بريدك الالكتروني


English

 

آخر تحديث: 08:00(غرينتش)، 11:00(مكة) االإثنين 25 جمادى الأولى 1428هـ - 11/06/2007م

تيتو

»

أطفال الشوارع

»

حواء وآدم

»

ملفات وصفحات خاصة

رمضان التوربيني*

د. أيمن محمد الجندي**

فوق القطار وبين الحقول.. يفترس التوربيني ضحاياة من الأطفال ..

رمضان التوربيني، اسم سيعلق طويلا في ذاكرة الأمة المصرية الملساء التي تتميَّز بسرعة الانفعال وجيشان الغضب، ثم النسيان التام توطئة لغضب جديد.. (بصقة) في وجه الوطن لم -ولن- يوجد منديل أبيض على ظهر الأرض ليمسحها، أو ماء طهور يزيل نجاستها.

ستظل الصحف المصرية تكتب طويلا عن الرجل الذي اعتاد ممارسة جرائمه فوق سطح القطار التوربيني الفاخر، وعن تفاصيل تلك الجرائم التي تخطت السقف المعهود لعالم الجريمة المصري مهما بلغت شناعتها.. عن عالم أطفال الشوارع بكل ما فيه من قسوة وجريمة وإدانة لوطن يأكل لحم صغاره.

وما بين قلب القطار الدافئ وسطحه المعدني الدامي -الأملس كذاكرة الأمة- تدور أحداث هذه القصة.

القطار الأحمر الأنيق

كان القطار التوربيني على وشك التحرك من محطة السكة الحديد بالقاهرة، وبرغم الشكوى المتكررة من كثرة أعطال القطارات، وارتباك مواعيد القيام والوصول في الآونة الأخيرة فإن القطار التوربيني كان استثناء وحده بعرباته الأنيقة ذات اللون الأرستقراطي الأحمر، والسلم الصغير المفروش بالسجاد زاهي اللون.

الداخل لا يقل فخامة عن الخارج بمقاعده الوثيرة المتسعة، والمسند المعدني لإراحة القدمين، بمصباح القراءة فوقك، بالرائحة اللطيفة المنعشة، بزجاج النوافذ المغسول بعناية.. والرسوم الفرعونية التي تزين جدران القطار، وحتى الحمام كان شبيها في نظافته بحمامات الفنادق الكبرى ذات الخمس نجوم.

طاقم القطار مختار بعناية، جو عام من الهدوء والاحتشام يصافحك بمجرد دخولك عربات الدرجة الأولى، حتى طريقة طلب التذاكر من رئيس القطار مهذبة وهامسة.. وتناسب نوعية ركاب هذا القطار بملامحهم الناعمة المغلفة بالعزلة والكبرياء، وقدر كبير من التحفظ.. ثياب المسافرين مختلفة في الذوق والنوعية برغم بساطتها.. نادرا ما تشاهد من يرتدي بذلة كاملة في هذا القطار، ولكن ثق أن ثمن الحذاء أغلى من بذلة؛ لأنها ببساطة ماركة شهيرة..

الغالبية تطالع كتبا إنجليزية أنيقة، والبعض يستمع للموسيقى الخفيفة من خلال جهاز صغير مثبت للأذن بإحكام.. وآخرون يتطلعون للريف المصري الساحر.. مساحات شاسعة من اللون الأخضر على مد البصر.. ومن خلف النافذة الموصدة بإحكام يتسرب نهيق حمار يحتجّ على شيء فتجاوبه جاموسة سمراء بشكوى مماثلة.. وعند آخر الأفق فلاحة تنحني على الأرض السمراء.. وظلال الأشجار المتعاقبة على زجاج النوافذ تشكل خلفية متناغمة مع جو الترف السائد في هذا القطار.

حياة خشنة

مشكلة (سيد العره) أنه ورث جينات وملامح خاله الذي لا يدري أحد أحي هو أم ميت؟.. وورث معهما نفسا متمردة وشخصية غير ناضجة.. وبرغم أنه كان مجرد طفل في الثانية عشرة فإن الكل -فيما عدا أمه- ضاقوا به، وكان هروبه من البيت وتشرده في الشارع مسألة وقت بعد تسربه من المدرسة ثم تعثُّره في المهن المختلفة التي التحق بها.

