حين
بلغ مسعد سن الثامنة وتخطت شهرته أسوار
المدرسة والسجن، طلب منه ناظر المدرسة
أن يأخذ محلا يمتلكه بإحدى عماراته
ليعمل به خطاطا، وعلى الفور سارع الصبي
بتأجير المحل وكتب لافتة كبيرة "خضير
الخطاط".. ولكنه انتظر الزبون المرجو
دون جدوى! فعاد يكتب نفس الكلمات.. ولكن
من الشمال إلى اليمين، فتعجب الناس من
وضع اللافتة، وكلما مر عليه أحد يسأله
إذا ما كانت مقلوبة أم أنه يقصد وضعها
على هذا النحو.. تلك الأسئلة
والاستفسارات قادت أقدام الناس إلى محل
خضير، وشيئا فشيئا بدأ الناس يطلبون منه
كتابة لافتاتهم مقلوبة، أو أن يدخل
عليها أية "تقاليع" أخرى.
أما
انتخابات مجلس الأمة فكان لها وضع
مختلف؛ فكل مرشح يعرف الخطاط الذي سيذهب
إليه سلفا، ولم يكن أي منهم في حاجة إلى
تقليعة مسعد الغريبة، فاشترى مسعد
أثواب قماش 30 مترا وقسمة لعشر قطع وكتب
عليها كلها: "انتخبوا خضير الخطاط
لكتابة لافتتكم الانتخابية"! فلفت
انتباه الناس ذلك الأسلوب الجديد في
الدعاية، كما لفت نظرهم جمال الخط نفسه،
ونجحت طريقته البسيطة تلك في الاستحواذ
على اهتمام الناس رغم حداثة سنه.
والمعروف
أن كل خطاط جديد يظهر في مدينة بورسعيد
كان يغطي على الخطاطين الذين جاءوا
قبله، وسرعان ما يظهر ثالث يجدد في
اللافتات لينحّي من كان قبله جانبا...
وهكذا، فاستوعب مسعد الدرس ممن سبقوه،
وسعى إلى التجديد كلما واتته الفرصة،
حتى حظي بشهرة وتقدير من الناس.
يسقط
الغزاة..
حملت
رياح ثورة 23 يوليو بشائر الخير لمسعد
البورسعيدي، فرسم لوحات تمتد لعشرة
أمتار لمحمد نجيب والتشكيلات الوزارية
الجديدة، وكلما تقدمت الثورة في
خطواتها تقدم معها مسعد، ولكنه ما لبث
أن عاد أدراجه بعد نشوب الحرب في
بورسعيد، فقسم عمله كخطاط للنضال ولكسب
قوته، فملأ كل جدران بورسعيد بعبارات
النصر وسقوط الغزاة.
وبعد
أن منح الجيش المصري الأسلحة لسكان
بورسعيد ورمى بها في طرقات وشوارع
المدينة المناضلة، قام مسعد بتدريب
الصبية على استخدام السلاح، يقول مسعد:
"كنا قد احترفنا القتال، لدرجة أن
جنود الاحتلال حين كانوا يهبطون
بالبارشوتات كنا نستطيع اقتناصهم
بسهولة، فكان الجندي يهبط مدرجا في
دمائه".
وكان
يحظر على والد مسعد الذي يعمل بنقطة
الإسعاف هناك الخروج من المدينة، فاضطر
للثبات في مكانه تحسبا لنتائج الغارات
الجوية التي لم تكن لتمر بسلام، أما
الابن مسعد فاضطر للخروج لاصطحاب
والدته إلى طنطا والاستقرار هناك، وبين
الحين والآخر يتسلل ليعود إلى بورسعيد
ويهاجم قوى الاحتلال من خلال كتاباته.
أما
مدينة طنطا فقد جعل مسعد من جدرانها
بانوراما حية تشهد على الحرب التي دارت
رحاها في بورسعيد، والتفت في طنطا
لمهنته كخطاط لكسب العيش، وفي طنطا أيضا
بدأ تدريس الخط العربي في مدرسة هناك،
دون أن يكون مؤهلا من الناحية
الأكاديمية، فقام بدراسة دبلومة الخط
العربي أثناء تدريسه للخط.
الجمالية..
والبورسعيدي
وفي
سنة 1958م بدأت تستقر الأمور في مدينة
بورسعيد، فعاد مسعد إليها بصحبة والدته
وأخوه محمد الذي كان يعاونه في كتابة
اللافتات، ولكنه ما لبث أن استدعي
للخدمة العسكرية فاضطر مسعد للعمل وحده.
وفي
عام 1961 التحق مسعد بالجيش في القاهرة،
تحديدا في منطقة الجمالية، وهناك لاحظ
التشابه الكبير بين أهالي بورسعيد
والقاهرة العتيقة، وسرعان ما اندمج في
نسيج ذلك المجتمع الجديد، وصار واحدا
منهم، فأنشأ محلا للخط العربي بجوار
خدمته بالجيش المصري، ورغم أنه كان
يواجه أساتذة كبارا في الخط العربي فإنه
استطاع أن يثبت أقدامه من خلال استحداث
الألوان واستخدامها كخامة جديدة تساعد
في لفت الانتباه، كما حاول التعلم من
جيل أستاذته فأخذ عن محمد حسني رسم
التركيبات الخطية المعقدة، التي يشبهها
بعمارة البيوت، وتعلم من محمد عبد
القادر الاهتمام بالفراغات وأناقة الخط
والتجديد فيه، أما كلاسيكيات الخط
فتعلمها من سيد إبراهيم.
التلفزيون..
بدأ
منحى جديد في حياة مسعد خضير تمثل في
دخوله التلفزيون المصري سنة 1964م، حيث تم
تعيينه في التلفزيون، وفي نفس القسم
الذي يعمل به 40 خطاطا آخر، غير أن حروفه
كانت تتسم بالجماهيرية وإبراز فحوى
البرامج والمسلسلات من خلال الخطوط،
فمثلا حين كتب "مدرسة المشاغبين"
راعى أن تكون خطوطها هزلية، فرسم أبطال
المسرحية وكل واحد منهم يحمل حرفا من
حروف اسمها، حتى إن المخرج الراحل "عبد
الله الشيخ" طلب منه أن يتابع بنفسه
مرحلة إخراج مقدمات مسرحياته.
أما
برنامج "العلم والإيمان" فرسم
حروفه تاركا مساحات فراغ كثيرة وزينها
بالنجوم لتوحي بفحوى البرنامج، بينما
يوحي برنامج "حكاوي القهاوي"
بالحركة والعودة إلى التراث في الوقت
ذاته، كما رسم خطوط مسلسل "الشهد
والدموع" بما يوحي بالشجن.
واللافت
أن مسعد كان يشاهد حلقات كثيرة من أي
مسلسل قبل أن يبدع خطوط اسمه، وهو عمل لا
يقدم عليه الآن كثيرون، حيث شاهد معظم
أجزاء مسلسل "ليالي الحلمية"، ثم
رسمه بشكل يوحي بتكاتف أهل الحلمية فيما
بينهم، فلم يترك مساحات بيضاء إلا قليلا.
أما
معارض مسعد فلم يجعلها تتخلى عن
جماهيريتها وسهولة فهمها بالنسبة
للمتلقي العادي، فبعد النجاح والشهرة
التي استطاع تحقيقها خلال عمله
بالتليفزيون المصري، أقام معارض خطية
تدمج بين الحروف العربية والإنجليزية،
وكتب أسماء الله الحسنى بالعربية
تجاورها أسماؤه عز وجل بالإنجليزية،
وهو ما أثار استحسان الناس لدى مشاهدتهم
لمثل تلك اللوحات، خاصة أنه كان أمرا
غير مسبوق آنذاك، وهو ما جعله رئيسا
لقسم الخط بعد سنتين فقط من تعيينه
بالتليفزيون.
وقام
مسعد بكتابة المصحف بست خطوط مبتكرة،
وهو أمر ليس بالسهولة التي يتصورها
البعض، حيث دون مسعد المصحف لست محطات
تليفزيونية، كل محطة كلفت مسعد سبعة
آلاف لوحة خطية هي نتاج المصحف الشريف
بخط اليد.
تجديد
الخط العربي
يرى
مسعد أن التجديد في الخط العربي لن يأتي
من الأعمال الخطية التي تنشر في الساحات
والشوارع فقط، ولكن من خلال
التليفزيون؛ بسبب شعبيته الكبيرة التي
طغت على كل وسائل الإعلام الأخرى، وهو
ما جعل اهتمامه ينصب على ضرورة أن يعطي
التليفزيون مساحة للخط العربي، ولكن
المأساة الكبرى أن التلفزيون استخدم
الكمبيوتر واستغنى عن الخطاطين، وصارت
مهنة الخطاطين الأساسية هي أن يكونوا
"احتياطي كمبيوتر" وهي وظيفة ليس
لها قيمة ولا تسد فراغا، كل ذلك يحدث رغم
أن هناك 12 ألف طالب يتخرجون في مدارس
الخط كل عام.
والفارق
كبير بين ما يتيحه الكمبيوتر وما تبدعه
يد الفنان.. يقول مسعد: "فبالرغم من أن
لي ستة أشكال تم إدراجها في "فنط"
الكمبيوتر فإنني لا أستحسنها كوسيلة
للكتابة، لأن يدي كفنان تتسم بالحيوية
والمرونة، بحيث أستطيع أن أبدع في أشكال
الحروف التي صممتها بنفسي كيف أشاء، ولا
يقيدني في ذلك سوى قواعد رسم الحروف،
أما الكمبيوتر فهو آلة لا تستطيع كتابة
سوى ما يملى عليها، وبالشكل الذي تحدد
لها سلفا من قبل الخطاط صاحب الفنط".
نقابة
للخط العربي
ويبدو
أن المعوقات التي تحول دون انتشار الخط
العربي بشكل صحيح في العالم العربي كانت
الدافع وراء إنشاء الجمعية المصرية
للخط العربي، التي أنشئت -كما يؤكد مسعد-
لتكون نواة لنقابة تضم فناني الخط
العربي في مصر وخارجها، باعتبار أن
الخطاطين ليس لهم تجمع في مصر ولا نقابة
تحمي حقوقهم أو تتصدى للدفاع عن
مطالبهم، وتسعى الجمعية لتجميع شمل
أكبر عدد من الخطاطين المصريين وبدء
تكوين تكتل للعمل المشترك، حتى تستطيع
الجمعية الدفاع عن أهدافها، وهي حماية
الخط العربي تراثا يتراجع يوما بعد يوم،
وصقل المواهب الشابة وتشجيعها على
الاستمرار والتواصل مع كبار الخطاطين،
وهو أيضا ما دفع مسعد البورسعيدي
للإعلان عن جائزة تحمل اسمه تخصص
للخطاطين المبتدئين. كما استطاعت
الجمعية إحياء عيد الخط العربي من خلال
إقامة ندوات ومعارض وفعاليات تذكر
الجمهور بالخط العربي وتحثه على
الاهتمام به.
كما
يسعى خضير بمعاونة عدد من كبار الخطاطين
في العالم العربي إلى إنشاء ما يسمى
باتحاد الخطاطين العرب، على أن يكون
تابعا لجامعة الدول العربية، غير أن
إنشاء الاتحاد سيحتاج لمشروع قانون يتم
مناقشته بمجلس الشعب، ويصدق بقرار من
رئيس الجمهورية.. وكل هذه الخطوات
ستحتاج لمزيد من الوقت لإنجازها.