 |
 |
|
التسول مصدر توفير الغذاء اليومي
له |
يسير
مامادو "10 سنوات"
حافي القدمين متجولا بين
الأزقة والحارات وعلى
جنبات طرق العاصمة
الموريتانية نواكشوط،
وعلى حافة شارع "جمال
عبد الناصر" أشهر شوارع
العاصمة يمضي الطفل أوقات
الظهيرة، حيث يلعب مع
أقرانه ويتندر على
المارِّين والراكبين في
رحلة البحث عن لقمة العيش،
قصة هذا الولد التائه تعكس
جانبا مهما من الظاهرة
التي تسللت إلى المجتمع
الموريتاني في السنوات
الأخيرة.
"أطفال
الشوارع" حقيقة أفرزتها
مجموعة من العوامل
الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية، وتعتبر ظاهرة
جديدة على المجتمع
الموريتاني، "مامادو"
ليس سوى وجه من هذه
المعاناة.. يستيقظ من نومه
فجر كل يوم حيث يسكن عند
عمته -إذ مات الوالد-
وتزوجت الأم برجل آخر، ولم
يجد من يؤويه غير عمته
التي لا تجد حرجا من أن
تعترف بأنها لا تستطيع
إعالته؛ لأن ظروفها
الاقتصادية لا تسمح بذلك.
يحمل "مامادو"
كيسا ويخرج مع مجموعة من
الأطفال المشردين لكسب
قوته من خلال طلب المساعدة
من المحسنين، أحيانا يضطر
إلى النوم تحت خباء على
قارعة الطريق متزودا من
الصدقات التي جمعها في
بياض النهار ليكون على
مقربة من مكان العمل -هكذا
يقول "مامادو"- وحوله
شلة من أترابه يتقاسمون
الصدقات التي تكون تارة
مواد غذائية وأحيانا تكون
نقودا، وربما يتشاجر
الصغار فيتسبب العراك في
جروح وكدمات، وقد يستدعي
ذلك تدخل الشرطة لفك
الاشتباك وربما لأخذ
الجاني والمجني عليه
للتحقيق في أقسام الشرطة.
"المودات"..
 |
 |
|
يخرجون صباحا مصحوبين بعلبة يخزنون فيها الصدقات غير النقدية |
"المودي"
كلمة "بولارية" وهي
لغة محلية لقبائل زنجية
موريتانية وتعني طالب
العلم، وهي تطلق على أطفال
الشوارع في موريتانيا،
وترجع أسباب هذه الظاهرة
التي تتقاطع مع حالة
التشرد للأطفال الضائعين
إلى استغلال مدرسي القرآن
لهذه الشريحة لجمع المال
عبر التسول.
ويبدو أن
وزارة الصحة والشؤون
الاجتماعية بادرت مبكرا
إلى تشخيص هذه الظاهرة حيث
أشرفت على إنجاز دراسة عام
2001 شملت مدينة نواكشوط
وبعض المدن الداخلية التي
لوحظ حضور الظاهرة فيها
مثل كيهيدي وبوكي، وروصو
في جنوب البلاد ومحيطهم
الريفي الذي يشكل خزانا
لتصديرها، وقد غطت هذه
الدراسة 120 طفلا من "المودات"
تقل أعمارهم عن سن السادسة
عشرة و70 من آبائهم و25 من
شيوخهم الذين يدرسون لهم
القرآن الكريم.
وقد
توصلت الدراسة إلى أن
أعمار "المودات"
المتسولين تتراوح مابين 6
إلى 16 سنة وأن 90% منهم
يتكلمون البولارية، بينما
لا تعكس السمات العائلية
لذويهم أي مميزات تختلف
كثيرا عما هو شائع من سمات
الأسرة الموريتانية
المتوسطة، وكان الأبوان
يعيشان معا في حال ثلثي
المبحوثين، في حين لم يزد
عدد الأيتام على 5%.
وأما عن
ظروف آبائهم المهنية فان
37% منهم كانوا مزارعين و34%
يتوزعون على بعض أعمال
القطاع غير المصنف،
وانحصر الآباء المنعمون
منهم في نسبة 8% في حين كان
خمسهم دون دخل محدد أو
عاطلين عن العمل.
وتجربة
"المودات" في نظر بعض
الفئات التقليدية هي
تكوين يؤهل هؤلاء الأطفال
ليحتلوا مكانة مرموقة في
السلم الاجتماعي، برغم أن
الدوافع الاقتصادية قد لا
تكون غائبة تماما عن هذه
الظاهرة عندما يساعد
إرسال هؤلاء الأطفال
للمدارس القرآنية في
تخفيف أعباء الأسرة
الكبيرة، بينما قد يجني
الشيخ الذي يدرسهم من وراء
إرسالهم للعمل في الحقل،
أو جمع الصدقات في المدينة
مصدرا للدخل ربما أصبح
بوابة للثراء.
رحلة
تسول يومية
 |
 |
|
عليهم توفير مبلغ مائتي أوقية يوميا للشيخ وإلا تعرضوا للعقاب. |
يوقظ شيخ
"المودات" تلاميذه في
الصباح الباكر؛ ليبدءوا
باستظهار بعض آيات القرآن
الكريم، وعند الساعة
السابعة صباحا يلتحقون
بأماكن التسول في ملتقيات
الطرق والمساحات العمومية
مصحوبين بعلبة يخزنون
فيها الصدقات غير النقدية.
يعود
معظم "المودات" عند
منتصف النهار لقراءة
القرآن الكريم ليرجعوا
عند الظهيرة في طلب
الصدقات، وربما حتى وقت
متأخر من الليل، وكما صرح
لنا بعضهم فإن عليهم توفير
مبلغ مائتي أوقية (ما
يعادل يوميا للشيخ وإلا
تعرضوا للعقاب.
وتشير
دراسة وزارة الصحة
والشؤون الاجتماعية إلى
أن هذا المبلغ لم يكن يزيد
على 40 أوقية منذ أربع
سنوات، إلا أن المشايخ
رفعوا الإتاوة تبعا
لارتفاع الأسعار، خاصة أن
كثيرا من هؤلاء الأطفال لا
يتلقون مساعدات منتظمة من
ذويهم، اللهم إلا بعض
الثياب أو نقود قليلة وهذا
ما يجعل من التسول الهم
الأكبر الذي يطغى على تعلم
القرآن الكريم إلى درجة
يختفي معها الهدف الأصلي
أمام ضروريات العيش،
وخصوصا أن معظم "المودات"
الذين التقيناهم كانوا
يعتبرون التسول مصدر
توفير الغذاء اليومي لهم
إضافة إلى تحصيل الضريبة
اليومية التي يفرضها
عليهم الشيخ.
وقد
تطابقت ملاحظاتنا
الميدانية مع ما كشفت عنه
دراسة وزارة الصحة
والشؤون الاجتماعية من أن
المساكن التي يعيش فيها
الطلبة المتسولون هي
ملحقات بسكن الشيخ على شكل
بهو أو عريش، يدرس فيها
مابين 10 إلى 100 طالب تتراوح
أعمارهم مابين 4-18 سنة قلة
من بينهم بنات، يستخدمون
ألواحهم الخشبية والدواة
والقلم التقليدي.
وينام
معظم "المودات" في
بهو أو فناء مفتوح قرب
مسكن الشيخ على بساط عادي،
وقد كشفت الدراسة أن 15%
منهم فقط يتوفر له غطاء في
فترة الشتاء والبرد،
وجلهم لا يتوفر له ناموسية
حتى في قرى النهر التي
تحتلها الملاريا بشكل
دائم.
ونظرا
لاعتمادهم على التسول في
تحصيل غذائهم اليومي فان
44% من "المودات"
يتناولون ثلاث وجبات
يوميا، ومن هنا سجلت
الدراسة سوء التغذية
السائد لدى معظمهم، ولم
يخجل 11% منهم من التصريح
بأنهم يحصلون على غذائهم
من البحث في القمامات!!
وقد
انعكس هذا الوضع الغذائي
السيئ على صحة "المودات"
كما تشير نفس الدراسة، حيث
بدا 57% منهم يعانون من أحد
الأمراض، سواء أكان آلاما
في الرأس أو إسهالا أو حمى
وقد صرح 70% منهم أن شيوخهم
يتولون علاجهم لكن في
الحالات الظاهرة والشديدة
فقط!!.
مخاطر
جمة
 |
 |
|
عبد الرحمن ولد سيدي الأمين العام لمنظمة نحن الأطفال. |
اعترف
نصف الأطفال الذين قابلهم
الباحثون أنهم لم يأخذوا
حماما طيلة الأيام
الثلاثة الأخيرة، في حين
أكد 17% أنهم لا يفعلون ذلك
إلا شهريا وخصوصا أن
أغلبهم لا يتوفرون على
مادة الصابون!
ويؤدي
ترك "المودات" في
الشوارع دون رقابة إلى
مخاطر جمة؛ حيث أكدت
الدراسة نفسها أن 32% منهم
تعرضوا لاعتداءات، وأن 52%
يتضررون من المشاجرات
والصراعات التي يثيرها
اقتسام الصدقات فيما
بينهم، ولعل هذا ما يفسر
تعرض 16% منهم للإيقاف من
قبل الشرطة تحت طائلة
ارتكاب جنح وانحرافات
معينة، وخصوصا إذا علمنا
أن 91% من هؤلاء الصغار
أصبحوا من المدخنين.
"نحن
الأطفال"
عبد
الرحمن ولد سيدي الأمين
العام لمنظمة "نحن
الأطفال" غير الحكومية
يقول: إن المنظمة وضعت في
أولويات عملها إيواء
وتعليم أطفال الشوارع،
وإن أهم أهدافها هو حماية
شريحة الأطفال من الضياع
والاستغلال الجنسي، وتوجه
جل مجهوداتها إلى أطفال
الشوارع بالخصوص.. وقد
وفرت لهم مدرسة موسمية
يتلقون فيها دورات تدريس
لمحو الأمية في انتظار أن
تعمل على تسجيلهم في
المدارس العمومية.
وتحدث
ولد سيدي عن وجود صعوبات
تواجه عملهم، من بينها عدم
الحصول على الدعم
والتمويل الضروريين لمثل
هذه النشاطات، مشيرا إلى
اعتمادهم على قدرات ذاتية
محدودة، ومع ذلك فإن
المنظمة أجرت دراسات مهمة
في هذا المجال وقد توصلت
إلى أنه توجد فئتان
مستهدفتان من الأطفال،
هما فئة الأيتام والأطفال
المشردين بسبب ظروف
أسرية، وفئة أخرى لا يعاني
أصحابها من الفقر
بالضرورة ولكنها تحتاج
إلى محاربة عقليات في
المجتمع.
وتعمل
المنظمة على محاربة
الظاهرة على الجبهتين من
خلال توفير المأوى
والتعليم لهم وتوعية
أهالي الفئة الثانية
بخطورة ترك الأبناء فريسة
للشارع وما قد ينتج عن ذلك
من ضياع، ويدعو عبد الرحمن
عبر هذا المنبر إلى تكريس
الجهود بالنسبة للدولة
وللخيرين في العالم
لحماية طلبة القرآن من
الضياع داعيا ذوي النوايا
الحسنة في كل مكان إلى
التدخل العاجل للمساهمة
في محاربة هذه الظاهرة.
ويمكن
التواصل مع منظمة "نحن
الأطفال" عبر أي من
البريدين الإلكترونيين
التاليين:
enfants@yahoo.frnous les أو: watchely2003@yahoo.com
اقرأ
أيضًا:
|