|
الشيخ
عبد الله هو ممن انتصر بهم دين الله، قاد
الجيوش وجاهد من أجل نشر الإسلام وكان
أحد مؤسسي الدولة الصكتية، أكبر دولة
إسلامية في العصر الحديث في غرب إفريقيا
جنوب الصحراء.
البداية
ولد
الشيخ عبد الله بن محمد فوديو سنة 1180هـ/
1766م، وينتسب إلى قبيلة الفولاني التي
تنسبها بعض المصادر إلى الأصل العربي،
بينما يرجعها بعض آخر إلى الأصل الحامي؛
فقد رفع شأنها ومكانتها ذلك الدور الذي
قام به مجموعة من أبنائها ممن تولوا
مهمة التعليم والدعوة إلى الله في بلاد
الهوسا وغيرها، بخاصة الشيخ عثمان بن
محمد فوديو وأخوه الشيخ عبد الله، ومحمد
بل ابن الشيخ عثمان، والذين تكللت
جهودهم الدعوية والجهادية بقيام أكبر
دولة إسلامية في العصر الحديث في غرب
إفريقيا جنوب الصحراء، وهي الدولة
الصكتية 1219-1321هـ/ 1804-1903م.
تلقى
جل تعليمه على يد أفراد أسرته، خاصة أنه
كان في بلدة قل فيه الشيوخ والعلماء في
جوانب الإسلام، ولذا فقد قرأ القرآن
الكريم على والده. ولما بلغ الثالثة
عشرة من عمره، التصق بأخيه الشيخ عثمان،
ولم يفارقه في حله وترحاله، فقرأ عليه
"العشرينيات" و"الوتريات" وهي
قصائد في مدح النبي (صلى الله عليه وسلم)،
كما قرأ في العديد من العلوم مثل علم
التوحيد والإعراب والتصوف وكتب الفقه
وعلم الحساب.
وبذلك
يكون الشيخ عثمان هو المعلم الأول لأخيه
الشيخ عبد الله، ولم يكتف الشيخ عبد
الله بتلقي العلم عن أبيه وأخيه الشيخ
عثمان فقط، بل اتصل بعلماء وقته، فأخذ
عنهم من العلوم العربية والشرعية ما
أهّله لأن يصبح من كبار علماء عصره
تعليمًا وتأليفًا.
يقول
الشيخ عبد الله عن نفسه: "والشيوخ
الذين أخذت العلم عنهم لا أحصيهم الآن..
وكم عالم أو طالب علم أتانا من المغرب
فاستفدت منه ما لا أحصيه، وكم عالم أو
طالب علم أتانا من المشرق فاستفدت منه
ما لا أحصيه".
طريق
الدعوة
صاحب
الشيخ عبد الله أخاه عثمان إلى ولاية
"كب" و"زنفرا"، كما زار معه
ملك "غوبر" [باوا] مرتين، حيث كانا
يعملان على نشر الدعوة، وحصلا خلال
الزيارتين على حرية الدعوة إلى الإسلام
في بلاد غوبر.
أخذت
دعوته تشق طريقها محققة نجاحات متلاحقة؛
مما جعل أعداءها من أصحاب المصالح -بخاصة
رجال بلاط الملك- يضعون العراقيل أمامها
عن طريق تحريض ملك غوبر على الشيخ عثمان،
وتخويفه من ضياع سلطانه إن نجح الشيخ
عثمان في دعوته.
لذلك
تغير موقف ملك غوبر [نافاتا بن باوا (1216 ـ
1218هـ/ 1801 ـ 1803 م)] الذي خلف والده في الحكم،
فأخذ يضع العراقيل أمام الشيخ عثمان،
بالتضييق عليه من جهة، وبمنع المجتمع من
قبول دعوته من جهة ثانية.
وفي
عهد الملك ينف بن نافاتا (1218 ـ 1223هـ/ 1803 ـ
1808 م) اشتد التنافر والتنازع بينه وبين
الشيخ عثمان، بخاصة بعد أن طلب الملك
منه أن يهاجر من بلدته "طقل" بأهله
وعياله فقط فرفض الشيخ عثمان الهجرة
وحده، وأعلن لجماعته أنه مهاجر ورغبهم
فيها. فهاجر هو وكثير من جماعته من
بلدتهم "طقل" إلى بلدة في أطراف
بلاد غوبر يقال لها "قد".
ولم
تضع هذه الهجرة حدًّا للخلاف بين ملك
غوبر وبين الشيخ عثمان؛ حيث أخذ الناس
يهاجرون إليه سرًّا في موطنه الجديد.
فخشي الملك من زيادة قوة الشيخ وتمكنه،
فبدأ يهدده في موطنه الجديد بالحرب
والقتال. فاتفق رأي الجماعة على مبايعة
الشيخ عثمان أميرًا عليهم. وكان الشيخ
عبد الله بن فوديو أول من بايعه. ومنذ
ذلك الوقت أصبح الشيخ عبد الله وزير
أخيه الشيخ عثمان وكبير مستشاريه.
وفي
أثناء تجوال الشيخ عثمان ورحلاته في
بلاد الهوسا للدعوة إلى الإسلام اصطدم
مع بعض العلماء الذين يخالفونه في منهجه.
ومن ذلك اتهام العالم مصطفى القوني
للشيخ عثمان بأنه يتساهل في اختلاط
الرجال بالنساء أثناء دروسه ومواعظه.
فطلب
الشيخ عثمان من أخيه عبد الله أن يتولى
الرد على العالم القوني، فكتب إليه
الشيخ عبد الله قصيدة فحواها أن ارتكاب
أخف الضررين واجب إجماعًا في الدين
والدنيا، وضرر ترك النساء في الجهل لا
يعرفن الواجب عليهن، بل لا يعرفن
الإسلام أصلا، أكبر من ضرر اختلاطهن مع
الرجال. أما وقد عرفن الإسلام وقواعده،
وانتسبن إليه، فإن الواجب إعلام
المجتمع بأن اختلاط الرجال بالنساء
حرام، وهذا ما فعله الشيخ عثمان.
تأسيس
الدولة
في
سنة 1219هـ/ 1804م أعلن الشيخ عثمان الجهاد
ضد ملك غوبر ومن حالفه من ملوك بلاد
الهوسا وأمرائها، وكان للشيخ عبد الله
دور مؤثر في ذلك، بخاصة المعارك التي
تولى عبد الله قيادتها بنفسه، مثل معركة
"كتو" نظرًا لأنها المعركة الفاصلة
بين الفريقين، فمن يخسر فيها سيكون في
ذلك نهايته.
ويقول
الشيخ عبد الله: "لما طردنا سلطان
غوبر وجيشه، صرنا نحن نغزوهم ولا
يغزوننا". لذلك كله فقد أسند الشيخ
عثمان قيادة جيشه في هذه المعركة إلى
أخيه لحسن تخطيطه، وحنكته القيادية.
خرج
الشيخ عبد الله بجيش المجاهدين، وتوجه
إلى جيش عدوه قبل أن يصل الأعداء إلى
معسكر المجاهدين في "قد"، لينقل
المعركة بعيدًا عن معسكرهم حتى يتسنى
للشيخ عثمان وجماعته الفرار من موطنهم
لو وقعت الهزيمة لجيش المجاهدين، وبحسن
تخطيطه وخبرته -بعد مشيئة الله- انتصر
جيش المجاهدين.
ومن
المعارك التي قادها الشيخ عبد الله
الواقعة التي حاصر فيها الجيش مدينة "القاضاوا"
عاصمة ولاية "غوبر"، حيث يقيم
الملك "ينف بن نافاتا"، وذلك في
شعبان سنة 1219هـ/ نوفمبر 1804م. فعندما قرر
الشيخ عثمان حصار "القاضاوا" أمر
الجيش بالخروج، وأسند قيادته إلى أخيه
الشيخ عبد الله الذي تمكن من فرض حصار
قوي على مدينة "القاضاوا".
وبعد
عدة أيام كادت المدينة تقع في أيديهم
لولا خيانة فرقة الطوارق التي كانت
تقاتل إلى جانب جيش المجاهدين؛ حيث
استغل الطوارق انشغال المجاهدين في
الحصار، فغدروا بهم، وخلفوهم في عيالهم
وأمتعتهم. وهنا اضطر المجاهدون إلى فكِّ
الحصار، والتوجه إلى الطوارق لتأديبهم.
ومن
المعارك التي قادها الشيخ عبد الله فتح
بلاد "كب" في ذي الحجة 1219هـ/ مارس 1805م.
بعد
جهاد طويل استطاع الشيخ عبد الله مع
أخيه عثمان أن يؤسسا الدولة الإسلامية
في بلاد الهوسا، وبعدها اتجه الشيخ
عثمان لإرساء حكمه، وتحكيم الشريعة
الإسلامية في بلاده، فقسم في سنة 1227هـ/
1812م دولته إلى قسمين:
القسم
الأول: شمالي شرقي، ويشمل ولايات:
زنفرا وكاتسينا ودورا وكنو وبوتشي
وكاتاجم. وقد أسند الشيخ عثمان مهمة
الإشراف عليه إلى ابنه محمد بل.
القسم
الثاني: جنوبي غربي، ويشمل ولايات:
نيب ودندي وبورجو وإيللورين ولبتاكو،
وقد أسند الشيخ عثمان مهمة الإشراف عليه
إلى أخيه الشيخ عبد الله بن محمد فوديو.
وبعد
هذا التقسيم، انتقل الشيخ عبد الله إلى
قسمه واتخذ من "بودنقا" عاصمة له،
وظل مقيمًا فيها يتولى إدارة هذا القسم
والإشراف عليه.
وبعد
أن استقر الأمر لعبد الله أرسل جيوشه
إلى المناطق القريبة منه لنشر الإسلام
فيها، وتوسيع رقعة الدولة الصكتية وبسط
سلطتها على هذه المناطق، فاستطاع أن
يوسع حدود الدولة في الغرب وفي الجنوب
ومد نفوذه إلى بلاد "أجبومينا" و"أكرون"
و"جبوقن" و"إكوبي"، ولم تتوقف
جيوشه إلا عند غابة "إلشا" كثيفة
الأشجار.
تميز
حكام الدولة الصكتية وقادتها بأنهم
علماء عاملون، وتجلى ذلك في إنتاجهم
الفكري الضخم الذي تزخر به محفوظات
الجامعات النيجيرية حاليا؛ فلم تشغلهم
المهمات السياسية والإدارية عن العلم
والتعليم والتأليف، حتى إن مؤلفات
بعضهم -بخاصة مؤلفات الشيخ عثمان بن
محمد فوديو، وأخيه الشيخ عبد الله،
ومحمد بل بن الشيخ عثمان- قد جاوزت مائة
مؤلف بكثير أو قليل لكل واحد منهم.
لقد
شمل إنتاجهم العلمي معظم العلوم
العربية والإسلامية مثل: علوم
القرآن الكريم، وعلوم الحديث، وأصول
الدين، والفقه، والعلوم الشرعية
والسياسية، والتصوف، واللغة العربية
وآدابها، والتاريخ، والتراجم، والفلك،
والمنطق.
توريث
الحكم
بعد
أن توفي الشيخ عثمان تولى ابنه محمد بل
الخلافة فأحزن ذلك الشيخ عبد الله؛ لأنه
كان قد حذر أخاه من أن يجعل الحكم
بالوراثة فيصير ملكًا عضودًا لا
استخلاف فيه بالشورى كما أمرنا الإسلام،
ولكن سرعان ما رضخ لحكم ابن أخيه، ثم
استقل بالجزء الذي كان يحكمه في حياة
أخيه.
وألمت
الملمات بالخليفة الصغير فأرسل يستنجد
بعمه ذي الرأي الرشيد يقول له:
|
يا
أهل نوبة هذا الوقت للباري |
قصدتكم
فأمدوني بأنواري |
|
أنتم
ذخيرتنا في كل نائبة |
وأنتم
عوننا في نجح أوطاري |
اقرأ
القصيدة كاملة
وقد
أجابه عمه الشيخ عبد الله بقصيدة أوضح
فيها استعداده لمساعدته ومعاونته ما
دام الخليفة محمد بل ملتزمًا بأحكام
الإسلام، يقول فيها:
|
يا
طالب النور محفوفًا بأنوار |
يبغي
سبيلا لدار وهو في الدار |
|
ويدعي
غلق باب وهو منفتح |
في
وجهه دون حجاب وأستار |
اقرأ
القصيدة كاملة
وفاته
ضرب
الثوار وبعض المنهزمين الحصار حول جزء
الشيخ عبد الله، وما أن علم بذلك
الخليفة محمد بل حتى سارع برفع هذا
الحصار بجيوشه، وشتت هؤلاء، وعاد
الوئام بين العم وابن أخيه وظلا كذلك
حتى وفاة الشيخ عبد الله سنة 1245هـ/ 1829م؛
كما استمرت الوحدة قائمة بين "صكت"
وغواندو حتى سقوط الدولة الصكتية تحت
الاستعمار الإنجليزي سنة 1321هـ/ 1903م.
ولما
توفي الشيخ عبد الله رثاه الخليفة محمد
بل بالقصيدة التالية:
|
إن
الرزية لا رزية مثلها |
رزء
غدا الإسلام منثلمًا به |
|
خطب
جليل حل من فقد الذي |
في
العلم ليس له أخ من مشبه |
اقرأ
القصيدة كاملة
كما
رثاه محمد البخاري بن الشيخ عثمان بهذه القصيدة:
|
ألا
عجبت أميمة من بكائي |
وعولي
وانتحابي في النساء |
|
تقول
تعجبا مني وعذلاً |
فيا
للقوم ما لأبي براء |
اقرأ
القصيدة كاملة
اقرأ
أيضًا:
**
باحث وصحفي
|