 |
 |
|
أحد الأطفال يوضح أثر حقن المخدرات على ذراعه |
ألقتهم النزاعات القبلية والظروف المعيشية الصعبة
إلى الأرصفة وجنبات الطرقات بعد أن فقد أغلبهم آباءهم وأمهاتهم خلال الحروب الأهلية.. ينتمون إلى الأسر المشردة التي تعيش في معسكرات اللاجئين في العاصمة ونواحيها.. إنهم أطفال الشوارع في الصومال.
يبلغ عدد أطفال الشوارع في الصومال 17515 طفلا موزعين على جميع المحافظات الصومالية، وفقا لآخر إحصائية أجرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف". يتخذ بعض هؤلاء الأطفال من الشوارع مأوى ومرقدا لهم، في حين يقضي البعض الآخر يومه في الشارع ويأوي إلى منزله ليلا.
العاصمة الصومالية مقديشو وحدها تضم 1500 من الأطفال ممن يتسكعون في الشوارع بعد أن تشردوا وتركوا منازلهم لأسباب مختلفة، كما يبلغ عدد الأطفال الذين يقضون نهارهم في الشوارع والممتهنين بمهن بسيطة 5 آلاف في العاصمة.
حياة قاسية
يواجه أطفال الشوارع في الصومال مشاكل عديدة؛ فالحياة في الشارع ليست سهلة، خاصة في البلدان التي تشهد النزاعات والحروب الداخلية. "أويس علي" (18 عاما) يعيش في أحد شوارع العاصمة ويقضي سنته السادسة في حياة التسكع، يروي لنا قصة انضمامه إلى الشارع، ويقول: "بعد أن توفيت أمي غرقا في السواحل اليمنية في أثناء بحثها عن العمل في السعودية واجهت أسرتي مشاكل كثيرة، خاصة بعد أن ذهب أبي إلى مدينة بوصاصوا شمال شرق الصومال بحثا عن العمل أيضا، قررت أنا مفارقة إخوتي الذين كانوا يعيشون في مدينة أفجوي 30 كم جنوب غرب مقديشو، واخترت العاصمة مقديشو لأعيش في شوارعها".
ويذكر "أويس" أن العيش في الشارع ليس سهلا ويحتاج إلى صلابة، ويعتبر أن الحصول على لقمة العيش من أهم المشكلات اليومية التي تواجهه، والتي تكتسب أحيانا بطرق غير شرعية، منها السرقة والنهب.
وغير بعيد عن "أويس" هناك طفل آخر يجهش بالبكاء، ويدعى "تاجر محمد" (16 عاما)، سألته ما الذي يبكيه، فأجاب -والدموع تذرف من عينيه- أن رجلا أكبر منه ضربه دون ذنب، مشيرا إلى أنه كثيرا ما يتعرض لمثل هذه الضربات من قبل الناس.
"تاجر" ترك أسرته بعد وفاة أمه بسبب مرض "الملاريا" في مدينة "مركا" وانتقال أبيه إلى العاصمة، وبدأ "تاجر" حياته في الشوارع وهو ابن 8 سنوات.
ويبحث "تاجر" عن لقمة عيشه من خلال تنظيف المحال التجارية وإبعاد القمامة عنها، كما يعمل في التقاط عوائد نبات القات ويعرضها للبيع لمتعاطي القات الفقراء، غير أنه -وكما يقول- لا يسلم من إيذاء أفراد المجتمع الذين يضربونه بمجرد الشك في تصرفاته.
مسح الأحذية
 |
 |
|
حياة الشارع ليست سهلة في بلدان النزاعات والحروب الداخلية |
وبعكس من يتخذون الأرصفة والشوارع مأوى ومرقدا لهم، هناك عدد كبير من الأطفال يقضون نهارهم في الشارع، ليأووا إلى دارهم مع أسرتهم بعد حلول سواد الليل.
"عليوا عبدلي" (16 عاما) و"عبد الولي عبدلي" (10 أعوام) شقيقان يعيشان في أحد معسكرات المشردين في مقديشو، يقول "عليوا" إنه يمسح الأحذية ويغسل السيارات منذ 6 سنوات ليساعد أباه الذي يعمل حمالا؛ لكي يحصل على مصروف الأسرة، فهو يعمل طوال يومه في هذه المهنة عدا ساعة واحدة يتعلم فيها القراءة والكتابة، حيث يتلقى هو وأخوه تعليما مجانيا من قبل مكتب رابطة إفريقيا لحماية الأطفال في الصومال.
أما "عبد الولى" فيقول: "أعمل ماسحا للأحذية منذ دخول القوات الإثيوبية إلى العاصمة، وعلى الرغم من حبي لمهنة تنظيف السيارات حتى أزيد من دخلي اليومي فإن سني لا تسمح لعمل ذلك فاكتفيت بمسح الأحذية".
"آدم إبراهيم" (10 سنوات) يعمل هو الآخر في مسح الأحذية، بدأ العمل بها وسنه 6 سنوات لمساعدة أسرته بعد أن فقد أباه في الصغر، لكنه أصابه الشلل في أثناء عمله؛ فأصبح لا يستطيع العمل كثيرا في ظل احتياج العمل إلى قوة وسرعة؛ فماسحو الأحذية يتسارعون إلى جلب الأحذية من الرجال. إلا أنه فضل البقاء جالسا ليمسح أحذية من يأتيه. ورغم أن حالته الصحية متدهورة فإن العمل أصبح همه الوحيد حتى يستطيع بقية إخوته الصغار العمل.
مشاكل مزدوجة
 |
 |
|
زمزم عبد الله رئيسة مكتب رابطة إفريقيا لحماية ووقاية الأطفال من الضياع والاعتداء في الصومال |
يعاني هؤلاء الأطفال من مشاكل عديدة من داخل المجتمع الذي يعيشون معه، تلخصها لنا الناشطة الحقوقية الصومالية "زمزم عبد الله" -رئيسة مكتب رابطة إفريقيا لحماية ووقاية الأطفال من الضياع والاعتداء في الصومال- فتقول: إنهم يعانون معاملة المجتمع القاسية، حيث يبدو هؤلاء الصغار للمجتمع بأنهم لصوص وسارقون صغار، ويعذبون أحيانا دون ارتكاب ذنب بسب الشك فيهم، حيث يتعرضون لتعذيب بدني من قبل البعض.. كما أن بعضهم يسقط ضحية الاشتباكات المسلحة التي غالبا ما تندلع في الشوارع، خاصة في ساعات الليل حيث يرقدون في أرصفة الشوراع، كما أن حراس المحال التجارية يطردونهم من أمام محالهم التي يرونها آمنة.
كما أن -حسب السيدة "زمزم"- هطول الأمطار تمثل بالنسبة لأطفال الشوارع مشكلة، حيث تتحول الأرصفة التي ينامون فيها إلى مستنقعات تتجمع فيها مياه الأمطار؛ وهو ما يساهم في نشر بعض الأمراض كالأوبئة والكوليرا والإسهال والملاريا.
المشاجرات الداخلية التي تنشب بينهم تمثل مأساة أخرى يقاسيها هؤلاء الصغار كما تقول الناشطة الحقوقية "زمزم" التي تضيف: "يستخدم بعضهم السكاكين والأدوات الحادة عند المشاجرات؛ وهو ما يوقع ضحايا في صفوفهم".
وتضيف: هؤلاء يعيشون مجموعات بحيث تحارب كل مجموعة الأخرى، والصغار منهم أكثرهم تضررا من تلك النزاعات، ذلك أن الكبار دائما ما يأخذون بالقوة ما كسبه الصغار في نهارهم، وإذا رفضوا يضربونهم ويأخذون ما عندهم بالقوة.
الجهات المعنية
 |
 |
|
يبلغ عدد أطفال الشوارع في الصومال
17515 |
على الرغم من ازدياد عدد أطفال الشوارع في الصومال، فإن عدد الجهات المعنية بالأطفال ليست كثيرة؛ فتعتبر "دار الهدى" أول جهة اهتمت بأطفال الشوارع، فاستقبلت عددا كبيرا من الأطفال، وقسما كبيرا من المجانين الذين يعيشون في الشوارع وأهلتهم نفسيا، غير أن هذا المشروع -كما يقول منتقدوه- لم يحظ باهتمام المجتمع بعد أن سمح مسئول المشروع للأطفال والمجانين الذين تعافوا بالتسول نهارا والعودة ليلا، بدلا من خلق فرص عمل لهم، ولا يزال هؤلاء يتسولون في شوارع العاصمة،
ويستدرون عواطف الناس بأنهم كانوا أطفال الشوارع.
أما مكتب رابطة إفريقيا لحماية ووقاية الأطفال من الضياع والاعتداء في مقديشو فيقوم هو بتقديم تعليم مجاني للأطفال، خاصة ماسحي الأحذية، وتقول زمزم عبد الله رئيسة المكتب، إنهم يستوعبون الأطفال فيبحثون عن الأطفال الذين لا يعملون، ويوزعون عليهم أدوات مسح الأحذية كأهم فرصة عمل متوفرة عندهم. كما يقدم المكتب تعليما مجانيا لهم مدة ساعة في اليوم؛ حيث إن الأمية تنتشر في أوساط أطفال الشوارع.
أما هيئة أرغتي للتنمية والإغاثة التي مقرها مقديشو فتعد من الجهات التي تهتم بالأطفال المشردين، ويقول "محمد أحمد إبتدون" مسئول الهيئة إنهم جعلوا أولويات عملهم للعناية بأطفال الأسر المشردة المنتشرين في البلاد، ويرى أن ضياع هذا العدد من الأطفال مشكلة اجتماعية يجب على الهيئات الخيرية معالجتها في ظل ازدياد عدد الأطفال المشردين بسب النزاعات القبلية.
وأخيرا.. فإن المشاكل والمعاناة التي يقاسيها أطفال الشوارع في الصومال ليست سهلة ولا يمكن علاجها بمجرد تقديم ملابس العيد أو شراء أدوات عمل، بل تتطلب قيام جهات معنية تدرس بجدية مشاكلهم، ثم تقدم العلاج المناسب لها.
اقرأ
أيضًا:
|