 |
|
البابا شنودة |
لحيته كثبان من الرمال، وعمامته
قمة جبل متوحد في الصحراء.. تطل منه
مغارتان عميقتان، هكذا تبدو عيناه، وراء
كل هذا بقايا وجه أرقته الحوادث، يعلو
شخصية عانت من فرط الحضور وسخاء الظلام،
اختزل طيفه الواسع الفضاء القبطي الرحب
فتوارى بجانبه كل شيء؛ لأنه صار كل شيء،
الكنيسة والترنيمة، الحلم والرمز، يتهادى
ليلة الميلاد وسط هتافات الشباب القبطي ثم
يصعد درجات العرش البابوي في طقس شكسبيري
ثم يستدر، ويرسل نظراته التي تلهب العامة
الذين ينتظرون منه الكثير...
إنه الأنبا شنودة الذي توج
للجلوس على كرسي البابوية في الكاتدرائية
المرقسية الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر 1971،
وبذلك أصبح البابا رقم 117 في تاريخ
البطاركة. الرجل ذو إطلالات متعددة وأدوار
متباينة، والحديث عنه ليس مجرد سيرة
لبطريرك بقدر ما هي مسيرة لمؤسسة، وحكاية
لشعب.
اقرأ في الملف:
شجن اليتيم
ولد نظير جيد أو (الأنبا شنودة)
يوم 17 أغسطس سنه 1923م في قرية سلام مركز
أبنوب محافظة أسيوط، كان يوم مولده يوم
أحد، ويومها ماتت أمه فذاق طعم اليتم
مبكرًا، واختلط يوم مولده بالفرح والحزن،
وسرعان ما توفي والده، فرعاه أخوه الأكبر
"روفائيل" فكانت حياة قاسية على "نظير"
وصف فيها بيته بأنه "كان جافا وطعمه في
الحلق أكثر جفافا.. وعشت في وسط أكثر من سيئ..
لم أعرف معنى اللعب أو اللهو ولا الطفولة"،
وتجول به أخوه في عدة محافظات لظروف عمله
إلى أن استقر به في القاهرة، حيث واصل نظير
دراسته والتحق بمدرسة الإيمان الثانوية
بشبرا.
كان نظير مهموما بالتفوق حتى
يحصل على مجانية التعليم، وانعكس كل ذلك
على سلوكه فكان أكثر هدوءا وجدية وأميل
للقراءة، ونمت نزعته التوحدية، فاتسعت
الفجوة بينه وبين أقرانه بسبب اتساع أفقه
ومقدرته الفذة على الحفظ التي مكنته من
حفظ 10 آلاف بيت من الشعر العربي.
تأثر "نظير" بالسياسي
القبطي "مكرم عبيد"، لكنه لم يتأثر
بمقولة "مكرم" الشهيرة: "إن
الأقباط مسلمون وطنا مسيحيون دينا"،
كما ذكر في إحدى حواراته الصحفية.
المثير في بدايات "نظير" أنه
كان يتوقع -بسبب ولعه بالشعر والأدب- أن
يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية،
لكنه درس التاريخ؛ فانحاز للذاكرة والوعي
التاريخي على حساب موهبته وعشقه للأدب
العربي...
أنا من أكون؟
 |
|
البابا شنودة الثالث |
كان "نظير" يذهب وهو صبي مع
أخيه روفائيل يوم الأحد للصلاة وعندما كان
يصل للكنيسة ينفصل مع أقرانه في غرفة
أخرى، وبينما كان الكبار ينهمكون في
الصلوات داخل القاعة الرئيسية، كان نظير
ومعه الأطفال ينغمسون في دروس أخرى عن
الإنجيل وتاريخ الكنيسة والتراث القبطي؛
وهو ما رسخ عنده أنه بجانب الذات العامة
توجد ذات خاصة أو "أمة قبطية".
وفي تلك الفترة عرفت الكنيسة "مدارس
الأحد" التي أسسها "حبيب جرجس"
والتي كانت تستقطب الأطفال والشباب، حيث
نمت لديهم الإحساس بالهوية الخاصة،
والأهم من ذلك أنها جعلت هؤلاء الشباب
أكثر انتماء لها؛ وهو الأمر الذي أدى إلى
ظهور نمط تديني جديد وعاه ذلك الجيل.
كان رجال الدين في النمط القديم
أقل حظا في التعليم وفي التأثير، وكان
الفكر الديني لديهم محصورًا في جوانبه
النسكية الروحية، وأما الآراخنة (العلمانيون)
من الصفوات العليا فشغلوا موقع التوجيه
والوسيط بين الدولة والكنسية بحسبانهم
مصدر الحلول والمبادرات لكل ما يتعلق
بالشأن القبطي، ويقول عن تلك الفترة: "مر
وقت طويل لم تكن فيه رئاسة الكهنوت على صلة
كبيرة بالشعب، والذين يتولون الزعامة هم
العلمانيون في المجلس الملي، وكان وكيل
المجلس الملي يمثل زعامة شعبية للأقباط".
وأمام هذا الوضع كان أمام الجيل
الجديد من مدارس الأحد أحد خيارين: إما جذب
هذه الصفوات تحت سلطة الكنيسة، أو أن تخلق
الكنيسة صفواتها الدينية. وكان الخيار
الثاني هو الأقرب، لا سيما أن هذه النخب
كانت لها رؤاها في العمل الاجتماعي
والكنسي المبتعدة عن الدين.
الإصلاح الكنسي
كان يخدم في مدراس الأحد من عام
1939م، ثم أنشأ في عام 1940م فرعا لمدراس الأحد
في جمعية الإيمان بشبرا، ونظرًا لنشاطه
الكبير ضمه "حبيب جرجس" للجنة العليا
لمدارس الأحد، وهو ما ضاعف من نشاطه
الديني؛ فصار يجوب المحافظات واجتمع حوله
الشباب، وامتد نشاطه إلى الكتابة في "مجلة
مدارس الأحد" والتي ابتدأها بقصيدة "أبواب
الجحيم" وارتقى في سلم التحرير حتى أصبح
مسئولا عن تحريرها.
كان قلمه متدفقا وثابا يعبر عن
آمال الجيل الجديد وشكل كنيسة المستقبل
ومشاكل الشباب، وكتب في كافة نواحي الفقه
المسيحي والمجتمعي، وإصلاح الكنيسة،
وألَّف عددًا من القصائد الدينية التي
تحولت فيما بعد إلى تراتيل روحية يتغنى
بها الأقباط.
كان في فترة مسئوليته عن المجلة
يتردد على "دير السريان" في إحدى
المناطق النائية، يقضي فيه الأعياد
منهمكا في التعبد والتأمل، كان يلازمه
شعور بأنه مختلف وينتمي إلى جيل له رسالة،
ولذا تساءل كيف لحركة حبيب جرجس أن تكون في
صورة أكثر تأثيرًا؟.. هذه التساؤلات
والتأملات قادته إلى أن تجديد المسيحية
يبدأ من تجديد الرهبنة.
أكمل نظير دراسته في الكلية
الأكليركية (كلية دينية مسيحية) بعد تخرجه
في كلية الآداب 1947م، ثم التحق بالقوات
المسلحة وأصبح ضابطا في الجيش لفترة.
ثم بدأ في تنفيذ مشروعه الإصلاحي
الكنسي في تجديد المسيحية من مدخل
الرهبنة، فانطلق في 18-7-1954م إلى "دير
السريان"، وهناك رسم راهبا باسم "أنطونيوس
السرياني" وكان عمره آنذاك 31 عاما.
بدت رهبنة نظير ظاهرة مفاجئة
ولافتة بحسب ما يقول محمد حسنين هيكل، حيث
بدأت قوافل الشباب القبطي المثقف
التكنوقراط تحط رحالها في الأديرة، وكلهم
مجمعون على أن قوة الأقباط تبدأ من
الكنيسة التي تكمن قوتها في الأديرة.
والتساؤل: هل كانت رهبنة مجموعات
من الشباب القبطي المثقف محض مصادفة؟ أم
أن وراءها مشروعا يجسد آمال هذا الجيل
الجديد من الأقباط؟.
المثير في هذا الجيل الجديد أنهم
بعدما ترهبنوا وتوحدوا في الصحراء، عادوا
مرة أخرى للترشح في المناصب الكنسية،
والمفترض عادة أن سالك الرهبنة والتوحد في
الجبل يقاوم العودة مرة، والتساؤل هل تبدو
تلك الفترة هي مرحلة الإعداد لتبدأ مرحلة
الإصلاح؟ وهل وعى نظير هذه الفكرة وهذه
المراحل التي تشبه مراحل التربية
العقائدية الأولية، ثم تبدأ مراحل
التنفيذ المفارقة تلوح هنا بين صحراء
الوادي وضجيج ميدان العباسية.
صدام الأجيال
 |
|
أحد كتب البابا شنودة |
"الألكيريوس الآن على صلة
عميقة جدا بالشعب.. لم يعد البابا أو
الأسقف أو المطران يجلس على كرسيه ليمنح
البركة والصلاة إنما يعمل وسط الناس ويعظ
يتفقد ويهتم برغبات الناس".. تجسد تلك
المقولة لنظير الملمح العام والرئيس
لمشروعه الإصلاحي التجديدي داخل الكنيسة.
استلزم تنفيذ المشروع: تأسيس لاهوت
اجتماعي جديد يحقق خلاصا اجتماعيا عن طريق
الخلاص الروحي، والعبور للأرض من بوابة
السماء.
تجلت هذه الأفكار وهذا المشروع
في مقالاته في "مجلة مدارس الأحد"
التي كانت ملتهبة ومشتبكة وتؤصل إنجليا
للإصلاح، فتحدث -صراحة- عن ضرورة التغيير،
والشروط التي يجب توافرها في بطريرك
الأقباط.
كانت أفكار نظير -التي هي في
عمقها أفكار مدارس الأحد- لا بد أن تؤدي
إلى صدام داخل الكنيسة، وحدث الصدام بين
جيل مدارس الأحد والأجيال القديمة،
وتمثلت أحد أشكاله في الصدام مع "جماعة
الأمة القبطية" التي أسسها المحامي "إبراهيم
هلال" والتي رفعت شعارات "الإنجيل
دستورنا، والقبطية لغتنا، والموت في سبيل
المسيح أسمى أمانينا".
وأجبرت هذه الجماعة الأنبا "يوساب
الثاني" بعد اختطافه -من قبل جماعة
الأمة القبطية- على توقيع وثيقة تنازله عن
العرش البابوي، ووثيقة أخرى يأمر فيها
المجمع المقدس والمجلس الملي العام
للاجتماع لانتخابات بابوية جديدة
والتوصية بإعادة النظر في اللائحة
الانتخابية حتى يتمكن أغلب المسيحيين من
المشاركة في عملية التصويت، ويعد شعار "نظير"
"حق الشعب في اختيار راعيه" اختزالا
لتلك المطالب.
وتمثل جماعة الأمة القبطية في
هذا الصدام الوجه المتطرف لمدارس الأحد
والتي حاولت تغيير الكنيسة عندما يئست من
تغيير المجتمع المسيحي؛ وهو الأمر الذي
أكد صوابية نهج الإصلاح عن طريق الرهبنة
والذي بدا أنه يمضي في طريقه داخل الكنيسة.
ثم جاء عام 1956 وشهد الكرسي
البابوي تنافسا على من يعتليه وذلك بعد
وفاة الأنبا "يوساب" وترشح لهذه
الانتخابات "متى المسكين" و"مكاري
السرياني" (الأنبا صموئيل الذي قتل مع
الرئيس السادات في حادث المنصة) وأنطونيوس
السرياني (الأنبا شنودة)، وحصل الأول على
5400 صوت والثاني على 5300 والثالث على 5200 صوت.
ولكن تدخلت القوى المحافظة
لتفويت الفرصة على هذا التيار الراغب في
الإصلاح بهذه الطريقة الجذرية، وبفوز
مينا المتوحد (البابا كيرلس السادس) الذي
كان وراء ترشيحه واختيار جيل مدارس الأحد
تقررت مرحلة جديدة انتقالية بين العالم
القديم والجديد في الكنيسة، يقول البابا
شنودة: "أيام الباب كيرلس كانت انتقالية
وكنا نحاول الإصلاح وعندما كان يتضايق
نسكت".
امح الخطأ..
بالتعليم
 |
|
البابا كيرلس السادس |
رسَّم البابا "كيرلس السادس"
أنطونيوس السرياني (شنودة) ليكون أسقفا
للتعليم باسم "شنودة الثالث" عام 1962،
وبذلك صارت مدارس الأحد مشروعا رسميا
للكنسية بل ومن تكويناتها الرئيسية.
هذه التوجهات الكنسية الجديدة
أدت إلى تحولات اجتماعية كبيرة في الوسط
القبطي، ودفعت شرائح لا بأس بها من الطبقة
المتوسطة الجديدة لدعم هذه التوجه؛ فكانت
الأفكار الجديدة تطرح بقوة والعظات يترد
صداها.
كان شنودة منهمكا بكليته في
التعليم والإصلاح، رافعا شعار "امح
الخطأ بالتعليم"، واستطاع إنزال أفكاره
إلى الكثير من العقول والقلوب القبطية؛ إذ
كانت كل مؤسسات التعليم تحت يديه.
جعل شنودة "درس الجمعة" ذا
أهمية كبيرة في التثقيف القبطي، وصار
مناسبة مهمة في حياة الكنيسة القبطية وكان
الألوف يتقاطرون لسماعه، وصار كاريزما
للشباب القبطي خاصة بعد عام 1967م؛ إذ كانت
عظاته تعالج الجوانب الاجتماعية
والسياسية في قالب ديني.
واستمر "شنودة" في كتابة
المقالات في مجلة الكرازة التي أغضبت منه
البابا كيرلس السادس؛ وهو ما اضطره إلى
وقف مجلة الكرازة فترة حتى لا يدخل في صراع
مع البابا.
لكن الحقيقة أن الصدام كان على
أشده وكانت عظات ومقالات الأنبا شنودة
سببا في غضب البابا كيرلس؛ فتم إبعاد
شنودة إلى دير وادي النطرون؛ وهو ما أثار
عاصفة من الغضب الشديد بين الشباب، حيث
تحركت مظاهرات ووزعت بيانات تنتقد البابا
كيرلس وتطالب بعودة الأنبا شنودة.
لن يصبح الأقباط
أيتاما!
ومع بداية عقد السبعينيات صار
المسرح معدا للجيل الجديد في الكنيسة، فقد
تغيرت القاعدة الاجتماعية وسيطرت على
المشهد وجوه شابة مثقفة، استفادت من
التدوير الاجتماعي الناصري؛ فلم يعد هناك
باشوات ولا إقطاعيون، وتبدلت تركيبة
القيادة داخل الكنيسة.
ربما تصح مقولة "لن يصبح
الأقباط أيتاما بعد اليوم" عنوانا لتلك
المرحلة في حياة شنودة والكنيسة المصرية،
حيث بدأت عملية التوحد بين الكنيسة وشعبها
تتجسد فعليا في حيز الواقع تغذيها غريزة
الاحتماء والأمان، لتصبح خط الدفاع الأول.
صاحب هذه التغيرات الهيكلية تغير
مناخي عام حيث صار الدين هو الملاذ الوحيد
للمصريين الذين حولوا أنظارهم تجاه
القيادات الدينية الجديدة من أجل أن تمارس
استحقاقات المرحلة، وارتفعت وتيرة الفخار
بالقساوسة الذين لا يخافون ويدافعون عن
العقائد سرًّا وجهرًا، وتضخم فكر الخوارق
والحاجة للمعجزات؛ فشاعت ظهورات العذراء،
وانتشرت أسماء القديسيين المضطهدين
والمقاومين.
تلك هي خلفية مشهد الاقتراع على
البطريرك الجديد، حيث تنافس عدد من
الشخصيات أبرزهم "متى المسكين" و"شنودة"،
وفاز الأنبا شنودة بالكرسي البابوي،
وترددت شائعات حول دور الدولة في هذا
الفوز.
المزاج..
والمأساة
"أنا والسادات كنا نتبادل
الدعاية والمزاح خلال لقاءاتنا وفي
النهاية قلبها جد".. هكذا صور البابا
شنودة بداية العلاقة مع السادات؛
فالأقباط حاولوا الاستفادة من أجواء
الانفتاح ومن ثم تدعيم مكاسب الكنيسة،
يقول البابا شنودة: "أيدنا السادات
ووقفنا إلى جواره باستمرار وباركنا ثورة
التصحيح بحسبانها نقطة تحول؛ لأنها لم تكن
مجرد قضاء على مراكز القوى في ذلك الوقت
إنما كانت منهجا جديدا في الحكم" إلى أن
ظهرت نزعات السادات الدينية واقترابه
البراجماتي من التيارات الإسلامية، ومن
ثم صار الطريق مفتوحا للصراع بين القساوسة
والمشايخ؛ وكأن أرضية السبعينيات هي
أرضية الحسم الديني الذي كان مترددا في
الستينيات.
وظهر العنف الطائفي في أحداث
الخانكة عام 1972م، ولعلها المرة الأولى
التي تحرك فيها الأقباط في مظاهرة من 400
شخص يريد 100 منهم ملابس دينية كهنوتية بعد
أن اتفق مجمع الكهنة بالقاهرة بإقامة
الصلوات بمقر الجمعية التي أحرقت ولم يفلح
الأمن في إثنائهم ومضوا سيرًا على الأقدام
مرددين التراتيل ثم انصرفوا دون وقوع
حوادث، ولكن رد فعل البابا شنودة بدا
غريبا ولافتا للنظر، حيث قال: "قررت ألا
تراني الشمس آكلا أو شاربا حتى تحل
المشكلة"، وكان اللافت هو التعبير
بالاحتجاج من خلال طقس ديني، وتلك كانت
بداية ترانيم الاحتجاج البابوي االتي
تكررت في مسيرة البابا شنودة.
العصر.. أم البطل!
وفي 17 يناير 1977 عقد مؤتمر تحت
قيادة البابا شنودة، وجاء البيان الأول
الصادر عنه أن الأقباط يمثلون "أقدم
وأعرق سلالة" في الشعب المصري، ثم تعرض
المؤتمر لحرية العقيدة الدينية، وممارسة
الشعائر الدينية، وحماية الأسرة والزواج
المسيحي والمساواة وتكافؤ الفرص وتمثيل
المسيحيين في الهيئات النيابية والتحذير
من الاتجاهات المتطرفة.
وطالب البيان بإلغاء مشروع الردة
واستبعاد التفكير في تطبيق الشريعة
الإسلامية على غير المسلمين، كانت
التوصيات التنفيذية هي أخطر ما جاء في
البيان، حيث طالبت الأقباط بالصوم
الانقطاعي لثلاثة أيام (من 31 يناير إلى 2
فبراير 1977)، وذلك للفت النظر إلى مطالبهم،
وقد حاول الكاتب "ميلاد حنا" أن يعطي
مبررات وطنية لهذا النزوع للطائفية، فزعم
أنه كان رد فعل لمحاولات السادات لتطبيق
الشريعة، وأن البابا خاض معركة القوى
التقدمية، معتبرا الصيام الاحتجاجي
سلوكا مبتكرا فعالا، منوها بدور أقباط
المهجر الذين ضغطوا بشدة ولم يهدءوا إلا
بعد أن أرسل إليهم البابا مَن يخبرهم
بانتهاء الأزمة.
وبعيدا عن هذه التفسيرات تبقى
ملحوظتان:
-
المشروع في مجمله هو صيغة
معدلة لمشروع جماعة الأمة القبطية
الاستقطابي بكل ما يتضمنه من إحساس
بالذات المنفصلة؛ وهو ما نلمسه من
تعبيرات "الشعب القبطي" و"السلالة
القبطية".
-
أن هذا المشروع يختلف عن
مؤتمر 1911 الذي سمي بالمؤتمر القبطي
الأول بحسبان الأخير مشروعا كنسيا وليس
مجرد أفكار لناشطين كما في مؤتمر 1911.
وهنا يثور سؤال: هل هذا التحول
الكبير في مزاج الكنيسة وخيالها الرمزي
سببه الأنبا شنودة وحده.. أم أن للأمر
علاقة بفورة التدين التي انطلقت في
السبعينيات؟.
السؤال بصيغة أخرى: هل ينطبق على
هذه التغيرات فلسفة البطل الذي آثار بحسه
البطولي الذات الجماعية، أم أنها روح
العصر التي ولدت هذه القيادة؟.
يرى عديد من الباحثين الأقباط أن
للأمر علاقة بروح العصر والصحوة الدينية،
وبالتالي تعتبر حركة البابا شنودة ظاهرة
اجتماعية خلقتها سياقات لحظة تاريخية
معينة.
ويثور سؤال ثان، هل التنظيمات
الدينية كانت سببا وحيدا ورئيسيا لرد
الفعل القبطي؟ متابعة مسار الصدامات
الطائفية والتي بدأت في 16-6-1970 وحتى 12-11-1972
وقعت 11 حالة، منها 10 حوادث ابتداء (من 11
أغسطس 1971) حيث كانت شوكة اليسار هي القوية
وليس الإسلاميون الذين لم تكن لهم قواعد
تنظيمية علنية في تلك الفترة.
ومن ثم وضع السلوك العنيف
والطائفي لبعض الأقباط في خانة "رد
الفعل" فقط غير دقيق علميا، وهذا لا
يمنع من نمو متبادل في الحساسيات بدأ مع
مقولة السادات "أنا رئيس مسلم لدولة
مسلمة".
البابا يكره
إسرائيل
جزء من حياة البابا شنودة عسكري؛
إذ كان معايشا لمناخ حرب 48، كما أن جزءًا
مهمًّا من تكوين الكنيسة في الستينيات جاء
متأثرًا بالمناخ القومي؛ فكان موقف
الكنيسة من المشروع الصهيوني واضحا، وبرز
في محاضرة الأنبا شنودة في نقابة الصحفيين
(في 26 يونيو 1969) والتي كانت بعنوان "إسرائيل
في رأي المسيحية"، وقال في ختامها: "إذا
كان الله يريد أن يرسل عبد الناصر سيف
تأديب لهذا الشعب فإن هذا سيكون خيارًا
روحيا لهم".
بل إن البعض اعتبر فوز الأنبا
شنودة بالكرسي انتصارًا وطنيًّا للكنيسة،
لا سيما أن الأنبا صموئيل نظر إليه البعض
بأنه ذو علاقات مريبة مع الغرب.
وبالنسبة للتطبيع مع إسرائيل أكد
شنودة أن الأقباط لن يزورا القدس حجا
احتجاجا على الاستيلاء على أحد الأوقاف
القبطية في القدس وهو "دير السلطان"،
رغم أن شنودة أيد السلام مع إسرائيل ولخص
موقفه في مقولة شهيرة للسادات: "ثق أن
الحق الذي يؤيدك أقوى من الباطل الذي
يعارضك"، وهي مقولة اعتبرها "أبو سيف
يوسف" في كتابه "الأقباط والقومية
العربية" أنها تأييد غير مباشر للسادات
في عملية السلام.
وهنا يجب أن نفرق بين الموقف
اللاهوتي والموقف من التطبيع؛ فالأول
موقف ديني والثاني سياسي. والسياسة لا
تفصل عن سياق العلاقة مع الدولة وما يفرضه
ذلك من متغيرات وممكنات؛ فقبل الصدام مع
النظام الساداتي ظل الموقفان اللاهوتي
والسياسي منفصلين، ثم امتزجا بعد الصدام
في إطار صراع سياسي وتوارت قضية دير
السلطان وبقيت فكرة التطبيع هي الأكثر
حضورا حيث تلاقى موقفه هذا مع موقف
الجماعة الوطنية الرافض للتطبيع، وهو ما
أكسب البابا شنودة شعبية كبيرة وصارت قضية
التطبيع هي أهم قضية يطل بها على الصحافة.
هل كان سياسيا؟
يبدو أن الاهتمام بالسياسة كان
ملمح جيل الستينيات بأكمله من رجال الدين،
بحسب نبيل عبد الفتاح وهيكل، ويرى القس
الدكتور أندريه ذكي أن البابا بدأ مبكرا
استخدام لغة ذات مضمون سياسي في مجلة
الكرازة مثل تعبير "الشارع القبطي"،
ووصل الأمر ذروته في اجتماع المجلس الملي (في
26 مارس 1980) أن قرر المجلس إلغاء كل
الاحتفالات الخاصة بعيد القيامة احتجاجا
على الأعمال العدائية ضد الأقباط.
أما الباحث "سمير مرقص" فيرى
أن الحديث عن المشروع السياسي للكنيسة إذا
كان معنيا به وجود رؤية لتحديد مفهوم معين
للدولة فالإجابة لا.
وإذا لم تدرج أحاديث البابا عن
مطالب الأقباط فيما يخص الوزراء في
الحكومة والنواب الأقباط في البرلمان
وموقعهم في المناصب العامة والتفاوض حول
بناء الكنائس بل والاستعداد للصدام مع
الدولة احتجاجا على الهجمات العنيفة ضد
الأقباط، بل وطلبه من السادات أكثر من مرة
أن يجلس معه بوصفه ممثلا عن الأقباط قائلا:
"أليس الأقباط قطاعا في الدولة؟"
وتصريحه لسناء السعيد: "إن الكنيسة ليست
دولة داخل دولة، ولكنها تلعب دور الوسيط
بين المسئول والجماهير".. إذا لم تدرج كل
هذه الأقوال والمواقف في صلب السياسة..
فماذا تبقى للسياسة من معنى؟.
تغير
الإستراتجية
يقول البابا شنودة: "الناس في
الحرب مثل لاعب الشطرنج كل شخص يفكر ماذا
سيفعل الآخر؟ وكيف سأقاومه؟ وكيف يقابل
مقاومتي له؟ وكيف أقابل مقاومته لمقاومتي".
وبعد الذروة التي وصل لها الصدام والقرار
الجمهوري الساداتي بإلغاء تعيين البابا
شنودة وتشكيل لجنة خماسية للقيام بالمهام
البابوية وتحديد إقامة البابا في دير وادي
النطرون، ثم صدور قرار الرئيس مبارك سنة
1985 بإعادة تعيين الأنبا شنودة بطريرك
للأقباط كان ضروريا أن تحدث مراجعة للكثير
من السلوكيات السياسية والدينية، فبدأ
البابا أكثر حرصا على كسب الإعلام الذي
وقف ضده في السبعينيات وضرورة بناء جسور
بين الكنيسة والنخب العلمانية وكان حريصا
على الاهتمام بالبعد الدولي الذي لم يعطه
الاهتمام اللائق في السابق.
أدرك البابا شنودة أهمية التواصل
مع أقباط المهجر وفتح كنائس جديدة من أجل
استيعابهم وتنظيمهم، ويضيف البابا إلى
ذلك أسبابا لتغير موقفه في الثمانينيات
منها موقف الدولة من الجماعات الإسلامية
التي بدأت توجه ضرباتها إليها وكان تدخل
الكنيسة كما يقول: "سيؤدي إلى قلب
الموقف من جماعة ضد القانون والحكومة تقبض
عليهم، إلى مسألة بين مسلمين ومسيحيين،
ونكون قد خسرنا الموقف"، ويتهم
المزايدون على مواقفه من أقباط المهجر
قائلا: "يريدون البابا أن يكون ثائرا
باستمرار ومثيرا للجو من حوله باستمرار
وتكون هذه هي البطولة. طريقة الحرب
باستمرار التي يريدها البعض ليست من
الحكمة"، وهنا شارك في الولائم
والإفطارات الرمضانية المسماة بإفطار
الوحدة الوطنية ورأى أنها خففت من حدة
الموقف والاحتقان.
ومرت الأمور في هدوء نسبي حتى
جاءت فكرة الحريات الدينية والتدخل
الأجنبي الذي أيده بعض الأقباط وهاجمه
الكثير، ومع تصاعد أحداث الكشح الأولى
والثانية بدأت المؤسسة الكنسية تتجه
للعلن للمطالبة الصريحة والاحتجاج من أجل
تنفيذها، وهو ما تجلى في أزمة النبأ وأزمة
وفاء قسطنطين والتي جددت مناخ السبعينيات.
|