الحقيقة أن أباه كان يضربه بقسوة تتجاوز حد التأديب، كانت نفسه الأبيَّة –برغم جسده النحيل– تستفز أباه الذي لم يكن أكثر من أب بيولوجي، حتى تتدخل الأم وتختطفه في أحضانها، وقتها فقط كان يبكي.

والأب الذي يغادر مسكنه في الصباح الباكر؛ ليعود إليه شبه مخمور في منتصف الليل لم تكن لديه أية سعة نفسية لاحتواء الغلام أو ترويضه بطريقة غير الضرب.. أضف إلى هذا أن ملامح الغلام كانت تذكره بملامح الخال الذي يمقته.

في مثل هذه الظروف لم يكن عجيبا أن تبدو حياة الشوارع المنطلقة لسيد تجربة تستحق أن يخوضها، خصوصا أن أي وضع قادم لن يكون أسوأ مما هو فيه بالفعل.

وبالفعل تأقلم سيد مع حياته الجديدة الخشنة بسرعة تتناسب مع جيناته الموروثة.. حياة حافلة حقا.. تسول، سرقة، نشل، شروع في قتل، ممارسة الشذوذ، إدمان كُلة، برشام، تدخين بانجو، وإذا وجدوا (هو ومن معه) من يسير وحده فلا مانع من إشهار المطاوي في وجهه.. الشرطة لم تكن تعني شيئا في عالمهم الموحش المنفرد في الأنفاق وتحت الكباري والسراديب والمراحيض والأماكن المهجورة التي اعتادوا التجمع فيها في الأمسيات الطويلة.

رفاقه كانوا مثله وربما أسوأ، هذا الذي مات والداه فلم يعد له مأوى غير الشارع، ولا رزق سوى التسول، وذاك الذي طلق أبوه أمه وتزوج كلاهما فلم يعد له مكان هنا أو هناك.

برغم ذلك فلم يفكر قط في العودة لبيته، وفي كل الأحوال كان واثقا أن أباه سيطرده.. كل ما هنالك أن وجه أمه كان يلوح له أحيانا فيتجلَّد ويكتم دمعه.

الصبي والبلطجي

في تلك اللحظة بالذات كان رمضان التوربيني يمشي فوق مملكته الخاصة التي يعرف كل شبر فيها، سطح القطار التوربيني ومعه ضحيته القادمة.. وفي الوقت الذي كان فيه القطار يخترق الكتلة السكنية للقاهرة مضى رمضان يستعيد ذكرياته المريرة حينما كان في الثانية عشرة من عمره، واحد من أطفال الشوارع لكنه لم يكن يحترف التسول بل يعمل في إحدى مقاهي السكة الحديد.. كانت الأمور لا بأس بها على الإطلاق حتى ظهر "عبده توربيني" في حياته.. بطريقه ما استطاع هذا البلطجي إقناعه بإقراضه تلك الجنيهات الألف التي هي حصيلة عمله لعدة شهور كان ينام ويأكل ككلب ويعمل كثور.. ألف جنيه كاملة اقترضها الوغد على وعد بردها بعد أيام لكنه لم يفعل، وظل رمضان يحترق بالغل والحقد وقلة الحيلة.

شهور ثقيلة مرت والبلطجي يماطله في رد نقوده، حتى جاء ذلك اليوم الأسود في حياته.. لا يعرف رمضان كيف استدرجه –وهو الحذر- إلى سطح القطار التوربيني لقضاء نزهة ممتعة في الإسكندرية.. وحينما غادر القطار الكتلة السكنية للقاهرة، وانطلق وسط الحقول الخضراء بلا شهود جثم عليه بجسده الضخم دون تمهيد، وراح يخلع ثيابه عنوة، صرخ رمضان حتى بُح صوته وقاوم ما وسعته المقاومة لكن النهاية كانت محسومة خصوصا والقطار يسير بسرعته القصوى، وأي حركة زائدة تعني الموت المحقق.. أدرك وقتها لماذا أصر عبده على جلوسهما فوق عربة التكييف ذات السقف المنخفض التي تتيح له عزلة شبه كاملة.. هناك حدثت الواقعة وهتك عرضه.

