتعلّق بوعد ما في مستقبل أفضل يسكن في هواجسه المحمومة. فقد دفعه والده إلى مركز لملاحظة الأحداث ليتعلّم شيئا ما يكون له سندا في غياب السند الأسري.

وعبد القادر، طفل تبدو عليه علامات الترهّل والشيخوخة.. ماكر برغم إنهاكه، يحاول أن يتحصّن بالصمت ويختبئ وراءه لئلاّ تكشفه اللغة، ويتوسّل –في أثناء المقابلة- بألم يصدّعه حتى يحقق رجاءه من الإدارة رغبة في المعالجة من وطأة المخدّرات على جهازه العصبّي الذي ارتخى بعد ستّ سنين من الإدمان، لا يجيب عبد القادر، ابن المتسوّل الذي مات بعد صلاة الصبح بحادث سيّارة، إلا بإيماءة بالرأس، ولكنّه من حين لآخر يطلق سراح كلمات متقطعة تشبه الهسهسة، من قبيل "النشْلَه" والتي تعني احترافه الخطف والسرقة، ولكنّ إدمانه شلّ قدرته على الجري وحال دون صنعته التي يدعّي أنها مصدر رزق أسرته الوحيد، لقد استهوته حياة الشارع، ذلك الحيّز المضاد للمؤسسة، فتعلّم فيه الخطف والسرقة والإدمان، وبما أن العنف يستلزم لغة العنف فكلّ مفرداته نسقا قاتما لا يجيد غيره. 

اقرأ أيضًا:

 


**باحث تونسي في علم الاجتماع، ورئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع
adam@iolteam.com

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع