بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

سياسية

رياضيـة | علميـة  | فقهيـة |  دعويـة | سياسيـة | ثقـافيـة وفنيـة | اجتمـاعيـة |مذاهب وأديـان | مؤسسـات


آكاييف قرغيزيا.. رحلة المستنير إلى الديكتاتورية!

30/03/2005

عاطف معتمد عبد الحميد**

عسكر آكاييف

 

قبل انتفاضة الحادي والعشرين من مارس (2005) كانت قرغيزيا بلدا لا يستطيع الناس نطق اسمه أو التعرف على مكانه، وكذلك كان رئيسها.

قبل انتفاضة مارس، تلك التي دنس من شرفها النهّابون والمخربون، كانت قرغيزيا تعيش هدوء التوتر الذي يرافق المشي فوق الحبال.

كان من يمشي على الحبال هو عسكر آكاييف رئيس البلاد، حكم الرجل قرغيزيا بمبدأ التوازنات، راهن على حماية القوى الأجنبية له وسكوتها على تهميشه لمعارضيه وزجهم في غيابات السجون؛ اطمأن إلى رصيد قبلي وعشائري غرر به، فوقع في الخطأ المكرور. لم يشفع له أن 90% من نواب برلمانه موالون له، تناسى، مستمتعا، أن من يأتي إلى البرلمان بالتزوير لا ربيب له ولا ولاء.

قدم آكاييف نفسه إلى الصحافة العالمية بابتسامته الشهيرة التي تغريك فتظنها تعكس فكرا ساذجا بريئا بينما تخفي وراءها مكر التاريخ وحنكة الصراعات في بلد مر به كل شيء، حكمة الصينيين، وفورة التتر والمغول، وأطماع الروس، ومشروعات الإسلاميين، وأحلام الأمريكيين.

من الجامعة إلى رئاسة الجمهورية

السيرة الذاتية لعسكر آكاييف لم تكن توحي بذلك المسار ولا بتلك النهاية. وعلى خلاف صعود الضباط وأنصاف السياسيين في العالم الثالث إلى سدة الحكم مستفيدين من أمية الشعوب، جاء آكاييف من خلف أسوار الجامعة.

في قرية كيزل بايراك شمال قرغيزيا ولد عسكر آكاييف عام 1944. وفي أسرة تشربت أجواء المزارع الجماعية الإجبارية خلال الحقبة السوفيتية أكمل ابن الفلاح تعليمه وصولا إلى الجامعة.

سافر آكاييف خارج وطنه إلى جامعة ليننجراد قبلة العلوم السوفيتية. من عشرينيات عمره واصل تعليمه في علم الفيزياء حتى حصل على شهادة الدكتوراه في التخصص ذاته، ليعود بعدها حاملا آمالا أكاديمية إلى الوطن عام 1976.

وفي بلد زراعي قبلي كانت الطرق ممهدة إلى عالم الفيزياء للترقي الأكاديمي فبلغ أرقى منصب علمي في قرغيزيا وهو رئاسة أكاديمية العلوم. في عام 1986 استعان الحزب الحاكم القرغيزي بعسكر آكاييف كجزء من تلميع صورته وتشكيل خط دفاع أمام الشعب بضم الفئات النخبوية إلى قياداته. سياسة رائجة في الأنظمة الشمولية أينما كان موقعها.

عام 1989 تأكد الشيوعيون في قرغيزيا من أن الشيوعية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن تحقيق شكل ما من أشكال الاستقلال عن المركز في موسكو قد قارب على البلوغ. في أكتوبر 1990 اختار البرلمان القرغيزي آكاييف -ذلك الأكاديمي الذي ظنوه لا يفقه في حبائل السياسة الكثير- رئيسا للبلاد. راهن من اختاروه على قدرتهم على تحريكه من خلف الستار ليحققوا لأنفسهم مشاريع وطموحات. كان الطريق معبدا ليكسب مقعد الرئاسة في أول انتخابات شعبية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي نهاية عام 1991.

رجل العصر وأمل الحرية

كما هي المفاجأة عادة في العالم الثالث، تحول آكاييف إلى سياسي في بضع سنين. بين عامي 1991-1993 تمكن آكاييف من أن يدخل إلى بلاده مفاهيم إصلاحية جديدة كانت كفيلة بأن يعرف لدى العالم الغربي "بأمل" الديمقراطية؛ وأن تتحول قرغيزيا في عهده إلى أكبر ديمقراطية وسط آسيا.

