 |
|
آية الله مطهري على يسار الصورة وبجانبه الطباطبائي |
فتشت
الثورة الإيرانية في كل دفاترها
القديمة فوجدت أنها بحاجة لأفكار هذا
الرجل فاستدعته أو استدعتها من قبره!
هذا
ما يمكن أن يلخصه الاهتمام المتزايد في
الساحة الإيرانية بشخص وأفكار آية الله
مطهري الذي مضى ربع قرن على استشهاده.
في
صحيفة كيهان الرسمية وبتاريخ 26-4-2004 قال
آية الله سيد علي خامنئي زعيم الثورة
الإسلامية في إيران: "إن دراسة أفكار
وآراء الشهيد آية الله مرتضى مطهري
وتأثيرها في تشكيل المباني الفكرية
للثورة الإسلامية وتكريم شخصيته
المنقطعة النظير، هي موضع احتياج
المجتمعات الإسلامية، وأداء جزء من
الواجب المستحق لمفكري الثورة
الإسلامية النجباء. إن
المرحوم مطهري بقوة فكره الصائب قد ورد
ما بين عامي 1340 و1350هـ 1962 و1972م ميادين في
مجال القضايا الإسلامية لم يخضها أحد
حتى الآن، لقد تعمق الفكر الغربي
والشرقي، وتفاعل مع تحدياته العلمية
العميقة والواسعة التي لا نهاية لها،
وحقق نجاحات هائلة في ساحة المواجهة مع
الماركسية والليبرالية والفكر الغربي،
بقدرته العلمية وإيمانه الراسخ
واعتماده على الذات، وأوجد بقدرته على
الاجتهاد وإنصافه وأدبه العلمي أسلوبًا
متقنًا بعيدًا عن التحجر والتلفيق؛
لتعريف الإسلام ومواجهة الانحراف
واعوجاج الأفكار، وأسس قاعدة فكرية
يحتاجها المجتمع الإسلامي الثوري لعبت
دورًا مؤثرًا في مسيرة الفكر الإسلامي
وتشيكل النظام الإسلامي. بعد
مرور نحو ربع القرن على استشهاد هذا
الرجل لا نملك بديلاً لمجموعة كتبه،
وإيران المستقبل في احتياج مبرم لأمثال
مطهري".
وفي اليوم نفسه نقرأ على لسان
الرئيس سيد محمد خاتمي: "إن مطهري هو
رجل ميدان حوار الحضارات". (اطلاعات
في 26/4/2004م) وبعدها بيوم واحد نطالع
تصريحًا لغلام علي حداد عادل رئيس مجلس
الشورى الإسلامي يقول فيه: "إن
الميراث الفكري للأستاذ مطهري وما
استحدثه في الفلسفة التطبيقية يمكن أن
يكون حجر الأساس للمعرفة الجديدة في
الجامعات، وملهمًا لطلاب وعلماء الحوزة
العلمية الدينية". (رسالت في 27/4/2004م)،
ولو فتشنا في الوقت نفسه لطالعنا قول
الدكتور علي لاريجاني ممثل الزعيم في
المجلس الأعلى للأمن القومي وزير
الثقافة الأسبق رئيس هيئة الإذاعة
والتلفزيون السابق: إن أفكار الشهيد
مطهري تطرح التعددية الثقافية
والتعددية الدينية، وتطرح الحرية
بمختلف جوانبها الفلسفية والدينية
والاجتماعية. (همشهري في 26/4/2004م)، وقول
الدكتور سيد حسن حسيني الأستاذ بجامعة
طهران ومدير هيئة الإذاعة الإيرانية: إن
مطهري هو احتياج كل يوم. (جام جم في 24/4/2004م)..
فما الذي حدث؟ ومن هو آية الله مطهري؟
القطب
الثاني للثورة
يعتبر
آية الله مرتضى مطهري مع آية الله محمد
حسين بهشتي قطبي مفكري الثورة
الإسلامية في إيران، فكانا مجددين في
الفكر الإسلامي الشيعي وتطبيقاته،
وكانا فعالين في وضع لبنات النظام الذي
أقامته الثورة في مختلف المجالات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية والفكرية، وكانا يقومان بحل
المعضلات الفكرية والاجتماعية التي
كانت تصادف مجلس قيادة الثورة، مع
مواجهة التوجهات اليسارية واليمينية
لقادتها، إلا أن مطهري كان تجديديًّا
بينما كان بهشتي أصوليًّا، وقد استشهد
مطهري قبل مرور عام على انتصار
الثورة الإسلامية في 1/5/1980م برصاصة أحد
المتطرفين، بينما استشهد بهشتي بعده
بعام في 28/6/1981م عند
قيام منظمة مجاهدي خلق بتفجير مقر حزب
الجمهورية الإسلامية الذي كان متواجدًا
فيه يلقي إحدى خطبه.
سيرة
ذاتية وعلمية
ولد
آية الله مرتضى مطهري في 2/2/1920م في مدينة
فريمان إحدى مدن محافظة خراسان، وكان
والده حجة الإسلام محمد حسين مطهري أحد
علماء الحوزة الدينية في مشهد، وهناك
تلقى الأستاذ مرتضى تعليمه منذ سن
الثانية عشرة وحتى عام 1937م على يد آية
الله ميرزا مهدي شهيدي رضوي، ثم توجه
للحوزة الدينية في قم عام (1938م) حيث درس
على يد العالمين المعروفين: سيد صدر
الدين صدر وسيد محمد خوانساري، انتقل
إلى الدرس على يد الأستاذين الكبيرين
آية الله بروجردي وآية الله الخميني،
حيث تأثر بفكرهما كثيرًا وسار على نهج
حركتهما، كما لازم ميرزا علي آقاي
شيرازي. واهتم آية الله مطهري خلال فترة
1944م و1952م بدراسة الأدب والمنطق وأصول
الفقه في الدراسات العليا مع آية الله
منتظري على يد كل من آية الله مازندران
وآية الله الخميني، كما درس الفلسفة
والحكمة على يد العلامة سيد حسين
الطباطبائي حيث استفاد منه وتأثر به
كثيرًا حتى إنه أحب علم الكلام والفلسفة
الإسلامية، وتبحر في دراستها، فضلاً عن
دراسته للغة العربية والأدب العربي إلى
جانب الأدب الفارسي في عصوره المختلفة.
الجهاد
ضد الشاه
التحق
بركب الجهاد ضد النظام وتعاون مع منظمة
فدائيي الإسلام، ثم توجه إلى طهران عام
(1953م) حيث أسس الجمعية الإسلامية للطلاب
مع بداية جديدة لنشاطه، والتحق عام (1956م)
بكلية العلوم الدينية (الهيات) بجامعة
طهران مدرسًا حتى عام (1978م)، وخلال ذلك
حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة من
نفس الكلية، حيث سمى نفسه على سبيل
السخرية (ذو الحياتين)، ويبدو أن فترة
وجوده في الكلية سمحت له بممارسة نشاطه
السياسي من خلال الجمعية الإسلامية
للطلاب حتى اعتقل مع الخميني في أحداث
المدرسة الفيضية عام 1964م، وقد أطلق
سراحه بعد أربعة وثلاثين يومًا مع نفي
الخميني إلى تركيا، حيث أقام في حي أمير
الأمراء، وأخذ يعمل على تشكيل جمعية
علماء الدين المناضلين بموافقة الخميني
ومساعدة زملائه، كما ساعد في السنوات
التالية على تأسيس حسينية إرشاد، وصار
عضو مجلس إدارة هذه المؤسسة، وهناك بدأت
تظهر أفكاره ونظرياته الإسلامية.
وفي
عام 1970م أصدر بيانًا بالاشتراك مع آية
الله زنجاني والعلامة طباطبائي لإدانة
الإجراءات الأمريكية في فلسطين، وجمع
التبرعات لصالح اللاجئين الفلسطينيين.
كما تولى عام 1972م البرنامج الإعلامي
والنضالي لمسجد الجواد، وكان على اتصال
بالخميني في تحركاته. وقد اعتقل مرة
أخرى عام 1973م وتم إغلاق حسينية إرشاد،
وبعد إطلاق سراحه استمر في نضاله حتى
منع من الخطابة على المنابر عام 1978م،
وقد ضمه الخميني إلى عضوية مجلس الثورة
الإسلامية، فكان من أوائل أعضائه، وظل
فيه حتى وفاته. كان آية الله مطهري من
المستشارين المقربين للخميني وموضع
ثقته، حتى إن الخميني كان يصفه بأنه
حاصل عمره. كان رئيس لجنة استقبال
الخميني عند عودته من المنفى مع انتصار
الثورة الإسلامية، حيث شكّل هذه
اللجنة، وأعد له مسكنه، وكتب إعلان
الترحيب به وإعلان انتصار الثورة، وظل
بجانبه طوال فترة وجوده في المدرسة
العلوية بطهران.
ميراثه
العلمي
وقد
عرف مطهري بأنه كان حجة في الفلسفة،
وموسوعة في العلوم الدينية من فقه
وتفسير وحديث، فضلاً عن إجادته للغة
العربية حتى قيل عنه إنه جامع المعقول
والمنقول، واسع المعرفة عميق الفكر، له
مؤلفات كثيرة، أشهرها: شرح نهج البلاغة،
قصص الصالحين، مقدمة على أصول الفلسفة
للعلامة الطباطبائي، الحركات
الإسلامية، نظام حقوق المرأة في
الإسلام، أسباب التوجه للمادية،
الإنسان والمصير، نقد على الماركسية،
العدل الإلهي، الحركة والزمن، دروس
الشفاء، مقدمة على الرؤية الإسلامية
الشاملة للعالم، الإسلام ومقتضيات
الزمان، الإمامة والزعامة، الجهاد،
جولة في السيرة النبوية، الحماسة
الحسينية، النهضة وثورة المهدي،
الخدمات المتقابلة بين الإسلام وإيران،
فلسفة الأخلاق، التعليم والتربية في
الإسلام، حول الثورة الإسلامية، حول
الجمهورية الإسلامية، فلسفة التاريخ،
قضية الحجاب.
استشهاده
وقعت
حادثة اغتيال مطهري في الساعة الثامنة
من مساء يوم الثلاثاء (1/5/1980م) عندما كان
متوجهًا لعقد جلسته الأسبوعية
السياسية، وقد نفى أعضاء بارزون في حزب
توده أن يكونوا قد قاموا باغتياله، وإذا
كانت الحادثة قد نسبت إلى جماعة الفرقان
المنشقة، فإن إحسان طبري الذي انشق عن
حزب توده وانضم للإسلاميين على يد
الشهيد مطهري يؤكد أن اغتيال مطهري تم
على يد عملاء المخابرات المركزية
الأمريكية أو الموساد الإسرائيلية. (كيهان
في 28/4/2004م)، وقد بكاه الخميني عند
استشهاده بما لم يبك به ابنه، وكان يقول
في مأتمه: خذني معك فأنا مستعد للشهادة،
لقد فقدت ابني العزيز الذي هو قطعة من
جسدي، كما وصفه بأنه لا نظير له في طهارة
الروح وقوة الإيمان والقدرة على
البيان، وأن شخصيته الإسلامية والعلمية
والفلسفية لن تذهب بموته، وقد أعلن
الحداد العام من أجله وجلس في المدرسة
الفيضية يتلقى فيه العزاء.
قال
آية الله منتظري في وفاته: إن فقدان آية
الله مطهري خسارة كبيرة للعلم والتقوى
والثورة. وقال العلامة طباطبائي: كنت
أشعر بالسعادة عند حضوره مجلس الدرس.
وقال عنه آية الله بيات: إن أمثال مطهري
من نوادر التاريخ. وقال الشهيد آية الله
سعيدي الذي قتله السافاك: إن أردتم ألا
تضلوا الطريق، تمسكوا بأذيال السيد
مطهري فإنه عصارة الفضائل. وقال آية
الله جعفري: الأستاذ مطهري عمود
الإسلام، لا تضيعوا فيض الحضور في
جلساته. (كيهان في 28/4/2004م).
لماذا
يستعاد مطهري الآن؟
كان
مطهري يمثل الدعم الثقافي للثورة
الإسلامية بما كان يقدمه للثوار من صيغة
إسلامية يرون فيها نقاء خالصًا
مستمدًّا من كتاب الله وسنة نبيه
وتعاليم أئمة الشيعة دون تحريف أو تعديل
أو تصحيف، وبما يتجاوب مع ظروف الزمان
ومقتضيات العصر، فقد كان يربط بين
شعارات الثورة ومدرسة التشيع، وفي إطار
ذلك سعى لأن تكون جمعية علماء الدين
المناضلين (روحانيت مبارز) نموذجًا لفكر
مدرسة التشيع، وتشكيلاتها نموذجًا
للمقاومة الإسلامية، وما زالت الجمعية
تتبع فكره حتى الآن، وما زال قدوة
للتيار المحافظ في إيران.
وربما
كان ذلك هو ما يحرك القادة الإيرانيين
الآن للرجوع إلى أفكار مطهري، في ظل
الظروف التي تحيط بإيران الآن، ومع
الضغوط العالمية التي تقودها الولايات
المتحدة الأمريكية على دول منطقة الشرق
الأوسط من أجل الإصلاح السياسي
والاجتماعي والاقتصادي، حيث أدركت
القيادة الإيرانية أنه ليس من المفيد
مواجهة موجات المطالبة بالإصلاح في
الداخل أو الخارج بالقهر أو المعارضة أو
التشدد، وأن الإصلاح ينبغي أن يتم
بتحويل التوجه إلى فكر تجديدي وسط داخل
إطار النظام، خاصة أن مطهري يقدم برامج
جاهزة للإصلاح في إطار الاعتدال
الإسلامي، وإذا كان فكر بهشتي قد غلب
على توجهات الثورة والنظام في أوج
حماسها الثوري، عندما تمكن من تطبيق
أفكاره، مع تأسيسه حزب الجمهورية
الإسلامية الذي سيطرت رموزه المتعاونة
مع بهشتي على السلطات الثلاث التشريعية
والتنفيذية والقضائية في جمهورية إيران
الإسلامية، خاصة مع تضمن أفكار مطهري
لتعدد المرجعية الدينية، وهو ما لم يكن
الخميني وتلامذته يحبذونه في ذلك
الوقت، حيث كان مطهري يدعو إلى أن يكون
دور المرجعية الدينية أيديولوجيًّا
وليس سلطويًّا أو سياسيًّا، ومن هنا فإن
تعدد المراجع سوف يكون مفيدًا وليس
ضارًّا، وستكون السلطة المعنوية للفقيه
أكثر تأثيرًا على النظام من السلطة
السياسية، بل إنها يمكن أن تمنع المشاكل
التي قد تواجه المرجع السياسي تحدياتها.
ويبدو
أن خامنئي قد أدرك أنه قد أصبحت الحاجة
مُلحّة الآن للرجوع إلى منهج مطهري في
التفكير، خاصة أنه يؤكد على استمرارية
الثورة في الحكم الإسلامي، وأن الثورة
ضرورة إسلامية وإنسانية ملحَّة لا يمكن
الاستغناء عنها، وتتناغم مع روح العمل
في الدين الإسلامي.
كما
أن نظريته في الحرية التي تقوم على
ضرورة إطلاق حرية الرأي وحرية العقيدة -بشرط
ألا يحدث تداخل بين أفكار أصحاب العقائد
والنظريات وأن يكون كل منهم مخلصًا
لعقيدته في فكره وعمله- تحدث التمايز
والتنوع في المجتمع، وهو ما يفيد النظام
في المرحلة الراهنة.
كما
أن تأكيده على أن الإسلام لا يتعارض مع
الديمقراطية، وأن الإسلام هو محتوى
الجمهورية وليس قيدًا عليها، يرضي
الإصلاحيين ويتجاوب مع فكرهم. وكذلك
تعويله على محورية الإنسان وأنه أساس
الخلق والابتكار والعمل، وأن الإسلام
لا يتنافى مع التقدم والأخذ بأدوات
المدنية الحديثة، مؤكدًا على أن تقوم
النهضة على أساس علمي، وعلى أكتاف شباب
الثورة والنظام، وهو ما يرضي توجه
النظام والمحافظين الجدد.
إضافة
إلى هذا كله فقد حل مطهري مشكلة التواجه
بين الإسلام والقومية على أساس يرضي
القومية الإيرانية، ويضمن استمرار موقع
التراث الإيراني من الفكر الإسلامي في
أجندة عمل الثورة الإسلامية، ويوجد
تكاملاً بين القومية الإيرانية
والإسلام في إطار عصري، حيث يؤكد أن
ادعاء انفصال الدماء والعروق ليس أكثر
من خرافة، وأن العرق الآري كان منفصلاً
عن العرق السامي في الماضي، أما الآن
فقد امتزجا بالقدر الذي لم يبق أثرًا
لانفصال العروق، وأن الحديث عن استقلال
العرق أو الدم ليس أكثر من خرافة.
كما
أكد مطهري أن الدين والعلم والفلسفة لا
وطن لها، وإنما هي عالمية وملك للجميع،
وهذا لا يمنع من ضرورة المحافظة على
التراث الثقافي الوطني وتفعيله كأحد
أركان الثقافة العالمية. وأكد مطهري أن
من الخطأ التمسك بالعادات الخاطئة أو
التفريط في التجديد، وأن الإسلام في
تأكيده على السنن الحسنة أكد على ضرورة
تناسب القيم مع العرف وظروف المجتمع
ومقتضيات الزمان.
اقرأ أيضا:
المرجع:
-
أفكار
مطهري حول الثقافة والمدنية - باجتهاد
حجة الإسلام محمد حسن سعيدي وآخرين. نشر
هيئة الإذاعة والتليفزيون.
**
أستاذ
الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس
المصرية
|