English

 

آخر تحديث: 08:00(غرينتش)، 11:00(مكة) االإثنين 25 جمادى الأولى 1428هـ - 11/06/2007م

تيتو

»

أطفال الشوارع

»

حواء وآدم

»

ملفات وصفحات خاصة

في سوريا.. أطفال فقراء مبدعون

أحمد دعدوش**

الهروب إلى الشارع

على رصيف بارد في أحد أحياء دمشق الراقية والمكتظة بالمارة قد لا تأبه كثيرا بميزان "حسين" الذي يفترش كيسا من النايلون عارضا خدماته لتعريف المارة بأوزانهم مقابل خمس ليرات، خصوصا إذا علمت أن ميزانه هذا قد أضاف إلى وزني الحقيقي بضعة كيلوجرامات.

لم تتغلب قسوة الشارع بعد على براءة "حسين"؛ فمقابل قطعة من الشيوكولاتة يمكنه أن يحكي لك كيف أجبره والده على ترك المدرسة بعد انتهائه من الصف الثالث؛ ليستثمر طفولته بالجلوس على الرصيف من الساعة العاشرة صباحا وحتى الثامنة ليلا، ولا أظنك ستفاجأ عندما تسأله أين يفضل أن يكون في ذلك الوقت من الصباح الشتوي البارد، ليجيبك وهو يغالب دموعه: "في المدرسة"!.

عندما تنزل إلى الشارع لتبحث قضية كهذه؛ أنصحك عزيزي القارئ أن تطرح أولا كل ما تعرفه وتعلمته عن أصول التربية ومبادئ الإنسانية وراء ظهرك، فأنت لا تتعامل مع أطفال هنا بل أنت أمام كائنات أخرى تحتاج للتعامل معها إلى الكثير من اللامبالاة، وأما إذا أردت أن تكتب عنها فحسبك أن تنجو من الأرق.

المصطلح.. ثلاثة أصناف

يعد الفقر المسئول الأول عن تشرد هؤلاء الأطفال

يمتد مصطلح أطفال الشوارع ليشمل ثلاثة أصناف من الأطفال حسب تعريف الباحثة عزة خليل، وهم الذين يمارسون نشاطا ما خارج المنزل ثم يعودون للمبيت مع أسرهم ليلا كل يوم، أو يعودون أحيانا، أو أنهم لا يعودون على الإطلاق، إما لانفصال الوالدين أو فقدهم أو هجرهم لأطفالهم.

ويكاد الصنف الأخير أن يكون معدوما في سورية بينما تتفاقم مشكلة الأطفال المتسولين والعاملين في كافة المهن والذين تختلف الإحصاءات في تقدير أعدادهم، إذ تشير الباحثة السورية د.ناهد رمزي إلى أن نسبة الأطفال العاملين تصل إلى 5.12% من قوة العمل الإجمالية، بينما يشير بحث "البطالة والفقر في سورية" للدكتور نبيل مرزوق إلى نسبة 3% في المدينة مقابل 4،2% في الأرياف.

أما الدراسة التي أجرتها منظمة اليونيسيف عام 2004 بالتعاون مع منظمة الفاو والمكتب المركزي للإحصاء والتي غطت أكثر من 20000 أسرة فقد أظهرت أن الأطفال من عمر 10-11 سنة يساهمون بـ3,1% من قوة العمل، بينما تساهم فئة الأعمار ما بين 12-14 سنة بـ12,8%، وفئة 15-17 سنة بـ9،32 %.

ولأن القضاء الفعلي على ظاهرة عمالة الأطفال هدف غير واقعي فقد دفع ذلك منظمة العمل الدولية إلى وضع هدف أكثر واقعية دون هذا الهدف الطموح، وهو تحسين ظروف الأطفال العاملين، وذلك بعدم تشغيلهم في ظل شروط تسمح باستخدام مواد أو عمليات خطيرة، أو رفع أحمال ثقيلة، أو العمل تحت سطح الأرض، إضافة إلى التأكد من منحهم أجرا عادلا... الخ.

تسول الأطفال

التأهيل المهني يضمن لهم مسقبل أكثر استقرارا

تحث الكثير من الأسر السورية -حتى الميسورة منها- أطفالها على العمل، وخصوصا في أيام العطل المدرسية، ولا يعود ذلك فقط إلى حاجة الأسرة لدخل إضافي، بل يُنظر للأمر عادة على أنه تأهيل مهني يضمن للطفل مستقبلا أكثر أمنا.

وإذا كان ذلك مقبولا إلى حد ما فإن الإحصاءات السالف ذكرها لا تشمل الكثير من الأطفال الذين يعملون في مهن أقرب إلى التسول، كبيع بعض السلع التافهة عند إشارات المرور والمناطق المزدحمة.

مع ذلك فإن التمييز بين التسول وهذا النوع من العمالة يزداد صعوبة إذا علمنا أن الكثير من الأطفال يمتنعون عن قبول المال بدون مقابل، في دلالة على أن الفاقة وحدها هي التي دفعت أهلهم إلى تشغيلهم دون الحط من كرامتهم، في الوقت الذي يتخذ فيه آخرون من علب البسكويت والعلكة غطاء لتسولهم المزعج، بل إن الكثير من الأسر المهاجرة من الأرياف إلى المدن الكبرى تدفع أطفالها إلى امتهان التسول.

ويضاف إلى ذلك شكل آخر للتسول يكاد يكون شائعا في كل الدول، وهو "استئجار" أحدُ محترفي التسول بعضَ الأطفال من قبل أسرهم، حيث يقوم بتوزيعهم في مناطق محددة كل يوم؛ ليعود إلى جمعهم في المساء وقبض حد أدنى من المال يُفرض عليهم جمعه بشتى الوسائل.

وللوقوف على خط الوسط بين منع العمالة المطلق وبين امتهان كرامة الأطفال، يطرح الفنان دريد لحام في فيلمه الأخير "الآباء الصغار" القضيةَ للنقاش بقالب كوميدي ساخر؛ إذ يلجأ أطفاله الأربعة لمساعدته في اجتياز أزمته المالية بعد وفاة والدتهم، واضطراره للتفرغ بهدف استكمال دراسته الجامعية المتأخرة، عن طريق العمل الحر، وتظهر المفارقة عندما يسأل المحقق أحد هؤلاء الأطفال بعد القبض عليه: لماذا لا تبحث عن عمل شريف؟.. فيشير الطفل إلى أن اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر عمالة الأطفال لا تراعي ظروف الدول النامية، فيطلق المحقق سراح الصبي وهو يتساءل عن جدوى هذه الاتفاقية التي تحظر عمالة الأطفال بشتى أنواعها في الوقت الذي لا تتعرض فيه لجرائم التهريب.

وبالرغم من منطقية هذا الجواب الطريف فإن هزلية الفيلم تخفي الكثير من قسوة الشارع الحقيقي.

لماذا يتشرد الأطفال؟

يمتنع أطفال سوريا عن قبول المال دون مقابل

يعد الفقر المسئول الأول عن تشرد هؤلاء الأطفال، وإن كان ذلك لا يعني اضطرار جميع الفقراء إلى دفع أطفالهم للتشرد في الشوارع.

يرى الأستاذ (أ. م) المرشد النفسي في مدارس دمشق وريفها أن المشكلة لا تقتصر على الفقر والمشكلات العائلية فقط، فقد أدت سياسة ضم التعليم الإعدادي إلى الابتدائي ضمن ما يسمى بمرحلة التعليم الأساسي (الإلزامي) إلى المزيد من تسرب الأطفال خارج المدرسة بدلا من العكس، فنظرا إلى الازدحام الكبير في المدارس الابتدائية، يسارع المدرسون إلى تخريج أكبر عدد من الطلاب لتوفير مقاعد إضافية للوافدين الجدد، وإذا صادف ذلك ضعف تأهيل المدرسين في التعامل مع الأطفال فإن عددا كبيرا من الطلاب ينقلون إلى الصف السابع وهم لا يكادون يجيدون القراءة، مما يؤدي إلى صعوبة التعامل معهم، وقد يرتكب الكثير من المدرسين خطأ آخر بتخريجهم بأي وسيلة، تطبيقا للقانون الإلزامي، وتهربا من مسؤولية إعادة تأهيلهم.

هذا الوضع المربك للطفل ومدرسيه سرعان ما يدفع الطالب للهروب إلى الشارع، وبما أن القانون يمنع المدرس من اللجوء إلى الضرب -حتى لو كان تأديبيا- ولعجز إدارة المدرسة غالبا عن إقناع ولي الأمر بأخذ دوره في التربية والتأهيل، يكون العمل وكسب الرزق هو الحل الأفضل لجميع الأطراف!

برامج عملية

وللوقوف على دور الجمعيات الخيرية في سورية تجاه معاناة الأطفال حدثتنا السيدة رنا الجوخدار مديرة العلاقات العامة لجمعية قرى الأطفال  SOSالعربية السورية -وهي فرع من جمعية SOS العالمية- عن الجمعية فتقول: "تقوم الجمعية بقبول طلبات الانضمام التي يقدمها أقارب الأطفال الأيتام لدراستها والتحقق من حاجة أصحابها للرعاية، ثم ينقل الأطفال إلى منازل ضمن القرية تضم عدة أطفال تحت رعاية أم بديلة، إلى أن يبلغوا سن الثامنة عشرة لينتقلوا إلى بيوت الشباب والشابات التي تهيئهم للانضمام إلى المجتمع، كما تبادر الجمعية بالبحث عن المحتاجين، وتدعم بعض الأسر الفقيرة التي تجد صعوبة في رعاية أطفالها على أن يبقى الأطفال في كنف العائلة مع تقديم المساعدات الطبية والمادية والتعليمية والنفسية وغيرها.

ويبلغ عدد المستفيدين من نشاط الجمعية مائتي طفل داخل القرية في دمشق وحلب، بالإضافة إلى مائة طفل آخر يعيشون مع أسرهم، وتسعى الجمعية لمضاعفة هذا الرقم في العام الحالي.

أما على الجانب التوعوي فإن ثقافة حقوق الطفل ما زالت حديثة العهد في المجتمع السوري، ويُحسب لبعض المهتمين اتخاذهم مبادرة تأسيس جمعية أهلية لحماية الطفل والتي تعلن في نظامها الداخلي عن توليها مسؤولية نشر هذه الثقافة بكافة الوسائل إلى جانب العمل الخيري المعتاد، كما تعِد باستقبال شكاوى الأطفال الذين يتعرضون للاعتداءات على كافة أنواعها لمساندتهم.

المنظمات الدولية بدأت أيضا التحرك، فمن اليونيسيف حدثتنا السيدة سلمى كحالة عن الخطة الوطنية لحماية الطفل، والتي وضعت بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة؛ حيث تسعى الخطة في المستقبل القريب إلى تقديم خدماتها على الجانبين: القانوني الذي يدعم قانون حماية حقوق الطفل، والتوعوي الذي سيقوم بحملة إعلامية لنشر ثقافة حقوق الطفل، بالإضافة إلى تأمين خط ساخن لتلقي شكاوى الأطفال ضد الانتهاكات.

كما أشارت السيدة كحالة إلى عزم المنظمة على القيام قريبا بدراسة مسحية شاملة لظاهرة أطفال الشوارع في سورية بالتعاون مع بعض الجهات الحكومية.

أما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فقد أنشأت "معهد ابن رشد للأحداث" الذي خُصص لاحتواء الأطفال الذين يمتهنون التسول إلى جانب "دار تشغيل المتسولين والمشردين" المخصص لأمثالهم من البالغين.

ومن الجدير ذكره أن بعض المصادر تشكك في قدرة هذه المؤسسات على احتواء المشكلة فضلا عن حلها، خصوصا أن جانبا كبيرا من عملها تتم تغطيته من تبرعات المحسنين!

النصف الآخر من الكأس

الإعلامي ميسر سهيل

استنادا للإحصاءات الدقيقة تؤكد العديد من الدراسات على سوداوية مستقبل هؤلاء الأطفال المشردين، إذ يؤدي الإهمال الذي يتعرضون له إلى تشوه مفهوم الذات لديهم، ومن ثم انعدام الأمن، والشعور بالإحباط والفشل، وصولا إلى ميول العدوان والعنف، فضلا عن انعدام أو تشوه الميزان الأخلاقي.

ولكن لا أحد يمكنه إثبات حتمية هذه النتائج، فقد أخرجت لنا شوارع طنجة روائيا ناجحا لم يتعلم الكتابة إلا في سن الثامنة عشرة، وهو محمد شكري.

كما يمتلئ تاريخ العظماء بالكثير من القسوة، فقد عمل "كارل بوبر" نجارا قبل أن يقلب فلسفة العلم رأسًا على عقب، وانخرط "آلفن توفلر" في معامل سكب المعادن خمس سنوات قبل أن يصبح العرّاب الأول لثورة الإنفوميديا التي نعيشها اليوم.

أما في سورية، فيكاد الأطفال الفقراء يشكلون ظاهرة إبداعية ملفتة، وسأكتفي هنا بالاستشهاد بقصة طفل يتيم اضطر للعمل في البناء ليرعى جدته وأخويه وهو في المرحلة الإعدادية، ثم تدرج في الوظائف الحكومية في أثناء دراسته في مجال الإعلام؛ لينتقل إلى هيئة الإذاعة البريطانية في الثمانينيات، ثم يعين بقرار رئاسي خبيرا في التلفزيون السوري، دون أن تسلب هذه التجربة من الأستاذ "ميسر سهيل" ابتسامته المميزة، كلما أطل على جمهور الفضائية السورية عبر برنامجه المعروف "شاشة الصحافة".

اقرأ أيضًا:


** باحث في المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية بسوريا، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الالكتروني للصفحة: adam@iolteam.com

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع