|

|
|
العاروري
|
لم
يكترث لظلمة الزنزانة التي ضمته بين
جنباتها، قرر التحدي، أمسك بالخبز
ونقعه بالماء حتى أصبح عجينا، خطّ
بيمينه بذلك الخبز عبارات التحدي
والقوة على جدران الزنزانة، كرر العمل
في كل زنزانة احتضنته في سجن "المسكوبية"
بالقدس؛ حتى جعل كل مكان يُظهر ظلم
الاحتلال وحقد المحققين، حضر ضابط
المخابرات، أزعجه المنظر، وقرر معاقبته
بمنع الخبز عنه، لكن الإرادة كانت أقوى
بكثير، اقتادوه بسيارة المحكمة (البوسطة)
لمحاكمته، لكن رغم القيد الذي بيده فإن
تحديه بقي موجودا، فقرر توثيق ذلك اليوم
من حياته، فلم يجد سوى جدار السيارة
دفترًا يُشهد الأيام على مدى الظلم،
فكتب تلك العبارات بالقيد الذي أدمى
يديه.
في
قرية فلسطينية كان الميلاد
في
قرية "عارورة" شمال مدينة رام الله
وسط الضفة الغربية ولد وجدي أنور سعيد
العاروري، في 14-10-1977، لعائلة بسيطة،
مكونة من ثمانية أفراد، كان أوسطهم.
وعلى الرغم من ترتيبه المتوسط فإنه كان
دائما المتميز من بينهم؛ حيث قوة
الشخصية وكثرة الحركة ونظرة المستقبل
والطموح بالغد المشرق. أما الأب -57 عاما-
فهو يعمل نجارا يحاول من خلال عمله
توفير لقمة العيش لعائلته وأبنائه.
التحق
"العاروري" بمدرسة البلدة، وأكمل
دراسته، وحصل على شهادة الثانوية
العامة بالفرع العلمي، ومنذ صغره كان
يحمل هواية الخط والرسم؛ وهو ما جعله
مميزا بذلك بين زملائه في المدرسة؛ حيث
كان يطلب منه المدرسون كتابة بعض
العبارات أو الرسوم على جدران المدرسة؛
الأمر الذي أثار إعجاب من كان يحضر إلى
ذلك المكان، ومن بين المعجبين كان مدير
التربية والتعليم في ذلك الوقت لمحافظة
رام الله؛ حيث طلب منه الحضور لمقر
الوزارة لتشكيل بعض الرسومات على
الجدران، وعند الانتهاء من العمل تمت
مكافأته وتقديره على نشاطه.
دراسته
الجامعية
على
الرغم من أن معدل الثانوية العامة الذي
حصل عليه العاروري لم يكن بالمستوى الذي
كان يطمح إليه؛ فإن شغفه في إكمال
الدراسة وتطوير موهبته في الخط والرسم
جعله يبحث عن أي معهد أو جامعة يلقى بها
ضالته المنشودة، لكن لم يجد هذه الضالة
على أرض الوطن حيث المستوى الذي يطمح
إليه؛ فقرر السفر إلى الأردن، وبدأ
البحث عن ذلك الهدف إلى أن التحق "بجمعية
الخطاطين الأردنيين" حيث ملتقى
العديد من الخطاطين من الدول العربية،
وكان ذلك في عام 1996، وشاءت الأقدار أن
يحضر متأخرا إلى الجمعية حيث الدورات
الخاصة بالخط كانت قد بدأت ويجب عليه
اللحاق بها، إلا أن تصميمه على التميز
جعله يلحق بجميع زملائه الذين قطعوا
شوطا بالخط، ولم يتوقف عند ذلك؛ بل أصبح
أكثرهم تميزا، وأصبح أكثر الطلاب
اهتماما من قبل رئيس الجمعية الأستاذ
"إحسان تركماني".
وخلال
دراسته في الأردن تمكن من تجاوز كل
الظروف والصعاب، وبدأ يشق طريقه بالعمل
الذي استطاع من خلاله توفير المصاريف
اللازمة لإكمال دراسته وحياته، حيث عمل
في المجال، واشتهر به.
كما
أنه التحق بكلية "أبو جهاد"
التقنية في مدينة رام الله، وحصل فيها
على شهادة دبلوم في التصميم الدعائي.
خطَّ
المصحف بيمينه
|

|
|
لوحة
خط كوفي
|
الخطاط
العاروري لم يبحث عن العلم فقط بل أراد
التميز والإبداع؛ فقد تمكن من خلال
انتسابه لجمعية الخطاطين الأردنيين من
اجتياز دورة خط النسخ بتفوق، وأصبح
بموجبها مجازا في كتابة خط النسخ، وهو
الخط الذي يكتب به القرآن الكريم؛ فقد
حصل عل شهادة في هذا المجال، وكان ذلك هو
الأمل المنشود، وعبّر عن ذلك بقوله: "حبي
للقرآن كان دائما يدفعني لأن أكتب حروفه
بيدي، وأخيرا حصلت على ذلك"، لكن
ظروفه التي أصبح يمر بها وخاصة ظروف
الاعتقال فيما بعد جعلت مهمة نسخ القرآن
كاملاً صعبة؛ حيث قام بنسخ عدد من
الأجزاء، ولم يستطع استكمال المشوار.
تجربته
مع الاعتقال
بعد
أن انتهى وجدي من الدراسة بالأردن عاد
إلى فلسطين مسقط رأسه يحمل آماله في رفع
مستوى الخط بفلسطين، لكن القوات
الإسرائيلية وزنازينها لم تترك له
الفرصة للقيام بمثل هذه العمل؛ فقد تم
اعتقاله للمرة الثانية في بداية عام 1998م
لمدة شهرين، قضى خلالهما حكما إداريا في
سجن "مجدو" العسكري، وبعد أن تم
الإفراج عنه بأربعة أيام تم اعتقاله
للمرة الثالثة التي اقتيد فيها إلى مركز
تحقيق المسكوبية بالقدس، والتي عانى
خلالها من مختلف أشكال التعذيب والعزل
والحرمان من رؤية الآخرين؛ فقد ألحقت به
القوات الإسرائيلية تهمة الانتماء
لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"
في ذلك الوقت.
وبعد
الانتهاء من فترة التحقيق تم نقله إلى
سجن "مجدو"، وهناك أكمل فترة حكمه
لمدة 42 شهرا قضاها داخل المعتقل، وبقي
طموحه رغم طول رحلة العذاب بإكمال
المشوار الذي قد بدأه؛ ففكر في إنشاء
دورات للخط العربي داخل المعتقل، لكن لم
يكن يتوفر هناك أي حد أدنى من المواد
الأساسية من حبر أو قصب (وهو عبارة عن
نبات البوص الذي يستخدم في كتابة الخط
العربي بعد أن يبرى رأسه)، لذلك بدأ يفكر
في طريقة لصنع الحبر، حيث تمكن بالفعل
من صنعه، وذلك عن طريق جمع المادة
الأساسية من دخان النار (الشحبار) ومن ثم
غليه بالماء لفترة طويلة من الوقت،
بعدها يتم إضافة بعض المواد المثبتة حتى
تصبح صالحة للكتابة.
وللتغلب
على النقص بالقصب فقد قام بتوصية عدد من
المعتقلين -وخاصة من يسكن ذووهم بمناطق
أريحا والأغوار الذي ينبت فيه البوص-
بطلب إحضار القصب من ذويهم، وذلك خلال
فترة الزيارات التي كانت تسمح بها إدارة
السجون الإسرائيلية، وبهذا تمكن من
توفير الأساسيات لكل هذه الدورات، وبدأ
ينضم إليها العديد من المعتقلين حيث
تجاوز عددهم 500 معتقل، وبفضل الاجتهاد
والتواصل مع زملائه المعتقلين
والراغبين بتعلم الخط استطاع تنظيم
الدورات والخروج بإنجازات عظيمة عملت
على رفع مكانة الخط العربي وتعزيز
مكانته بين الآخرين.
تنافس
بلوحات الخط والزخرفة
|

|
|
لوحة
للعاروري
|
|
بعد
أن تم إنجاح دورات الخط داخل المعتقل
بدأت هذه الدورات تأخذ مجال الإبداع
والتنافس، فقد بدأت اللجنة الفنية
بالمعتقل والتي أنشأها العاروري
بالقيام بعدد من النشاطات والمسابقات
التي تبحث عن الإبداع في مجال الخط
والرسم والحرف اليدوية وعمل المجسمات
المختلة التي كان من بينها مجسمات
للمسجد الأقصى وقبة الصخرة؛ حيث تم
افتتاح العديد من المعارض داخل المعتقل
تحت إشراف اللجنة الفنية العامة، وتم
منح المشاركين العديد من الشهادات
التقديرية والجوائز.
ويقول
العاروري في ذلك: "كان الهدف من وراء
هذه الأنشطة هو ربط المعتقل بالخط
العربي الأصيل وحفظه من تقلبات الزمن،
والعمل على النهوض به من خلال الطاقات
الكامنة داخل الشباب".
من
خلف الظلام يخرج النور
مرحلة
الاعتقال التي مر بها الخطاط العاروري
لم يقضها كباقي المعتقلين بل أخذ يفكر
باستغلالها ليجعل من الخيال حقيقة،
وتجربته بدورات الخط التي كانت تعطى
للمعتقلين جعلته يشعر بأن هناك بعض
المعتقلين لم تكن لهم الهواية بالكتابة
أو حتى لا يمتلك الروية للكتابة؛ لذلك
أخذ يفكر بطريقة أخرى يساعد بها مثل
هؤلاء الشباب.
وبعد
تفكير عميق ابتكر خطًّا جديدًا أطلق
عليه اسم "الخط الدعائي الحديث"؛
حيث يشير العاروري في مقدمة الفصل
الثاني الذي يحمل هذا الخط في كتابه
الذي ألفه فيما بعد إلى الأسباب والدافع
الأساسي من وراء تأليف ذلك الخط؛ حيث
يقول في مقدمة الفصل: "إن الهدف
الأساسي من ابتكار هذا الخط هو إبراز
القيمة الحقيقية للخطوط الأصيلة مقارنة
مع هذا الخط، وأيضا للإخوة الراغبين
بتحسين خط اليد وليس لهم أناة بتعلم
الخط الأصيل؛ حيث أصبح كل واحد فيهم
يتعلم الخط بفترة لا تتجاوز خمسة دروس
للطالب"، ويضيف في مقدمة الفصل أنه
"كان مضطرا حينها لخدمة الخط العربي
بإبراز الصورة الإيجابية المتفاعلة
للحرف العربي في ذهن أي شخص مهما كان
مستواه".
أما
عن الإنجاز الآخر الذي خرج به من خلف
القضبان فهو تأليفه لكتاب "الأساس في
الخط العربي"، وهو عبارة عن بحث شامل
في أساس الخط العربي وأسرار قواعده وطرق
تعلمه؛ حيث بدأ الإعداد له عن طريق جمع
عدد من المراجع من جامعات الضفة
الغربية، وذلك عن طريق زيارات الأهالي.
وفي
حديثه لشبكة "إسلام أون لاين.نت"
قال: "بعد أن حصلت على العديد من
المراجع والكتب الخطية وجدت أن أغلبها
لا يلبي حاجة المبتدئين والراغبين في
تعلم الخط، ومع وجود الأسلوب المنفرد
بالخط أيقنت أنه من الضروري توثيق ذلك
بكتاب يختلف في أسلوب عرضه عن الكتب
الأخرى المتداولة بالسوق، فبدأت أبحث
ليل نهار لإخراج الكتاب، وقد وفقني الله
لذلك، وهو الآن في إعداد الطباعة ليتم
نشره".
حكاية
من الزنزانة
|

|
|
لوحة
للعاروري
|
|
في
المرة الأولى التي تم فيها اعتقال
الخطاط العاروري من قبل قوات الاحتلال
وهو يجلس على مقاعد الدراسة الثانوية
وكان ذلك في 1993، وخضع وقتها للتحقيق في
سجن الفارعة شمال الضفة الغربية؛ حيث تم
عزله بـ"خزانة" (حجمها يتراوح ما
بين 60سم بالعرض و70سم طول، بارتفاع مترين)
وخلال وجوده فيها لم يكن أمامه فعل أي
شيء؛ لذلك أخذ ينحت بيده جدار الخزانة،
ويكتب عليه اسمه، وللصدفة فقد كانت
الخزانة ملاصقة لغرفة المحقق الذي
انزعج من صوت النحت وأخذ يبحث عن مصدر
الإزعاج إلى أن شاهد العاروري وهو ينحت
جدارها، وهناك ثار جنونه وقام بضربه على
ساقه فسال الدم منها، وهذه العلامة بقيت
محفورة على ساقه حتى الآن.
خرج
الخطاط وجدي العاروري من المعتقل عام 2001
وكان يحمل معه طموحا في تأسيس اتحاد
الخطاطين الفلسطينيين؛ حيث تفتقر
فلسطين لذلك أسوة بباقي الدول العربية،
لكن اندلاع انتفاضة الأقصى والاجتياحات
الإسرائيلية للمدن الفلسطينية كان
عائقا أمام ذلك؛ لذلك قرر من جديد
متابعة المسيرة التعليمية وتطوير
موهبته أيضا بالرسم، والتحق بكلية
الفنون بجامعة النجاح الوطنية، وهو
الآن يجلس على مقاعد الدراسة، ويمارس
أيضا عمله في الدعاية والإعلان.
اقرأ ايضا:
**
صحفي
فلسطيني – مكتب النجاح للصحافة
|