 |
|
بلاس إنفانتي
|
"الدولة
مثل البيت الكبير حيث يعيش الناس طبقا
للقواعد التي وضعها آباؤهم الأولون،
دون نسيان أي أحد، تماما كما أن لكل منا
في بيته تقاليد لأسلافه".
بلاس
إنفانتي (1885-1936) المعروف بـ"أبو
الأندلس الحديثة" (طبقا لوصف برلمان
الأندلس في مضبطة أعماله ليوم الثالث من
أبريل عام 1983) كان له فضل أن أقر بأهمية
أولئك الذين أعطوا للأندلس هويتها:
مسلمو الأندلس.
كان
بلاس إنفانتي رجلا سابقا لعصره، لكن
الحرب الأهلية في أسبانيا (1936-1939) محت من
فوق أرض بلادنا كل أثر للتطور في
العلاقات الثقافية البينية، أو
لاستعادة الذاكرة التاريخية للأندلس.
لقد فهم إنفانتي الأندلس كامتداد للروح
اليونانية القديمة القائمة على
الديمقراطية وعلى الحرية لأولئك الذين
تعرضوا للتهميش الثقافي بعد انقضاء
الحقبة الإسلامية. ويرجع الفضل لبلاس
إنفانتي في جعل الماضي منطلقا
للمستقبل، ومن ثم فإن علينا أن نقتفي
أثره كرجل ذي عقلية متفتحة لديه البصيرة
التي أعانته على أن يرى قبل غيره شواهد
إعادة إحياء النور والعدل في إطار من
التسامح.
في
كلماته عبَّر إمانويل رويز روميرو
الأستاذ بمركز الدراسات التاريخية في
الأندلس ("Volver a ser lo que fuimos"-Webislam,1999)
قائلاً: إن التعايش في أيام الأندلس بين
البربر والعرب والقوط والكتالونيين
والعبيد.. وحتى بين أتباع الديانات
الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام
يحدد بوضوح معنى القومية الأندلسية،
قومية قائمة على الإجارة ونبذ الحرب
ونبذ الإقليمية والقومية الضيقة، كل
تلك المعاني التي يمكن أن تتلخص في شعار:
"الأندلس لنفسها، ولأسبانيا،
وللإنسانية"، ذلك الشعار هو كنه
التاريخ الأندلسي (...).
لا
بد لنا من استلهام حقبة الحرية تلك -طبقا
لأفكار بلاس إنفانتي- لنوجد نهرا
للخيال، نرى فيه القوة الاجتماعية
والثقافية تعود إلى صنف من الأندلسيين،
رجالا للنور كما كانوا في الماضي. إن
إحياء تلك الحرية لا يعني الانفصال، بل
التوجه لتقوية الإخاء. في مثل ذلك
الوضع، وفي مواجهة ضرورة تجاوز الضغائن
التاريخية، التي تستثار بشكل ميسور،
سوف لن تكون هناك ثنائية أو تعارض في
الفهم بين المسيحية والإسلام مرة أخرى،
بل أخوة حقيقية في منطقة وسطى بين
إفريقيا وأوربا: أسبانيا.
كانت
طريقته تلك في التفكير مثيرة في ذلك
الوقت من ثلاثينيات القرن العشرين، بل
إنها لطريقة ثورية في التفكير حتى
بالنسبة لنا اليوم، رغم أنها ربما تكون
فقط كأثر جانبي لاتجاه عالمي بالعودة
للماضي وصولا للحداثة. لقد ساقت تلك
الأفكار بلاس إلى الموت، لكن بذرة
التطوير والحرية، وصلت إلينا اليوم.
في
الفترة ما بين 19 إلى 20 سبتمبر الماضي
عُقد في مدينة إشبيلية -وتحديدا في مركز
الدراسات التاريخية الأندلسية- ملتقى
حول بلاس إنفانتي بدعم من مجلس العلاقات
المؤسسية، وقد حلل الملتقى حالة
الاحتقان التاريخي الأندلسي، والأعمال
المتعلقة ببلاس إنفانتي، ومسرحياته،
وتوصل الملتقون لعدة مقررات هي:
*
المطالبة بالتوقف عن التلاعب برسالة
بلاس إنفانتي.
*
أن معنى القومية لدى إنفانتي مختلف:
معنى حر، إنساني ومدني. في مقابل معناها
الكلاسيكي في أوربا: حصري، يعيق
المشاركة. إن القومية لدى بلاس إنفانتي
هي قناة للتغيير الاجتماعي من منطلق
التعددية.
*
أن بلاس إنفانتي اعتبر الأندلس مجتمعا
متعدد الثقافات، لديه سمة ثقافية قائمة
على التنوع.
*
أن أفكار بلاس إنفانتي ما زالت في
عنفوانها، مكتملة الحداثة، ولا بد من
استخدامها من قبل الإدارة لاستثارة
فطرة الشعب الأندلسي.
*
الإعلان عن غياب الدراسات التي تتناول
فكر بلاس إنفانتي عن الجامعات
الأندلسية.
إن
استعادة صورة بلاس إنفانتي ضرورية في
بدايات القرن الحادي والعشرين، وبالأخص
في منطقتنا الأوربية التي يزداد فيها
تواجد المسلمين يوما بعد يوم. لقد انجذب
للجذور الإسلامية لأسبانيا، والآن يمكن
لبلدنا من وحي فكره أن يصبح نموذجا
للديناميكية الاجتماعية، أرضا خصبة
لتماسك الأندلسيين في الداخل والخارج
الذين اضطروا لترك أرضهم، والذين
يعبرون عن شوقهم إلى العودة، والأهم من
ذلك أن يكون لدينا القدرة على استعادة
العيش السلمي المشترك للمسيحيين
والمسلمين واليهود، في إطار من
المساواة الدينية.
إن
أفكار بلاس إنفانتي حول الدولة تعطي
صورة لشعب فخور بتاريخه كأساس
للثقافات، في مقابل الصورة النمطية
للقومية النافية -الألمانية نموذجا-.
باختصار؛
فإن الأندلس الإسلامية هي مرآة
للمستقبل المأمول.
اقرأ في الموضوع:
** صحفية أسبانية ناشطة في حوار الأديان
|