|
لم
تكن الدولة العثمانية تعامل الكثير من
الرعايا الذين دخلوا تحت سيطرتها بعنف
أو ترغمهم على ترك دينهم، بل سمحت
لهؤلاء بممارسة عقائدهم بحرية كبيرة،
كما أن الدولة لم تعمل على نشر الدين
الإسلامي من خلال الدعوة في المناطق
التي فتحها إلا في فترات قليلة من
تاريخها، واكتفت بأخذ الجزية من البلاد
التي فتحتها وفي كثير في الأحيان تركت
السلطة للأمراء الأصليين من تلك البلاد
نظير أن يعترفوا بالسيادة العثمانية،
وعلى أن يؤدوا ما عليهم من التزامات
مالية.
ويرجع
البعض الموقف العثماني الشديد التسامح
مع الأقليات إلى تأثر العثمانيين بمذهب
أبي حنيفة -رضي الله عنه- الذي عالج
مسألة غير المسلمين بمنظور غاية في
الرحابة والتسامح، فرسالة أبي حنيفة
"العالم والمتعلم" تعبير واضح عن
هذا التوجه الذي يرتكز على فكرة أن دين
الله واحد وأن الشرائع مختلفة، وأن
للإسلام وظيفة توحيدية، فالله عز وجل
كما يقول أبو حنيفة: "إنما بعث رسوله
رحمة ليجمع به الفرقة، وليزيد الألفة،
ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرش الناس
بعضهم على بعض".
وبناء
على هذا التصور رأى بعض فقهاء الأحناف
أنه "إذا اتفق الآخرون مع المسلمين في
الأصل -وهو التوحيد- فإن اختلاف الشرائع
جزئية"، واجتهد فقهاء الأحناف لتوفير
عدد من الضمانات التي تكفل لمجتمعات غير
المسلمين الحفاظ على خصوصياتهم
واستقلاليتهم في مختلف أمورهم مثل جواز
تقليد الذمي منصب القضاء بين أهل الذمة،
وبوحي من هذه التعاليم شاع في الدولة
العثمانية منذ قيامها جو من السماحة،
وأشار إلى هذا المعنى المصلح الديني "مارتن
لوثر" في كتابه "النصح بالصلاة ضد
الأتراك" المنشور سنة (1541م) والذي حذر
فيه من أن فقراء أوربا الذين يعيشون تحت
اضطهاد الأمراء الإقطاعيين في أوربا
يفضلون العيش في ظل الأتراك بدلا من
المسيحيين.
وأكد
هذا المعنى الأكاديمي "وجيه كوثراني"
في بحثه "من نظام الملل إلى الدولة
المحدثة" حيث قال: إن "الدولة
العثمانية كانت تتيح في أوائل عهدها
استقلالية واسعة للعصبيات المحلية
وللملل الدينية، وكانت العلاقة تنحصر
بين هذه العصبيات والملل من جهة وبين
مركز الدولة من جهة ثانية في نطاق دفع
الضريبة التي تجبى عبر المشايخ
والأمراء والبطاركة المحليين"،
ويؤكد هذا المعنى الكونت "فان ون ستين"
وهو وزير بلجيكي عاش في إستانبول وأصدر
كتابا عام (1906م) قال فيه: "إن فرمانات
متتالية اعترفت بشتى البطاركة والزعماء
الدينيين، لا كسلطات دينية فحسب، بل
كسلطات مدنية"، ومن هذا الباب حدث
الاختراق الغربي للدولة العثمانية،
واستغلال الاعتراف العثماني بالملل غير
الإسلامية؛ ليصبح وجودا يرتكز إلى
مفهوم الأقلية القائمة على الحماية
الخارجية.
فالعثمانيون
أسسوا دولتهم على القوة العسكرية وروح
الجهاد، وظنوا أن قوتهم ستكون دائمة وهو
ما يعيق أي محاولة للثورات أو التمرد
عليهم، كما أن نهجهم في الفتوح -رغم
حماسهم للجهاد- لم يماثل الفاتحين العرب
الذين عملوا على نشر الإسلام والعربية
في البلاد التي دخلوها، حتى صارت تلك
البلاد وسكانها الأصليون هم الذين
يدافعون عن الإسلام وينشرون رسالته
مثلما حدث مع العرب في فتحهم لبلاد
المغرب وتعريبهم للبربر في وقت قصير،
حتى صار هؤلاء البربر هم حملة مشاعل
الإسلام إلى الأندلس، وكان في مقدمتهم
القائد الفذ "طارق بن زياد".
ويبدو
أن إصرار الأتراك في الاحتفاظ بلسانهم،
وعدم قدرة العرب في استيعاب الجنس
التركي وتغيير لسانه، وبث روح العربية
إلى جانب الإسلام في روحه، أعاق انتقال
منهج الفاتحين الأوائل من المسلمين إلى
الأتراك.
وقد
اتبع الأتراك سياسة في نشر الإسلام في
بعض المناطق التي فتحوها تقوم على نقل
الكثير من سكان الأناضول إلى تلك
المناطق كما حدث في فتح قبرص، إلا أن ذلك
لم يؤد إلى استقرار الإسلام في تلك
المناطق، بل كانت انتفاضات السكان
الأصليين على الحكم العثماني متكررة
حتى انتهى الأمر بانحسار الفتح
العثماني وروحه عن المناطق التي قضوا
فيها قرونا طوالا، وكان التراجع
العثماني أشبه بالسجادة التي يتم طيها
بعد تنظيفها تماما؛ ولذا لم يكن غريبا
أن يقال "لقد مر العثمانيون من هنا".
وما
يمكن أن يكون استثناء في هذا هو ما اتبعه
العثمانيون في البوسنة والهرسك حيث قاموا
على دعوة السكان الأصليين إلى الإسلام
وهو ما قاد إلى تجذر الإسلام في البوسنة
حتى وقتنا الحاضر.
|