|
|
موتسارت
|
|
استمع:
|
في
عام 1984 كتب "نيكولاوس يكورت" في وصف
موتسارت قائلا: "حقا إن موسيقاه لغز
محير!... لقد أكسبها معنى لم يتوصل إليه
سواه مستعينا بنفس أساليب وأدوات مؤلفي
زمانه الآخرين".
ومن
قبله وبعده كتب آخرون قالوا عنه إنه يعد
أعظم عبقرية موسيقية، أو إنه لم يوجد حتى
الآن مؤلف يمتلك هذا الكم المذهل من
الأفكار، أو إنه لا يترك للمستمع فرصة
التقاط أنفاسه، إذ بمجرد شروعه في تذوق
فكرة جميلة تظهر أخرى أجمل منها لتزيح
الأولى... وتستمر الأمور بهذه الصورة
فيعجز المرء في النهاية عن الاحتفاظ بكل
هذا الجمال.
كان
هذا بعض ما قيل عن الموسيقار موتسارت
(1756-1791) أو "وولفجانج موتسارت"
المولود في 27 يناير 1756 الذي يعد ممن عبروا
على البشرية وتركوا لها بصمة واضحة تتحرك
بين الناس، موسيقى وألحان تسمو بلا
افتعال أو تصنع.
اكتشاف
ولد
موتسارت في سالزبورج بالنمسا في 27 يناير
1756 وكان الولد الثاني لليوبولد موتسارت،
الذي كان هو الآخر موسيقيا محترفا في
بلاط الأمير في سالزبورج.
وفي
وقت قصير اكتشف الوالد أن ابنه الصغير
يتمتع بمواهب موسيقية مذهلة؛ فعندما كان
في عمر الثالثة بدأ يعزف على أوتار
البيانو القيثاري الخاص بالعائلة، وفي
سن الخامسة كان يؤلف معزوفات صغيرة على
لوحة المفاتيح، وفي سن السادسة كان يعزف
الكمان، ثم تفتحت عبقريته.
وهذا
جعل الأب يقوم بتربيته تربية خاصة في وقت
كانت تربية الأبناء تترك للخدم
والمرضعات؛ ليكون له بمثابة المعلم
والقدوة والمرشد والصديق.
وجمعت
هذه التربية ما بين دراسته للعلوم
المدرسية بالإضافة إلى العلوم الموسيقية
دون أن يذهب إلى مدرسة نظامية قط، حيث كان
الأب المعلم ورفيق السفر الذي يقدمه
للمجتمع وينظم رحلاته ومتعهد أعماله
الفنية وشريكه في العزف أيضا.
تناقض
وكحال
أي عبقري كانت تتصارع بداخله مجموعة من
المتناقضات خلف قناع من الهدوء، ولهذا ظل
طفلا حتى بعد بلوغه الثلاثين، طفلا يحب
الحياة، جامحا في تعبيره عن مشاعره، يعشق
الجمال بكل صوره البريئة.
وإضافة
إلى العفوية التامة التي عاش فيها كانت
شخصيته تحتوي على شحنة مضيئة. ومع
تلقائيته كان ذا جاذبية، وشديد التقلب
والاندفاع أحيانا، إضافة إلى شعور عميق
بالكآبة التي كانت تنتابه.
كما
عاش حياة حافلة التقى في خلالها بالكثير
من رجال البلاط والعظماء في عصره، وكان
في كل هذا قادرا على التعامل معهم بحيث لم
يجد صعوبة في المزج بين الخضوع واحترام
النفس ليكون ندا للعظماء عبر معرفته لقدر
نفسه.
انفراد
قدمت
موسيقى هذا الشاب تنوعا كبيرا في شكلها
وقوالبها رغم أنه كتب بوحي الساعة
وبعفويه اللحظة وبحساسية مفرطة،
وباستسلام عذب وبتلقائية كاملة.
وعلى
نحو انفرد به عن جميع المؤلفين
الموسيقيين أتقن جميع الألوان الموسيقية
في عصره من "السوناتة" التي تعزف على
البيانو إلى "الرباعي الوتري"، ومن
الأوبرا إلى الفيوج. وقد قام عمليا
بابتكار كونشيرتو البيانو، وأعطى مفهوما
جديدا للسيمفونية والموسيقى الحجرية.
وهذا
جعل موسيقاه فيضا لا ينضب؛ فنراه في
موهبة التأليف ذوقا رفيعا لا يخطئ
التعبير، وكان للحنه رقة وعذوبة لا
تكرران نفسيهما دون أن تعرفا الاسترسال،
بل تخلبان الألباب بإيجازهما الذي لا
يتحمل المزيد من الاختصار.
ويتولد
لدى من يسمعه الإحساس بثراء لا يثقل أو
يحير، بل يمتع على الدوم ليتلاحم زخم
الأفكار الموسيقية البديعة مع أقصى
درجات الانضباط الفكري، فضلا عن
استخدامه للأساليب الموسيقية بأقصى حرص
ممكن دونما شح أو تقتير.
ولدى
وفاته ترك ميراثا موسيقيا لم يتم تجاوز
نطاق تعبيره على الإطلاق، وهو مؤلف من 56
سيمفونية، و21 كونشيرتو بيانو، و19 سوناتة
بيانو، و15 أوبرا، والكثير من الأعمال
الموسيقية الأخرى.
خصائص
ومميزات
|
|
كتاب يسرد حياة موتسارت
|
لقد
تجاهل موتسارت تلك الوجبات الخفيفة من
الموسيقى واهتم بخلق عالم موسيقي خال من
الشوائب ومن أي كماليات أنيقة، مع تلبية
أقصى متطلبات الجمال في نفس الوقت.
ولهذا
تجسد موسيقاه أسلوب جمال الموسيقى الحي
والروحي الخالص؛ لما فيه من تمكن رفيع
واقتصاد شديد في استخدام الوسائل
الفنية، والتعبير إلى أقصى حدود
المستطاع، وتكامل ورزانة ذوقه ومتانته
وسلاسته.
وعندما
كان يكتب لآلة كان يقدم التأليف على
إمكانيات الآلة، مستفيدا من إمكانيات
الآلة ومستخرجا كل طاقاتها. ففي موسيقاه
لا يستطيع العازف نقل مقام مكان آخر، أو
حتى الاستغناء عن آلة أو وضع أخرى مكانها.
والمدخل
في أعماله سريع الاكتمال؛ فيلمح النغم
بصورة فورية، كما تتسم تنقلاته
الإيقاعية بالحرية والانطلاق. والإيقاع
عنده هو مركز الجاذبية الخاص، فيستغل تلك
الجاذبية وقوانينها فتتمشى موضوعاتها مع
نزعاته الذاتية.
كما
تميز عالم موسيقاه بأنه واقعي التوجه على
الدوام، وقريب المنال. وقد انساق مع نفسه
كإنسان وعازف بيانو وأرغون، فجاءت
موسيقاه على مستوى النغم والإيقاع
ملتصقة بالأرض التي حاول أن يجد فيها
الحب والخير والجمال.
فقد
كان بالفعل شخصا عبقريا أصابت مواهبه
الموسيقية معاصريه بالذهول، ولا تزال
تبهر الجماهير حتى يومنا هذا.
نهاية
مأساوية
ويروى
عن قصة موته المأساوية -التي قدمها
الفيلم السينمائي "أميديوس" الحائز
على جوائز أوسكار عدة والذي صوره عبقريا
ذكيا ولكنه غليظ يحب النكات الجافة ويزعج
خصومه- قيام أحد غرمائه ويدعى "أنطونيو
ساليري" بقتله.
فكانت
النهاية في عربة موتى تجرها الخيول تخرج
من مدينة "فيينا" حاملة جثة عبقري
شاب قتل على يد خصم غيور، وبعد مراسم
روتينية، تم دفن الجثة في قبر جماعي،
وتفرق العدد القليل من المشيعين، وهكذا
أسدل الستار على حياة أعظم ملحن ومؤلف
موسيقي على الإطلاق.. "وولفجانج موتسارت".
اقرأ
أيضا:
**
باحثة متخصصة في التراث الموسيقي.
|