|

|
|
عمر المختار
|
يعتبر
فيلما "العقاد" "الرسالة" (1976م)،
و"عمر المختار.. أسد الصحراء" (1980م)
من أفضل أفلام السيرة الذاتية على مستوى
العالم؛ فالأول يعد أضخم وأفضل إنتاج
سينمائي يتناول موضوعا دينيا عن
الإسلام في تاريخ السينما، والثاني يعد
أضخم إنتاج عربي يتناول قضية نضال
الشعوب في سبيل تخلصها من الاستعمار
ونيره.
وبهما
تمكن من توصيل رسالتنا الحضارية بشكل
عالمي، حيث وصلت أعماله إلى العالمية
مؤكدا للجميع أن إمكانياتها متوفرة،
ويمكن حصرها باللغة والتقنية، وبتوفرها
بين يديه أتاحت له فرصة لا مثيل لها
لمخاطبة الغرب.
ومنذ
البداية وبما يحمل من فكر تجاوز المحلية
خطط إلى تجاوز المشكلة الكبيرة التي
واجهت معظم منتجي الأفلام الدينية
السابقين؛ وهي تقديم الفيلم باللغة
الأجنبية إضافة للعربية، وليس بطريقة
الدبلجة وإنما بطريقة إنتاج الفيلم مرة
ثانية بممثلين أجانب.
وما
يميز فيلماه الخالدان أنهما ولدا
بطريقة قيصرية، ومن خلال مبادرات
شخصية، فلم تبادر أي جهة رسمية أو دينية
إلى تبني مثل هذين المشروعين، فقد أنجزا
بتمويل عربي ليبي وواجها الكثير من
العراقيل والمشاكل.
ففيلم
"الرسالة" الذي أنتج بعد أن حرص على
الحصول على موافقة الأزهر الشريف على
سيناريو الفيلم الذي اشترك معه في
كتابته الأديبان "توفيق الحكيم"، و"يوسف
إدريس"، ومع ذلك ظل الفيلم حتى الآن
أسير المحاكم في دول عربية رفضت بثه، في
حين قامت وزارة الدفاع الأمريكية بشراء
مائة ألف نسخة من "الرسالة" لعرضها
على الجنود قبل إرسالهم إلى الحرب في
أفغانستان.
وهذا
مؤشر بالغ الأهمية على القيمة الفعلية
التي يكتسبها الفيلم، فهو عمل يشكل
مصدرا ليتعرف الآخر الحضاري على
الإسلام، وهنا يعد الفيلم وثيقة حية
قادرة على نقل صورة الإسلام وحقيقته
الحضارية للعالم، وقد كرس فيه العقاد
فعلا عربيا جماعيا عبر الكتابة
والتمثيل وحتى التمويل.
ويلحظ
أنه كان قد أنجز فيلم "عمر المختار"
بعدما بحث عن موضوع يرمز إلى عدم
الاستسلام والهزيمة بعد زيارة السادات
إلى "الكيان الصهيوني"، وجاء هذا
من منطلق عميق آمن به العقاد؛ فالسينما
ليست مجرد تعامل مع جماليات يصنعها
الضوء، بل هي بمثابة فعل ثوري يحافظ على
المجتمع، ويلعب الدور الأكبر من تثبيته
على مواقفه ومبادئه وتعزيزها.
رؤية
سينمائية مختلفة
رغم
قلة السنوات التي قضاها العقاد في سوريا
والبلدان العربية بالمقارنة مع ما قضى
في أمريكا فإنه عمل على توسيع الحركة
السينمائية في العالم العربي، عبر
تخريجها من حيز المحلية إلى العالمية.
ورغم
ظهور العديد من التجارب السينمائية
العربية منذ انطلاقتها قبل 75 عاما فإنها
لا تزال متخلفة ومتواضعة تقنيا وماديا
وفنيا إذا ما أردنا مقارنتها مع آليات
الإنتاج السينمائي الغربي أو تلك التي
قدمها العقاد في فيلميه وهذا ضاعف
تفرده؛ ليبقى نموذجا لم يجارَ رغم حلمه
بأن يتكرر نموذجه عبر إنتاج عمل سينمائي
إسلامي ضخم كل عام.
وهو
كمخرج فذ يمتلك رؤية اختلف عن غيره من
المخرجين العالميين في أنه اتبع أسلوبا
مستحدثا جديدا في الإخراج تمثل في وقوفه
ضد المنطق القائم بالعالم من ظلم وتسلط
القوة؛ لتعكس أفلامه انتصاره للشعوب
المحتلة ولأصحاب الصورة الذهنية
المشوهة عربا ومسلمين.
وعبر
مشواره السينمائي الطويل عمل على تكون
رؤيته لعالم سينمائي مستقل لذاته، فهو
لم يعتبر السينما مفهوما جماليا وحسب،
بل كان لها مفهوم ثوري طليعي بأبعاد
ودلالات كبيرة، ويعد فيلم "المختار"
نموذجا رائعا لهذا البعد.
وانطلاقا
من هذا المفهوم الخاص والمتميز والواعي
تعلم هو من ذات "عمر المختار"،
وأوقف حياته على خدمة ما تعلمه، فقد كان
مبصرا للواقع العربي، قارئا لهذا
الواقع الذي تبنى أن يقوم بما يساعد على
النهوض به متكبدا الكثير من الصعاب.
وفي
مجمل عمليه الخالدين قدم للجماهير
العربية والعالمية تحفا فنية عالمية؛
فمشاهده كانت مليئة بالدلالات، مكونا
عبرها رؤية عامة، ومؤرخا للحظات صعبة
وتاريخية في حياة الشعوب، فقد نقل بسرده
الضوئي الواقع على مراراته، راسما
بسيناريو أعماله شخصيات قوية، بعيدة عن
التعقيد والتشبيك، غير متماد في
الرمزية التي تعجز المشاهد عن التحليل
والفهم العميق.
كما
تعد أفلامه نموذجا للتضامن الإسلامي
والعربي، فقد جمع بها قدرات فنية
وتمثيلية من أنحاء العالم العربي
والغربي أيضا؛ فهي متقدمة عن عصرها،
وسنكتشف فيها أشياء غابت عنا في المرة
الأولى أو كنا نعتقدها من البديهيات.
فعملاه
لم يفقدا قيمتهما أبدا، إنما تتجدد
قيمتهما بمرور الوقت وتزداد الحاجة
إليهما، فما قدمه تجاوز الزمن؛ بتقديمه
رؤية غير منتهية، جاعلا من الفن الذي
أسس مبادئه مشاركا وعنصرا حيويا في حوار
حضاري تشتد الحاجة إليه.
وغداة
التعمق في حالته نكتشف أن هذا المخرج
الاستعراضي غاص في حياة أمة على خلاف
مناظريه، قائما على أعمال موازية بين
التاريخ بأحداثه والرواية التاريخية
للفن؛ فلم يزوِّر كما لم يحرم المشاهد
من المتعة الحقيقة للفن، بل كان مصدر
إلهام حضاريا.
وهو
كشخصية غيورة قام بنقل تراجيديا شعوب
إسلامية، نابشا المناخ الهزائمي
العربي، محرضا على التعرض له دون
استسلام أو تهرب، بل بمواجهة كانت دائمة
البحث عن النقاط المضيئة في التاريخ
الإسلامي والعربي.
شكرا
ووداعا..
العقاد
كان دائم الحرص على العودة بين فترة
وأخرى، وكان يسمي عودته من أمريكا التي
قضى فيها حوالي 23 عاما بـ"الحج"
الذي يشحن نفسه فيه قوميا ودينيا.
وبرحيله،
وهو الممتنع عن اليأس، صاحب العقل
التنويري نفقد فرصة فرحتنا بظهور أعمال
سينمائية عربية عظيمة على يديه، كما أنه
لا يلوح في الأفق فرصة لتكرار إنتاج هذه
الأعمال في العالم العربي مرة أخرى لغير
سبب، منها القوانين الرقابية المتشددة،
وخوف السينمائي العربي الذي يبقى أسيرا
لمحددات واهية تقزم دوره.
وبموت
العقاد ندرك أن آخر حروف الرسالة التي
حملها قد انتهت؛ فالموت، كالعادة، جاء
دون استئذان فاعلا فعل السينما؛ فهي
انكسار للقلب وغربة للروح.
اقرأ
أيضًا:
**
محرر بصفحة "ثقافة وفن" بموقع "إسلام
أون لاين.نت"