|

|
|
جوليان فايس
|
|
في
العام 1935م ولد الفنان الفرنسي جوليان
فايس في مدينة باريس من أب فرنسي وأم
سويسرية، ومنذ طفولته الأولى ظهرت
ميوله الموسيقية مما جعل والديه
يوجهانه نحو تعلم الموسيقى، ومع سنوات
يفاعته الأولى ظهرت قدراته الغنائية
مما جعل العروض تنهال على والديه من قبل
المسارح الغنائية كي يظهر في فقرات
فنية، وتنبأ له كبار الفنانين بأنه
سيصبح نجما من نجوم البوب والجاز في
فرنسا.
البحث
عن الفن المجهول
لكن
جوليان التحق بمعهد الموسيقى في باريس
العام 1966م ليتعلم العزف على آلة
القيثارة الكلاسيكية، وبسرعة غير عادية
أتقن العزف على هذه الآلة وحقق شهرة
واسعة في الأوساط الفرنسية وصار نجما
مطلوبا لإحياء حفلات العزف على
القيثارة في جميع البلدان الفرنسية.
وهكذا
في سن مبكرة اتسعت شهرة جوليان في
فرنسا، ثم امتدت إلى الدول الأوربية
الأخرى، وهو ما جعل كبريات شركات
الإنتاج الفني والسينمائي تتسابق
لتوقيع عقود عمل مغرية معه، ولتطلقه
كأحد كبار نجوم الغناء الغربي والسينما
العالمية، وعن تلك الفترة يقول جوليان:
كشاب
مراهق آنذاك كانت عروض العمل التي
تقدمها الشركات مغرية جدا، فهي تفتح لي
باب الشهرة والمال، ولكن كان هناك فراغ
روحي واسع في أعماقي، وكنت أشعر بأن
عالما فنيا آخر يناديني ويجب أن أبحث
عنه، لذلك رفضت كل عقود العمل المغرية،
ولم أكترث بالشهرة التي حققتها كعازف
قيثارة، وبدأت رحلة البحث عن ذلك العالم.
ويضيف
قائلا: ورغم أنني حققت شهرة كبيرة في
فرنسا ولكن ماذا بعد الشهرة؟! ربما
ستوفر لي الشهرة المال، ولكن ماذا بعد
أن يتوفر المال؟! أسئلة محيرة لازمتني،
وكفنان قلت إنه لا بد من وجود فن مختلف،
فن يملأ الفراغ الذي تزداد مساحته
اتساعا في أعماقي، لذلك بدأت البحث،
فسافرت إلى بلدان أوربية عدة حيث كانت
شهرتي كعارف قيثارة تسبقني إليها،
ومنها انتقلت إلى بلدان آسيوية، وفي
العام 1974م عدت إلى باريس دون أن يتقلص
إحساسي بالفراغ، وقد عكفت على تأليف
مقطوعات موسيقية كلاسيكية للقيثارة
حققت أسطواناتها أعلى الأرقام في
المبيعات في فرنسا وبريطانيا والولايات
المتحدة وغيرها، ولتنهال علي عروض
العمل المغرية من هوليود وشركاتها
السينمائية، ولكن مرة أخرى رفضت، وقررت
البحث من جديد عن عالم فني آخر أشعر أنه
ينتظرني.
رحلة
الاكتشاف
يغادر
جوليان باريس مرة أخرى، ويتجه هذه المرة
من فرنسا إلى تونس، وفيها يمسك ببداية
الخيط الذي سيقوده إلى العالم الفني
الذي يبحث عنه، إذ بالمصادفة يستمع إلى
عازف العود العراقي منير بشير، ومع كل
نغمة كانت تصدر عن أوتار العود كان يشعر
بأن الفراغ في داخله يمتلئ، فوقف وصاح
باللغة الفرنسية:
ـ
وجدتها... هذه الموسيقى التي أبحث عنها..
ومع
صيحته أعلن قراره بهجر القيثارة
الغربية، وتفرغ فورا لتعلم العزف على
آلة العود.
لقد
تعلم خلال فترة وجيزة العزف على آلة
العود، ولكنه اكتشف بأن إمكانات هذه
الآلة محدودة، فقرر أن يتعلم أيضا العزف
على آلة القانون، لذلك لازم الفنان
العراقي منير بشير في العراق، وبسرعة
تفوق في العزف على آلة القانون إلى حد
جعله من أشهر العازفين عليها في العراق،
وهو ما جعل منير بشير يؤلف قطعة موسيقية
باسم جوليان فايس وعزفها تكريما له في
أمسيات بابل الفنية في العراق.
لم
يكتف جوليان بأن يصبح متفوقا في العزف
على آلة القانون، فقد شغف بها لذلك انكب
على دراستها سنوات، وتمكن من ابتكار
قانون جديد يحتوي على 201 حبل موسيقي بدلا
من 87 حبلا مما وسع من قدرات الآلة إلى
خمسة أوكتافات وكان أول عزف على هذه
الآلة في مدينة أزمير التركية على يد
العازف التركي أكدر كوليل فأذهلت الآلة
المستمعين لقدراتها اللحنية الواسعة،
وعلى الأثر نال جائزة فيلا ميدسي على
هذه الآلة وعلى مجمل أبحاثه.
جوليان..الحنين
إلى الإيمان
في
رحلة بحثه زار جوليان مدينة حلب
السورية، وكان قراره أن تكون مدة
الزيارة طويلة لأن هذه المدينة العريقة
تضم إرثا فينا ضخما، وبنفسية الباحث
الدءوب عايش البسطاء في الأحياء
القديمة يستمع إلى أغانيهم، وصار يحضر
الأعراس في الأحياء الشعبية مسجلا
ألحان الأغنيات والمواويل.
وفي
كل يوم كان يكتشف الجديد الثمين من
الألحان الشرقية الأصيلة في هذه
المدينة، ولكن كان لا بد من أن تنتهي
زيارته وحين أراد جوليان أن يودع أحياء
مدينة حلب القديمة وقبل أن يغادرها، قام
بجولة مسائية في بعض الأحياء حيث لم يبق
إلا بضع ساعات لموعد إقلاع الطائرة التي
حجز عليها من مطار حلب إلى باريس، وفي
جولته الوداعية تلك مر أمام مسجد صغير،
فتوقف أمام باب المسجد مذهولا، حيث
تنساب من داخل المسجد أصوات أناشيد
دينية ومدائح نبوية، فلم يتمالك نفسه
ودخل إلى المسجد فوجد حلقة ذكر يقيمها
بعض أبناء الحي الذين بادروا للترحيب به.
ـ
أنا مسيحي: فهل أستطيع دخول مسجدكم؟
يسأل
جوليان بارتباك، فيجيبه شاب بترحاب:
-
أنت في بيت من بيوت الله يا سيدي، والله
أكرم ولا حدود لكرمه فكيف لا تدخل بيت
أكرم الأكرمين وأنت مطمئن؟
ـ
وما هذا الذي تفعلونه؟
-
إنه ذكر... وهو أننا نجتمع في هذا المكان
الطاهر فننشد أشعارا نشكر الله فيها على
نعمه علينا، ونثني علي نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم.
ويستمع
جوليان للرجال في حلقة الذكر، وللمرة
الأولى يشعر أن الفراغ الروحي في داخله
قد زال، وكفنان يستمع إلى أجمل الألحان،
فيخرج من المسجد بعد نهاية حلقة الذكر،
وأول ما فعله هو أنه مزق بطاقة السفر
وأعلن:
ـ
في هذه المدينة سأبقى وأعيش.
يقول
جوليان:
ـ
أمضيت أياما وأنا أتجول بين مساجد حلب
القديمة مستمتعا بحلقات الذكر التي
تقام فيها ليلا، ودهشت من ذلك الكم
الكبير من التراث الموسيقي واللحني
الذي تؤدى به الأناشيد الدينية
والمدائح النبوية حتى لكأن أوركسترا
كبيرة تعزف مع أنه لا توجد أي آلة
موسيقية في حلقات الذكر هذه، ومن خلال
مواظبتي على المساجد تفهمت حقيقة الدين
الإسلامي، وأنه هو العالم الذي كنت أبحث
عنه منذ طفولتي، ولذلك ومن دون تردد
اتجهت إلى أقرب مسجد ونطقت بالشهادتين
وأشهدت الحضور على إسلامي واسمي الجديد
هو جوليان جلال الدين.
وهكذا،
وبعد إسلامه أقام جوليان في أحد أحياء
حلب القديمة وهو حي باب قنسرين وتعلم
اللغة العربية وحفظ القرآن وتعلم
التجويد.
فرقة
الكندي.. عالميا
|

|
|
فرقة الكندي في أحد الاحتفالات
|
صار
الفنان الفرنسي جوليان يعرف في مدينة
حلب باسم الشيخ جلال الدين كما صار علما
من أعلام الفن في حلب، فهو صديق الجميع،
يستقبل الصحفيين الذين يأتون خصيصا
لمقابلته من أوربا وغيرها ويشرح لهم
تعاليم الإسلام العظيمة، وفي داره
الواسعة يستقبل يوميا زواره من أهالي
حلب ليرتل لهم القرآن الكريم بصوته
الشجي، وبين هذا وذاك يواصل بحثه في
التراث الموسيقي العربي.
إنه
تراث غني جدا، ويجب إيصاله للعالم، لهذا
قام جوليان في العام 1983م وبعد إشهار
إسلامه بتأسيس فرقة دينية سماها فرقة
الكندي، وانضم إليها أشهر المنشدين
الدينيين في مدينة حلب، ومع هذه الفرقة
انطلق بجولات إلى مدن فرنسا ودول أوربا،
حيث كان يتم تقديم الموشحات الدينية
والمدائح النبوية، وفي كل مكان كانت
الفرقة تحقق تظاهرات جماهيرية.
يقول
جوليان عن هذه الفرقة: للأسف الغرب
يجهلون كثيرا عن حقائق الإسلام،
ولأسباب معروفة يعتقدون أن الإسلام لا
علاقة له بالفن، وهو يحارب الفن ويحظر
ممارسته، لهذا كان أحد أهدافي من خلال
فرقة الكندي أن أشرح للغرب الفن الأصيل
والنظيف الذي وجد في ظل الإسلام، بل إن
العرب المسلمين قدموا للعالم أفضل تراث
لحني وموسيقي.
إن
الفن حاجة إنسانية فطرية، والإسلام دين
لبى حاجات الإنسان الدنيوية كاملة في
إطار نظيف وطاهر يهذب النفوس، وبالتالي
وضع الفن في وظيفته الصحيحة، أي تطهير
النفس وتحريضها على العمل والالتصاق
بالفضائل، والأذكار والمدائح النبوية
أمثلة واضحة على هذا الفن الإسلامي
الأصيل.
ويحدثنا
الفنان عمر سرميني أحد أعضاء فرقة
الكندي قائلا:
ـ
في أي مدينة غربية عندما نعلن عن حفلة
للفرقة يتزاحم الجمهور لحضور الحفلة
ليشاهدوا ويستمعوا للنجم الشهير جوليان
فايس وهو يعزف على القيثارة، فهذا
الفنان ما زالت شهرته واسعة في كل
أوربا، ولكن بدلا من ذلك كان الجمهور
يفاجأ بـ جوليان يعزف على آلة القانون
وهو يرتدي مثل بقية أعضاء الفرقة الزي
العربي، ومرارا كان جوليان يأسر
الجمهور بعزفه الرائع على القانون،
ولنجد أن هذا الجمهور قد اندمج اندماجا
كليا مع ما نقدمه.
لقد
اكتشف الغرب عبر حفلاتنا روعة آلاتنا
الموسيقية كالناي والقانون والعود،
وعقب كل حفلة يشرح جوليان للصحفيين
والجمهور روعة التراث والموسيقى
العربية، وأن على العالم أن يجدد
استفادته من هذا التراث الفني.
وبقى
نجما عالميا
بعد
إسلامه عاد جوليان إلى النجومية
العالمية، ولكن بفرقة الكندي الحلبية
التي أسسها، وقد لبى دعوات جامعات
أوربية عدة كمحاضر زائر في الموسيقى
العربية، وفي العام 1987م أسندت إليه
إدارة مهرجان الموسيقى العالمية في
مدينة بولونيا في إيطاليا احتفالا
بذكرى تأسيس أول جامعة في أوربا، كما تم
تكريمه من قبل منظمات إنسانية وموسيقية
وهيئات حكومية في دول عدة.
تربطه
صداقات بعدد من رؤساء الدول الأوربية
والعربية، وما زالت شركات إنتاج
سينمائية عالمية تحاول إقناعه بتصوير
قصة حياته، ولكنه الآن يمارس استمتاعه
بعيشه في بيته القديم في مدينة حلب،
سعيدا بزيارات جيرانه واستقبال
المهتمين بالموسيقى العربية، وإكرام
الضيوف الذين يأتون من دول العالم خصيصا
لمقابلته وتذوق فنون الموسيقى العربية
في أرقى درجاتها الدينية والدنيوية.
اقرأ
أيضًا:
فرقة "الكندي".. هجرة عازف أوربي للفن الصوفي
سامي
يوسف.. المنشد الديني في عصر الفيديو كليب
السنغالي
يوسو ندور..مطرب إفريقيا المسلمة
يوسف
إسلام.. الدعوة بالموسيقى الهادئة!
*
نقلا عن مجلة الوعي الإسلامي الكويتية
العدد (479) رجب 1426هـ=أغسطس/سبتمبر 2005م
|