لم تكن الرغبة تحركه بقدر رغبته في إذلاله ليكف –للأبد- عن المطالبة بماله.. وبعد أن فرغ من شهوته وصار رمضان بين يديه خرقة بالية استنفدت القدرة على المقاومة، ألقاه من سطح القطار المندفع ليسقط على قطعة حديد بارزة مزقت وجهه.. لم يمت رمضان بمعجزة، ولكنه ظل غائبا عن الوعي غارقا في دمائه على شريط السكة الحديد حتى تصادف مرور البعض، فنقلوه للمستشفى ليمكث هناك شهرا كاملا، وحينما غادره آخر الأمر بوجه مشوه وقلب موصد كان قد تغير للأبد.

ساعة أو أكثر مرت منذ تحرك القطار التوربيني.. إحدى السائحات تكوَّرت على نفسها وغطت في نوم عميق دون أن تبالي بحجب لحمها الأبيض عن عيون المسافرين.. صديقتها كانت تدرس الخريطة باهتمام وتدوِّن ملاحظات في مفكرة صغيرة تحملها.. سيدة في منتصف العمر أخرجت علبة زينتها، وراحت تضيف لمسات رقيقة مرتجلة.. وهمس رجل رياضي التكوين في هاتفه المحمول مبتسما وعيناه تلمعان بما يوحي بأنه يحدث امرأة.. ومرت المضيفة ذات التنورة القصيرة، وهي تدفع عربة الكافتيريا أمامها محملة بالنسكافيه والوجبات الخفيفة.. وأحدثت المشروبات بعض الانتعاش في ركاب القطار وجرت أحاديث جانبية هامسة بين بعض الركاب.. بينما راح القطار التوربيني يطلق النفير لتوسع له القطارات الأخرى الطريق كما جرت العادة على ذلك ليصل الإسكندرية في حوالي ساعتين.

رحلة لا تنسى

لا يذكر سيد متى سمع باسم رمضان التوربيني لأول مرة؟ الاسم المخيف الذي يردده الرفاق في رهبة وكأنه شيطان رجيم، وليس مجرد زعيم مرهوب قادر على الحماية قدرته على الإيذاء.. كان هناك جو عام من الخوف الغامض والتطير والصمت المريب عند ذكر الاسم، حاول -بدافع الفضول- معرفة التفاصيل إلا أن أحدا من رفاقه لم يكن على استعداد أن يتكلم.

هذا الصباح كان يتسول في محطة السكة الحديد حينما لاحظ أن أحدهم يرمقه بحدة، حاول تجاهله لكنه وجد نفسه منجذبا بقوة غامضة نحوه، وسرعان ما أدرك أنه يقف أمام الزعيم المرهوب صاحب الاسم المخيف، رمضان التوربيني. استولى الخوف على قلبه لكن الزعيم عامله بلطف غير متوقع مشوب بسيادة غير محدودة، حتى ملامحه المشوهة لم تثر تقززه بقدر ما أعطته إيحاء بالقوة والخشونة المحببة.. لا ينكر أنه شعر بالزهو حينما تبسط معه ووضع كفه الضخمة على كتفه، وخاطبه برقة.. ثم دعاه لنزهة لن ينساها -هكذا وعده- في الإسكندرية التي لم يرها من قبل أبدا.. وحينما صعد رمضان التوربيني بجسم الثور الذي يملكه، ومد يده ليعاونه على الصعود شعر وكأنه يمتلك العالم بأسره.

بالنسبة لرمضان كانت لحظة الحقيقة تقترب.. الولد كان سعيدا بشكل أحمق لكنه لم يشعر بأدنى شفقه عليه.. حينما خرج من المستشفى كان همه الأكبر العثور على عبده توربيني؛ لينتقم منه لكنه للأسف وجده في السجن.. مرت الأيام مسرعة ومنحته قامة طويلة وعضلات قوية، وتغيَّر مظهره كثيرا جدا عن الصبي الذي استطاع البلطجي إلقاءه من سطح القطار.. وسرعان ما كون عصابته الخاصة من أطفال الشوارع.