نشر آكاييف في قرغيزيا مشروعات الإصلاح الاقتصادي دافعا الخصخصة خطوات كبرى إلى الأمام، خرجت عشرات الأحزاب بمختلف أطيافها. تمكنت سياساته الزراعية ومنح الفلاحين حقوقا متزايدة في العثور على مفتاح محبة الشعوب عبر التاريخ. صار آكاييف رجل الدولة بلا نزاع.

هكذا ظهرت قرغيزيا آكاييف مطلع التسعينيات مختلفة حقا عن باقي دول وسط آسيا والقوقاز التي لم تتغير فيها أجواء الحياة السياسية كثيرا بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي. بقيت الوجوه الشيوعية القديمة فوق صدور الناس في هذه البلاد وأتقنت فن المراوغة وتغيير المصطلحات لتضمن لنفسها استمرارا في السلطة. آكاييف الذي لم يكن ينتمي وجدانا للحزب الشيوعي وجاء بعباءة الحرم الجامعي كان أكثر تحررا وقدرة على التغيير.

رغم انتمائه إلى سكان القسم الشمالي من البلاد لم يهمل آكاييف في جهوده الإصلاحية الجنوب المتأخر. كان يستمع لكل نقد. يتذكر الكثير من الصحفيين آكاييف مطلع التسعينيات حينما كانت الصحافة الحرة (التي ولدت برعايته) توجه إليه نقدا فيبادر بنفسه للاتصال بالمحررين شاكرا إياهم لفت نظره وواعدا بالتغيير.

سمحت أجواء الحرية ونمو مؤسسات المجتمع المدني بولوج تمويلات من قبل عديد من المؤسسات المالية الكبرى بعضها منسوب لأشخاص، مثل مؤسسة جورج سوروس وبعضها دولي منسوب للاتحاد الأوربي. انخرطت هذه المنظمات في أطياف متباينة من قضايا هذه الدولة التي لا يزيد سكانها عن الملايين الخمسة ومساحتها عن دولة مثل سوريا.

هكذا كانت الأحزاب والحركات الاجتماعية والسياسية على درجة معقولة من الاتصال بالخارج والوعي بالذات ولم تكن توجه للحكومة سوى ما هو معتاد ومألوف.

الطريق إلى الديكتاتورية

عسكر آكاييف يوجه خطابه للشعب والمعارضة

بين عامي 1993 و1995 وقع عسكر آكاييف في فخين كبيرين: الأول معارضة الحاشية السياسية للإصلاح والديمقراطية التي ستعيد توزيع القوى والثروة على مساحات أوسع لن تستفيد منها، وأمامها فزاعة النمو المتزايد للأحزاب والمؤسسات الصاعدة؛ والثاني ضعف آكاييف أمام ثقافة القبيلة وضغوط العشيرة فضم إلى المواقع الحساسة أقاربه وذويه. قبل أن يوقع آكاييف نفسه بين فكي كماشة الحاشية والعشيرة أعيد انتخابه -من بين مرشحين للمعارضة- بأغلبية كبيرة نهاية عام 1995.

حينما قدم جون أندرسن كتابه الجاد عام 2000 عن قرغيزيا وضع له عنوانا فرعيا هو "واحة الديمقراطية في آسيا الوسطى". غير أن أندرسن أضاف للعنوان علامة استفهام. ويختزل الاستفهام هنا الدهشة التي أصابت المتابعين من تحول قرغيزيا من سويسرا الشرق -هكذا عرفت في الإعلام الغربي حتى منتصف التسعينيات- إلى نظام ديكتاتوري في نهاية نفس العقد.

تعتبر السنوات الخمس بين 1995 و2000 (الفترة الرئاسية الثانية لعسكر آكاييف) مرحلة التحول بل التوجه نحو السقوط. وبعد أن كان آكاييف يدخل انتخابات الرئاسة واثقا من إنجازاته، فاز في انتخابات أكتوبر 2000 وسط اتهام منظمات غربية له بالتزوير ولعنات المعارضة. تفشت المحسوبية والفساد في حكومة آكاييف، وفي وقت واحد كان ابنه وابنتاه وأخواه وأختان لزوجته أعضاء في البرلمان القرغيزي!.

كان التزوير الانتخابي قد أشعل حماسة المعارضة ورفع صوتها عاليا متهمة آكاييف بأنه "المافيوز الكبير"، كان الرد الرادع من حكومة الرجل أن زج بزعيم المعارضة فيليكس كولوف إلى السجن بتهمة الاختلاس حينما كان يشغل منصب عمدة بيشكك. لا يعرف أحد على وجه الدقة من كان يختلس، ومن كان بريئا، لكن عمدة بيشكك كان قد شغل منصب نائب الرئيس في مطلع التسعينيات وصار المنافس الأكبر على كرسي الرئاسة.

جاءت أحداث سبتمبر والغزو الأمريكي لأفغانستان لتقدم سندا قويا لآكاييف الذي وقع في إغراء جيد بالتغاضي عن فساده في مقابل إقامة قاعدة عسكرية لواشنطن في بلاده. سرعان ما طمأن الرجل موسكو المفزوعة من التسلل الأمريكي إلى أبواب بيتها فسمح لها بإقامة قاعدة مماثلة. هكذا ضمن الرجل في يمينه الرضا الأمريكي وفي يساره السند الروسي فطابت له الدنيا وهنأت! لم يكن ممكنا للمعارضة أن تبحث عن طرف ينجدها غير واشنطن وموسكو. بات الأمر وكأنه نهاية للتاريخ لصالح آكاييف.

ورغم اقتناعها بأن القوى الخارجية لن تقف معها، فقد دعمت المعارضة قوتها الداخلية وركزت على جنوب البلاد المهمش والأقل تنمية، والأبعد عن الكعكة المتقاسمة في الشمال. لم تجد المعارضة صعوبة في إقناع رجل الشارع بظواهر لا تخطئها العين من الفساد، فكسبت تعاطف الكثير وحيدت الكثير.

اللحظات الأخيرة

لم يكن عسكر آكاييف يظن حتى أكتوبر عام 2003 (حينما تم توريث الحكم الجمهوري في أذربيجان برعاية أمريكية من حيدر علييف إلى ابنه إلهام) أن الولايات المتحدة ستغير من موقفها حيال دعم الأنظمة التي تخدم مصالحها. رتب الرجل نفسه في الباطن للبقاء في السلطة عبر الانتخابات الرئاسية المنتظرة في أكتوبر 2005. وبمراوغة تستغل ذاكرة الشعب الضعيفة، لم ينس آكاييف أن يعلن للصحافة أنه "لن يرشح نفسه للانتخابات القادمة".

بعد شهر فقط من ذلك التاريخ وفي نوفمبر 2003 حين أطاحت المعارضة بالرئيس الجورجي إدوارد شيفرنادزه (الذي لم يعادِ يوما الولايات المتحدة!) دخل عامل جديد في الضمانات الأمريكية للعروش الاستبدادية، وإن كان هذا الدرس لم يلق حتى الآن حظه من البحث والدراسة.

لم يكن هناك وقت على ما يبدو لعسكر آكاييف ليلتفت إلى أن هذا العامل الجديد قائم على فرضيات ثلاث:

1- أن مصالح الولايات المتحدة الخارجية تتهدد بسبب دعمها للأنظمة الاستبدادية.

2- أن حركات المعارضة الداخلية في مثل هذه الدولة تشعر بالتدريج أن الولايات المتحدة هي الراعية للنظم التي تحول بينها وبين التداول السلمي للسلطة. ومن ثم فهناك خطر داخلي بهذه الدول على المنشآت الحيوية للولايات المتحدة ومن بينها القواعد العسكرية.

3- أنه ليس شرطا أن تكون حركات المعارضة ذات مشروعات معادية للولايات المتحدة. فأغلب الشواهد تشير إلى أن هذه المعارضة متعطشة لتداول السلطة وتحقيق مصالح حرمت منها لسنوات طويلة.

احتاجت هذه الفرضيات إلى عامل "تشحيم" لكى يكسبها القدرة على الحركة، وهذا ما قدمته المعارضة في قرغيزيا -على خلاف باقي دول آسيا الوسطى- حينما تمكنت من إحكام السيطرة على نصف البلاد وإشعال مظاهرات دموية حارقة والتنسيق الداخلي مع أطراف ضالعة في السلطة.

كان أول إعلان صرحت به المعارضة القرغيزية حينما طردت عسكر آكاييف هو أنها لن تمس المصالح الأمريكية أو الروسية في البلاد. إعلان جاء مهما جدا للجماهير الغاضبة قبل أن ينفلت عقالها أو تمضي في أحلام بعيدة بشأن الاستقلال عن تأثير القوى الأجنبية. هكذا لن تشعر الولايات المتحدة وروسيا باختلاف كبير بين آكاييف (الرئيس المخلوع) وباكييف (الرئيس المنتظر) فكلاهما متشابه الاسم، وكلاهما يحقق المصلحة!.

اقرأ أيضًا:


**  كاتب وأكاديمي مختص بالشأن الروسي ومنطقة آسيا الوسطى


مجاهيل ومشاهير

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع