 |
|
آصف شوكت |
إذا أردنا أن نصف "آصف شوكت"
رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في
سوريا، فلن نجد أفضل من تعبير "رجل
الأقدار" على خلفية وقوفها بجواره على
الدوام؛ ففي اللحظات التي يتصور فيها أن
طموحه قد وصل لطريق مسدود تأتيه الأقدار
بمخرج يدفعه دفعا للأمام بشكل لم يكن يحلم
به.
وكانت مدينة "طرطوس"
الساحلية السورية قد استقبلت مولد آصف
شوكت ضمن جملة من ولدوا من أبناء الفقراء
فيها عام 1950. ورغم الفقر المدقع لعائلته
فإنها تنتسب إلى الفرع "العلوي"
المتحكم في مقاليد الحكم في سوريا منذ
اعتلاء حافظ الأسد سدة الحكم فيها عام 1971؛
وهو ما ساعده على الوصول لطموحاته مستقبلا.
عاش شوكت في طرطوس حتى عام 1968،
وهو ذات العام الذي رحل فيه إلى دمشق
لالتحاقه بكلية الحقوق التي تخرج فيها عام
1972، لم يكن مقتنعا بدراسته هذه؛ لأنه كان
يبحث عن شيء ما بداخله.. عن خلاص من فقر
مدقع ومهن لا تتناسب مع ما يرسمه لنفسه
وإمكانياته من طموحات كبرى؛ ونتيجة
التخبط الذي كان يعيش فيه في هذه الأثناء
تحول صوب دراسة التاريخ، حتى حصل على
الدكتوراة فيه من جامعة دمشق عام 1976 في
أطروحة كان موضوعها "الثورة السورية
الكبرى في 1925 ورؤساء الفلاحين الذين
قادوها".
طموح كبير
لم يشفع لشوكت حصوله على
الدكتوراة في فرصة عمل مميزة في بلد خارج
من حرب طاحنة (أكتوبر 1973)؛ فعاش فترة طويلة
في دمشق معتمدا على إعانات والده المادية
القليلة التي يرسلها له من "طرطوس"
والمحملة بدعواته بصلاح أحواله.
كان يهيم طوال هذه الفترة في
شوارع دمشق باحثا عن ذاته، وعن تحقيق
المعادلة الصعبة المتمثلة في طموح كبير
باعتلاء منصب كبير يرضي غروره، وهو في ذات
الوقت فقير في بلد لا تعترف إلا بالنفوذ
والثروة طريقا لاعتلاء المناصب العليا.
وبعد طول عناء بدأ يتحسس أول
الطريق من خلال تطوعه كضابط في الجيش
السوري، حيث لم يواجه مشكلة في قبوله، فقد
كان "علويا بعثيا"، وهما الشرطان
الأساسيان للقبول.
رحَّب به رؤساؤه في الجيش، وأثبت
تفوقه وكفاءته، لكن ذلك لم يرض طموحه،
فليس هذا كل ما يرنو إليه، فضلا عن كونه من
"الضباط الجامعيين" الذين لا تتاح
لهم فرصة تولي المناصب القيادية في الجيوش
النظامية التي تكون محجوزة لخريجي
الكليات العسكرية، وهنا شعر أنه لم ينجز
شيئا بعد في الطريق الطويل الذي يبحث عنه.
وتأكد أنه بحاجة ماسة إلى عمل غير عادي يصل
لدرجة المعجزة ليتمكن من تعديل مساره صوب
طريقه المنشود، وإلا فإنه لن يبرح المربع
رقم واحد في سلم طموحه.
في انتظار المعجزة
 |
|
باسل الأسد شقيق بشرى الذي توفي في حادث سيارة |
كثيرا ما قرأ شوكت عن قصص الغرام
التي اعتلت بأصحابها سدة العروش، لكنه لم
يكن يتخيل أن تكون المعجزة التي ينتظرها
ستكون بنفس طريقة "فرسان الغرام"،
وهنا جاء دور "الأقدار" التي ألقت بـ"بشرى"
ابنة حافظ الأسد في طريقه، لتهيم به حبا
جعلها تتحدى كل جبروت عائلتها الحاكمة؛
لأجل الاحتفاظ به حبيبا وزوجا.
كان كل شيء يسير على ما يرام في
طريق تقدم شوكت صوب الانضمام لكبار
رجال الحكم في سوريا، بعد أن وضع
قلب ساكنة القصر الرئاسي في "جيبه"،
لكن طرق المجد محفوفة بالأشواك على
الدوام، وكانت أكبر شوكة في طريقه متمثلة
في "باسل الأسد" شقيق بشرى الأكبر
الذي عارض بقوة علاقتهما كونه يكبرها،
ووضَّح صراحة أنه بالرغم من كون شوكت "علويا"
فإنه ينحدر من طبقة دنيا، وعندما أصرت
بشرى على الزواج ألقى به باسل خلف القضبان
4 مرات لمنعهما من اللقاء.
وهنا جاء دور الأقدار كعادتها؛
ففي 21 يناير 1994 توفي باسل في حادث سيارة،
وعندها أصبح الطريق مفتوحا، وبعد سنة
واحدة تزوج من بشرى.
على أعتاب القصر
 |
|
عائلة الأسد التي نجح شوكت باقتدار في الانضمام إليها |
وكانت أولى عطايا "أنيسة"
الأم زوجة الأسد له ترقيته إلى رتبة "لواء"
في الجيش.
أدرك شوكت منذ بداية عيشه في
القصر الرئاسي أهمية كسب أطراف مؤثرة في
عائلة الرئيس تدعمه وقت الخطر، وكرجل بارع
في قراءة الأحداث تأكد أن بشار (طبيب
العيون) الذي عاد من لندن هو رجل سوريا
القادم.
وبدأ بشار مع الوقت يعتمد على
صهره في مرافقته وتأمينه، في هذه الأثناء
بارك الرئيس حافظ الأسد هذه العلاقة وطلب
من شوكت أن يدعم بشار، وأن يلازمه، ومع
مطلع العام 1998 أُشيع أن شوكت أصبح أقوى رجل
في سوريا. وقد زاد من تدعيم موقعه احتلال
صديقه "علي أصلان" رئاسة الأركان،
وذلك بعد إحالة الجنرال "حكمت الشهابي"
إلى التقاعد في يناير 1998.
وخلال الصراع بين رفعت الأسد
وأخيه حافظ في أكتوبر 1999 وجَّه شوكت
انتقادا غيابيا حادا لرفعت في وجود "ماهر"
الابن الثالث لحافظ الأسد والذي بادر
بدوره بتوجيه كلمات نابية لشوكت، طالبا
منه السكوت، وعدم التدخل في شأن عائلي،
ولكنه أجابه بحدة مماثلة بأنه أصبح جزءا
من العائلة؛ فأصر ماهر على موقفه قائلا
لشوكت إنه لم يكن من العائلة، ولن يكون، ثم
سحب مسدسه وأطلق النار عليه فأصابه في
معدته. انتشرت قصة الخلاف عبر دمشق، ووصلت
إلى صحيفة "الحرية" الفرنسية التي
حررت تقريرا ذكرت فيه الواقعة، وأن شوكت
يُعالج في باريس.
وتحت وساطة الأسد الأب تمت
المصالحة بين ماهر وشوكت، والتي انتهت
بتعيين الأخير نائبا لرئيس الاستخبارات
العسكرية، كمكافأة له على عمله مع ابن
الرئيس؛ لأنه لا يمكن ترقيته لمنصب عسكري
ميداني؛ باعتباره ليس رجلا عسكريا
ميدانيا بالأساس.
وظل في هذا المنصب حتى بعد تولي
بشار مقاليد السلطة بعد رحيل والده
في 10 يونيو 2000، وعين رئيسا لشعبة
الاستخبارات الحربية خلفا للواء "حسن
خليل" في 18 فبراير 2005، أي بعد اغتيال "رفيق
الحريري".
في قلب العاصفة
 |
|
شوكت في المنتصف يبدو متأثرا أثناء تشييع جنازة حافظ الأسد |
على الرغم من شهرة "فبراير"
بهوائه القارس فإنه جاء في عام 2005 بسخونة
غير عادية على الصعيد السوري اللبناني؛
ففي 14 فبراير تم اغتيال رئيس الوزراء
اللبنانى "رفيق الحريري"، ووجهت
أصابع الاتهام لسوريا في هذا الحادث؛ نظرا
لتوجهات الحريري المناوئة لبقاء القوات
السورية في لبنان، وهي القوات المتمركزة
فيها منذ عام 1976، وهو ما نفذته سوريا
بالفعل يوم 26 إبريل 2005 تحت ضغوطات دولية.
ودفعت هذه الأجواء باسم آصف شوكت
إلى الظهور للمراقبين خارج سوريا،
باعتباره أحد اللاعبين الأساسيين في
عملية اغتيال الحريري في حال ثبوت تورط
سوريا فيه؛ نظرا لموقعه المهم على رأس
الاستخبارات العسكرية. وجاء حادث انتحار
وزير الداخلية السوري "غازي كنعان"،
وفق الرواية الرسمية، ليلقي المزيد من
الظلال على "شوكت" كونه الرجل الأقوى
في بلاده، بعدما تسربت لكنعان أخبار تفيد
أن اجتماعا ضم شوكت والرئيس بشار، وأخاه
ماهر، ووالدته السيدة أنيسة، تم الاتفاق
فيه على تسليمه وبعض الأسماء ككبش فداء؛
فقرر الانتحار، على حد زعم البعض.
ويعتبر بعض المراقبين السوريين
أن شوكت محسوب على التيار الإصلاحي في
النظام السوري؛ فهو من جهة لا تسجل له
منظمات حقوق الإنسان أي انتهاكات، ولوحظ
أن الاعتقالات في صفوف المواطنين انخفضت
بنسبة كبيرة من قبل الاستخبارات العسكرية
بعد تسلمه رئاستها في فبراير 2005، وهو ما
أرجعه المراقبون إلى كون شوكت خريجا لكلية
الحقوق في جامعة دمشق.
اعتقد شوكت أنه بعيد عن الملاحقة
الدولية في التهم التي وجهت إليه إعلاميا،
حتى جاء تقرير القاضي الدولي الألماني "ميليس"
الخاص بالتحقيق في اغتيال الحريري،
متضمنا اتهامات صريحة له، بعد تقديم
التقرير أدلة أفادت أنه (شوكت) ربما لعب
دورا بارزا في المؤامرة.
وبناء على التقرير اعتمد مجلس
الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2005 قرارًا
صارمًا يطالب سوريا بالتعاون مع لجنة
التحقيق، وإلا تعرضت لإجراءات عقابية،
وأمر القرار دمشق باحتجاز الأشخاص الذين
يشتبه بضلوعهم في الاغتيال وتسهيل
استجواب محققي الأمم المتحدة لهم، وأعلنت
سوريا التزامها بهذا القرار.
وفي 8 نوفمبر 2005 طلب "ميليس"
استجواب 6 ضباط سوريين في مقر عمل لجنة
التحقيق في منتجع "المونتيفردي"
ببيروت، جاء شوكت في مقدمتهم.
وأمام هذا الموقف جاء دور
الأقدار كعادتها مع شوكت لتنقذه من خلال
إصرار الحكومة السورية على استجواب
ضباطها في مكان محايد، اقترح أن يكون
العاصمة النمساوية "فيينا"، وتم سفر
خمسة فقط، ويرجح أن السادس الذي لم يسافر
للاستجواب هو شوكت.
مرت الأيام وهدأت عاصفة مقتل
الحريري مع اشتعال المواجهات الميدانية
في جنوب لبنان، في ذات الوقت الذي وطد فيه
شوكت نفوذه داخل سوريا بعد الوقوف
المتوالي للأقدار بجانبه حتى في أحلك
اللحظات.
|