الحقد كان يملأ قلبه والرحمة لا وجود لها في قاموس حياته.. استطاع تكوين عصابة من أطفال الشوارع يسرقون ويتسولون ثم يسلبهم حصيلة جهدهم.. الحقيقة أن الوسيلة التي أحكم بها سيطرته عليهم كانت شنيعة.. عدد قتلاه يفوق الحصر، وكان يجبر بقية المتسولين على مشاركته في الاعتداء على الضحية قبل قتلها ليضمن صمتهم.. وتنوعت أساليبه الشنيعة بين التعذيب وإلقاء الجثة في صهريج المازوت أو دفنها حية أو إسقاطها في بالوعة مجاري أو قتلها في سرداب.. خياله الخصب كان يمده بالمزيد، خصوصا أنها لم تكتشف.. مرت جرائمه دون تدقيق فلم يكن هناك من يفتقد الضحايا، وحينما تجد الشرطة جثة ممزقة على قضبان السكة الحديد، فما أسهل أن يقيدوا الجريمة أنها حادث سير.

هذه التفاصيل لم يكن يعلمها سيد بالطبع وإلا لفضل الموت على ركوب القطار.. كان سعيدا بنزهة قريبة وصداقة جديدة اصطفاه بها الزعيم المرهوب الذي عطف عليه وقربه إليه.

فوق وتحت

كان القطار يمرق مثل سهم أحمر ملون يتلوَّى بين الحقول الخضراء، وأشجار الصفصاف والتوت العتيقة تدلت أغصانها لتلثم النيل المتدفق هنا وهناك.. وعصافير تطير محاولة اللحاق بالقطار في جمال كوني آسر، وشاع دفء محبب ورائحة عطرية خفيفة انتعشت لها نفوس المسافرين.

في نفس اللحظة، وفوق سطح عربة التكييف كان رمضان التوربيني يكشف عن وجهه الآخر.. لحظتها فهم الصبي سر تودده المريب معه.. بدون أي مقدمات جثم عليه بجسده الذي يشبه جسد ثور قوي.. أجبره على خلع ملابسه، ظل يتوسل إليه ويحاول تقبيل قدمه ويده محاذرا في الوقت نفسه أن يسقط.. لكن رمضان كان يحفظ توازنه ببراعة تستحق الإعجاب.. وبينما كان يغتصبه عنوة وسط صراخه المتدفق كان يعلم ما يجب فعله.. القطار القادم من الناحية الأخرى سيأتي بعد دقائق ولا بد له من إنهاء مهمته بسرعة.. لقد أخطأ مغتصبه السابق عبده التوربيني حينما ألقاه على قضبان السكة الحديدية فكتبت له الحياة، أما هو -رمضان التوربيني- فيتعلم من أخطاء السابقين ولا يكررها.. لذلك في اللحظة التي صار فيها تقابل القطارين وشيكا ألقى الصبي أمام الوحش المعدني الهادر بعجلاته المقعقعة، لقد وعده بنزهة لن ينساها وقد اعتاد أن يفي بوعوده.

وكان آخر ما رآه الغلام -قبل أن يدهمه القطار- هو وجه أمه تختطفه في أحضانها بسرعة؛ لذلك لم يشعر بشيء!.

توقف القطار أمام محطة سيدي جابر، وانتظم الركاب في طابور صامت طويل بينما آثرت بعض السيدات المتقدمات في السن الانتظار في مقاعدهن حتى يخلو القطار تماما.. بسرعة تم وضع السلم المعدني المفروش بالسجاد الزاهي الأنيق أمام أقدام الهابطين.. وعلى باب القطار وقف رئيس القطار يحيي الركاب في أدب.. على رصيف المحطة كان هناك الأهل والأحباب، وبعض القبلات السريعة المتبادلة قبل أن يذهبوا للسيارات الفارهة المنتظرة.. وبعد دقائق من التوقف تحرك القطار إلى وجهته الأخيرة "محطة مصر" بركاب قليلين ليستعد لرحلة العودة إلى القاهرة بعد ساعات قليلة.

حقا.. يا لها من رحلة جميلة ممتعة!!.

اقرأ أيضًا:


** طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، للاستفسار والتعليق يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net .

 * إلى متابعي مقالات د. أيمن الجندي، انتظرونا كل أحد وأربعاء على صفحات حواء وآدم.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع