آخر تحديث: الخميس 9 ذي الحجة 1430
Hajj 1430
 
 
       
مدونة حاج
   
   
       
 
 
إنها قصة حجي (4)
فتحي عبد الستار- 10/11/2009

ركبنا حافلة من مطار جدة لتقلنا إلى مكة المكرمة، وكلنا أمل في أن ندرك صلاة الجمعة في الحرم المكي. اشتعلت الحماسة والشوق في الركب، وارتفعت الأصوات بالتلبية، وعلى مشارف مكة توقفت الحافلة مع كثير من الحافلات المحملة بالحجاج لمراجعة الأوراق، فترجلنا من الحافلة، وشربنا ماء زمزم لأول مرة من مبردات كانت موجودة بالمكان.

مكثنا في هذه المحطة وقتًا طويلاً أفقدنا الأمل في اللحاق بصلاة الجمعة في الحرم، وبدأت ألاحظ على بعض رفقائي في الحافلة الضجر والملل، وخف حماسهم، وخفتت أصوات التلبية لتحل محلها عبارات التأفف والشكوى، خاصة من بعض النساء اللاتي كن يتفوهن ببعض العبارات التي تثير الحزن والضحك في آن واحد، حيث كنت أشعر وكأنهن خرجن لنزهة أو رحلة ترفيهية، لا لقضاء عبادة وفريضة .. إنه الحج السياحي!!.

أخذت أقاوم نفسي كثيرًا حتى لا أتأثر بهذا السلوك، وشعرت بالغربة وسط هؤلاء القوم، وحاولت مع بعض من تمسكوا برباطة جأشهم، ووفقهم الله للحفاظ على رصيد السكينة، أن أهدئ من روع المنزعجين والمتأففين والشاكين، فنعلي أصواتنا بالتلبية نستحثهم على متابعتنا، ونذكِّرهم بأن الحج جهاد، وأن الثواب على قدر المشقة، وأننا يجب ألا نسمح لشيء بتعكير صفو مشاعرنا، أو الانتقاص من أجورنا عند الله.

انتهت المراجعات والإجراءات أخيرًا، وانطلقت الحافلة من جديد إلى مكة، وأخذنا ندور حول هذا البلد الحرام كثيرًا لا نستطيع دخوله، حيث كانت الطرق كلها مغلقة بسبب الزحام الشديد في هذا الوقت، إنه يوم جمعة، وقبل وقفة عرفات بأربعة أيام، بما يعني أن هناك ما يربو عن مليوني شخص في هذا المكان الآن، غير الآلاف الذين يردون على المكان تباعًا ونحن منهم.

لم نجد بدًّا من التوقف قرب أحد المساجد الصغيرة على طريق مكة، لندرك صلاة الجمعة التي أيقنًّا استحالة إدراكها بالحرم، فنزلنا وتوضأنا، وصلينا الجمعة في هذا المسجد الصغير، ثم عاودنا الركوب مجددا، وعدنا لنلف وندور حول مكة نبحث عن منفذ مفتوح لدخولها.

أخذنا نقترب شيئًا فشيئًا، وقد أخذنا التعب والإرهاق، فخفتت الأصوات، ووهنت الحناجر، إلا من تلبيات تخرج على استحياء من حين لآخر، حتى لاحت لنا مآذن المسجد الحرام من بعيد.

أحيت مشاهدة مآذن الحرم عزيمتنا من جديد، وأيقظت لهيب أشواقنا، فرفعنا أصواتنا بالتلبية، وأخذت المسافات تقرب رويدًا رويدًا، وبدأت العيون تذرف دمع الشوق والحنين كلما تكشفت لها أجزاء من بيت الله الحرام، وكانت الأعناق تشرئب من نوافذ الحافلة بحثًا عن مشهد الحرم، وتدور معه حيث دار وحيث كان، حتى وصلنا إلى الفندق الذي سننزل فيه.

بدأت إجراءات التسكين سريعًا، ونزلت في غرفة رباعية مع سعيد وأشرف ووالد صديقهما المسن، وأخذنا نحث بعضنا على الانتهاء من تجديد الوضوء لنلحق بصلاة العصر في الحرم ومن ثم أداء العمرة.

كان العصر قد أذن بالفعل، ونزلنا من الفندق مسرعين، وكان قريبًا من الحرم، ولكن كانت خطوات الرجل المسن البطيئة تحكمنا وتقيدنا، فأقيمت الصلاة ونحن ما زلنا خارج الحرم، وقد امتلأت الساحات حوله بالمصلين حتى امتدت الصفوف المتصلة إلى مقدمات الشوارع المحيطة بالحرم، فصلينا العصر في الشارع، ثم توجهنا إلى باب الحرم.

كنت قد نويت وأنا أدرس المناسك أن أدخل من باب السلام المواجه لباب الكعبة، اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أعرف مكانه نظريًّا، ولكني حينما وجدت الحرم أمام عيني لأول مرة بعظمته واتساعه، مع تلك الجمع الغفيرة من حوله، أخذت هيبته بعقلي وذاكرتي، فوجدتني أسأل أحد الحراس على باب الملك فهد: "أين باب السلام؟"، فلما أخبرني الحارس أنه في الجهة المقابلة تمامًا للمكان الذي أنا فيه، وأنه بعيد وينبغي أن أمشي حول الحرم من الخارج مسافة طويلة لكي أصل له، غلبني الشوق لرؤية الكعبة، فتنازلت عن هذه السنة، لعلمي بجواز الدخول من أي باب، فدخلت من الباب الذي وجدته أمامي وأنا أحث الخطى مسرعًا وأنا أواجه في دخولي أمواجًا بشرية تسير عكسي متجهة إلى خارج المسجد بعد انتهاء الصلاة، وكنت أحاول بالكاد الحفاظ على تركيزي وعقلي، وأتذكر الأدعية المسنونة لدخول المسجد، ودعاء رؤية الكعبة، وأستحضر بعض الأدعية التي ادخرتها لهذه اللحظة الفارقة في حياة كل مؤمن.

لا زلت أذكر هذه اللحظة جيدًا، حين لاحت لي أستار الكعبة من بعيد، والرجفة التي أخذت قلبي، والقشعريرة التي سرت في جسدي كله، والدموع التي انهمرت من عيني، والفرحة التي لم أذق مثلها من قبل، أكاد لا أصدق ما أنا فيه.

ها هو الحلم يتحقق، هأنذا في بيت الله الحرام، أرى الكعبة بعينيَّ، اللتين أشعر أنهما عاجزتان عن استيعاب منظرها، ليت كان لي ساعتها ألف عين وعين!.

أخذتُ أردد الدعاء المأثور عند رؤية الكعبة، أطلب من الله عز وجل أن يزيد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرًّا، ودعوت الله عز وجل بعد ذلك بما فتح عليَّ من الأدعية، حتى وصلت إلى الصحن قبالة الحجر الأسود، فكشفت عن كتفي الأيمن استعدادًا للطواف.

 
 
   
شاركونا تجاربكم على بلوج الحج

http://hajjblog.islamonline.net/ar/

يمكنك إرسال مشاركاتك وآراءك عبر البريد الإلكتروني للصفحة 
hajj1430@iolteam.com
مساهمات الزائرين لا تخضع للتدقيق اللغوي
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع